السبت 17 نوفمبر 2018 م - ٩ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الجملة القرآنية

الجملة القرآنية

إعداد/علي بن عوض الشيباني:
أيها القراء الأعزاء: في الجملة القرآنية مظاهر كثيرة من مظاهر الاعجاز .. ومن هذه المظاهر ما نجده في بعض الجمل من تأكيد على حين نرى غيرها مما يشبهها خالية من هذا التأكيد, ومن مظاهرها كذلك الحذف والذكر, فقد نجد جُملاً ذكرت فيها بعض الكلمات على حين نجد جُملاً أخرى مشابهة لها قد حذفت منها هذه الكلمات على أننا قد نجد كذلك أن جُملاً تامة قد ذكرت في بعض الآيات ولكنها لم تذكر في آيات أخر, كذلك التقديم والتأخير قد نجد بعض الجمل قدمت فيها بعض الكلمات ولكن هذه الكلمات نفسها أخرت في جمل أخرى.
وسأحدثكم عن بعض هذه المظاهر راجياً أن تتدبروا لتدركوا سمو النظم وتتذوقوا حلاوة الاعجاز.
يقول الله تعالى:(قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم)، ويقول سبحانه:(وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاُ بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم).
هاتان آيتان من كتاب الله تعالى ختمت الأولى بقوله سبحانه:(إنه هو الغفور الرحيم), وختمت الثانية بقوله سبحانه:(فأنه غفور رحيم), وما أظن الفرق بين الجملتين خافياً عليكم, ففي الجملة الأولى جاء التأكيد بضمير الفصل (هو) وضمير الفصل هذا انما يؤتى به للتأكيد, ولفوائد بلاغية ذكرت في كتب الآخرين, فإذا أردنا أن نؤكد على أن الاسلام هو علاج الأمة من أمراضها جميعا فإننا نقول:(الاسلام هو العلاج) فنأتي بهذه الكلمة (هو).
أما الفرق الثاني بين الجملتين فهو أن الجملة الأولى جاء فيها الخبر معرِّفاً (الغفور الرحيم) وليست كذلك في الجملة الثانية ووتعريف الخبر يفيد الاختصاص والقصر, ألا ترون أنكم تتذوقون الفرق بين قول:(الله ناصر) وبين قول:(الله هو الناصر) لأنكم في الجملة الأولى كل الذي أثبته وجود النصر من الله, إلا أنه لم يفهم من هذا القول أن غير الله لا ينصر, أما الجملة الثانية فإنها لا تثبت أن الله ناصر فحسب, بل تثبت أكثر من هذا, وهو أن النصر من عند الله وحده, وانه لا ناصر إلا هو تبارك وتعالى.
وبعد أن عرفنا هذا يمكننا أن نتساءل عن سر النظم في الآيتين الكريمتين, فإذا عرفنا ان الجملة الأولى كان السياق الذي تحدثنا عنه هو مخاطبة أولئك المسرفين على أنفسهم, الخائفين, القانطين, وأن الجملة الثانية إنما جاءت حديثاً عن المؤمنين الذين لم يكن منهم كبير خطأ ولا عظيم ذنب, ولا كثير معصية, اطمأنت نفسك الى أن القرآن الكريم كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ثم قل لي بربك يا أخي الكريم هل يمكن ان يكون هذا النظم لأمة دون أمة, أم انه معنى يشترك فيه كل ذي فكر لأنه ليس حديثاً عن جمال الصورة وحدها التي تحدث عنها علماء البيان.
التأكيد في الجملة الأولى ــ إذن ــ كان متفقاً مع نفسية أولئك الذين خاطبهم القرآن وكأنهم أسرفوا على أنفسهم ولا ضرورة له في الجملة الثانية، وهكذا ندرك ان الفاظ القرآن الكريم مقدرة تقديراً دقيقاً في مخاطبة النفوس البشرية فتبارك الذي نزل الفرقان على عبده.
يقول الله تعالى:(إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون), (إنا أنزلناه في ليلة القدر), (إنا أنزلناه في ليلة مباركة), (وأنزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم), ويقول سبحانه:(إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).
قف مع هذه الاية الأخيرة وستجد أن نظمها يختلف عن الآيات السابقة فهذه الآية الكريمة كثرت فيها التأكيدات ولعلك تلحظ هذا ففي الجملة الأولى من الآية الكريمة ذكر ضمير الفصل نحن بعد إن واسمها الذي هو ضمير المتكلم سبحانه عزوجل, وفي الجملة الثانية منها (وإنا له لحافظون), ذكر مع إن واسمها لام التأكيد ثم جئ بهذه الجملة الاسمية (وإنا له لحافظون), وبالجملة فقد أكدت هذه الآية الكريمة بمؤكدات كثيرة وكانت هناك عناية كبيرة بشأنها.

* إمام وخطيب جامع السلطان قابوس الأكبر

إلى الأعلى