الأحد 25 فبراير 2018 م - ٩ جمادي الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / تربية الأولاد في الإسلام (7)

تربية الأولاد في الإسلام (7)

على المربين أن يوجدوا البدائل المقبولة لكل المنهيات المستهجنة، ومن فضل الله أن ديننا يقوم على ذلك

أحمد محمد خشبة:
ثامناً: التربية عن طريق السؤال والجواب، وانتهاز فرصة حاجة المتربي لذلك، حيث ورد ان ابن لقمان سأل أباه حينما رأى البحر المتلاطم الأمواج فقال: يا أبتاه: لو وقعت حبة في هذا البحر أيعلمها الله تعالى؟ فأجاب لقمان بقوله (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير) فأجاب إجابة دقيقة فذكر بدل الحبة مثقال حبة من خردل وهي غاية في المبالغة في الصغر، كما ذكر بما يدل عليه بطريق أولى فقال:(يأت بها الله) أي قادر على ان يأتي بها، ومن الطبيعي جداً اسئلة الاولاد الكثيرة فلا ينبغي للمربي ان ينزعج منها بل يستفيد منها، ويبني عليها، ومن الجانب النفسي فإن الاطفال يملون من العرض والالقاء فلا بد إذن من ايصال المعلومات عن طريق الاسئلة والأجوبة وغيرها من وسائل التشويق.
تاسعاً: التربية عن طريق قاعدتي الثواب والعقاب والتخويف والترغيب والترهيب، حيث تضمنت الوصايا الأجزية على تلك الافعال، وما يترتب عليها من ثواب وعقاب وجنة ونار، ومن محبة للناس أو بغضهم أو نحو ذلك، حيث وصف الالتزام بالقيم الاخلاقية والعبادات فإنها من مكارم الاخلاق وعزائم أهل العزم.
عاشراً: ضرورة الاتيان بالبدائل عند النهي عن أي شئ، حيث بعدما نهى لقمان عن الخلق الذميم من التكبر ونحوه رسم له الخلق الكريم فقال:(واقصد في مشيك) بعدما قال:(ولا تمشِ في الأرض مرحاً) فعلى المربين ان يوجدوا البدائل المقبولة لكل المنهيات المستهجنة، ومن فضل الله تعالى ان ديننا يقوم على ذلك.
أحد عشر: إن الوعظ الذي يقدمه الوالد، أو المربي ينبغي ان يكون شاملاً لجميع ما يحتاج اليه المتربي من خلال خطة زمنية ومن خلال فقه الأوليات، ولذلك شملت وصايا لقمان لابنه الجانب العقدي، والجانب الاخلاقي، والجانب العملي، كما انها راعت فقه الاوليات حيث بدأ الحديث والتركيز على العقيدة الصحيحة، وعلى زرع التقوى والخوف من الله في قلوب المتربين، ثم التركيز على أداء الصلاة واقامتها، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر، ثم التركيز على الجوانب الاخلاقية القولية والسلوكية، يقول الامام الرازي في تفسيره (25/150): والذي يظهره وجوده الأول هو أن الانسان لما كان شريفاً تكون مطالبه شريفة فيكون فواتها خطرا فأقدر الله الانسان على تحصيلها بالمشي فإن عجز فبإبلاغ كلامه اليه، والثاني: هو ان الإنسان له ثلاثة اشياء عمل بالجوارح تشاركه فيه الحيوانات، فإنه حركة وسكون، وقول باللسان ولا يشاركه فيه غيره، وعزم بالقلب وهو لا اطلاع عليه الا لله، وقد أشار اليه بقوله:(يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير) اي أصلح ضميرك فإن الله خبير، بقي الأمران فقال:(واقصد في مشيك واغضض من صوتك) اشارة الى التوسط في الافعال والاقوال، الثالث: هو ان لقمان اراد ارشاد ابنه الى السداد في الأوصاف الانسانية والأوصاف التي هي للملك الذي هو أعلى مرتبة منه، والأوصاف التي للحيوان الذي هو أدنى مرتبة منه، فقوله:(وأمر بالمعروف وانه عن المنكر) اشارة الى المكارم المختصة بالإنسان دون الملك، فإن الملك لا يأمر مالكا آخر بشئ ولا ينهاه، وقوله:(ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً) إشارة الى المكارم التي هي صفة الملائكة من عدم التكبر، وقوله:(واقصد في مشيك واغضض من صوتك) اشارة الى المكارم التي هي صفة الحيوان، ولكن الإنسان يهذب هذه الصفات.
اثنا عشر: بدأ لقمان الحكيم وصيته لابنه بقوله:(يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) والسبب في البدء بهذا يعود الى ان أول واجب على الوالد، وولي الأمر هو غرس العقيدة الصحيحة، فهي الأساس لبناء إيمان الشخص وتصوراته وأفكاره، ثم إن لقمان الحكيم بدأ بالنهي عن الشرك ولم يبدأ معه بالأمر بالإيمان بالله تعالى وذلك لأن الإيمان بالله تعالى متحقق لدى الأطفال بحكم الفطرة، ولكن المشكلة هي تحقيق توحيد الألوهية وهذا هو الذي ضل فيه كثير من الناس، وأما توحيد الربوبية واثبات الخلق لله تعالى فهو محل اتفاق اكثر العالمين على مرّ التاريخ، وإنما ضل الناس بسبب الشرك لله تعالى سواء كان من الشرك الأكبر أم الأصغر قال تعالى:(وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) (يوسف ـ 106) ولذلك ركز عليه لقمان.
ثلاثة عشر: التأكيد على غرس المحبة والشوق، والترغيب والترهيب، والخوف من الله تعالى في قلوب المتربين واستشعار رقابته على الإنسان وعلمه بكل الخفايا مهما خفيت فلا تخفى على الله تعالى فقال:(يا بني إنها) أي الخطايا والذنوب، بل خصال الشر والخير والأعمال كلها (إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير) وهذا مثال مادي مفهوم ضرب به حتى يثبت في قلب ابنه ان الذنوب مهما صغرت ومهما حاول صاحبها اخفاءها بكل الوسائل الممكنة فإنها لا تخفى على الله تعالى، وحينئذ كن يا بني على علم بأن الله يعلم كل تصرفاتك ويرى كل حركاتك وسكناتك ويأتي بكل ذنوبك لتشهد عليك في يوم لا ينفع مال ولا بنون، وكذلك يأتي بكل أعمالك الصالحة فتشفع لك فتكون من الفائزين في ذلك اليوم العظيم، وقد روي ان ابن لقمان سأل اباه عن الحبة تقع في مثل البحر، أيعلمها الله؟ فأجابه لقمان بهذا الكلام السابق.

إلى الأعلى