الثلاثاء 14 أغسطس 2018 م - ٣ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / العلم وأثره في هداية الخلق واستقرار المجتمعات (4)

العلم وأثره في هداية الخلق واستقرار المجتمعات (4)

د/ جمال عبد العزيز أحمد:
ذكرنا في لقاءات سابقة أن من كان على صلة بالله فإنه لا يهاب الحياة، ويدخلها بقلب مفعم بالنشاط والحيوية والعمل والإنتاج، وأن من لم يكن على صلة بربه فإنه سرعان ما ينجرف وراء تيار الحياة وزينتها، وقد أشار لنا القرآن الكريم لهذين الصنفين، صنف الذين أوتوا العلم وارتكنوا إلى عطاء الله وفضله، ولم تستملهم الحياة وزينتها ومن فيها، وصنف هم يريدون الحياة الدنيا ويرتكنون إلى مباهجها، وليس في بالهم رب ولا آخرة ولا حساب ولا عقاب، ونواصل توضيح تلك الفكرة التي جعلت هؤلاء الصغار من محبي الحياة يخسف بهم الأرض، فماذا كانت صفة محبِّي الحياة وعابديها؟ حكى القرآن ذلك بقوله:(وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) فوصفت قارون وقومه بالكفر، رغم أن لديهم علمًا، لكنهم اغتروا به، وافتخروا، وتكبروا، وكان منهم الصلف، وفاحت منهم الكبرياء على العباد، فكأنهم آلهة يُعْبَدون من دون الله. وجاء التعقيب الجميل الذي يُضفِي على القصة هدفها النبيل، وغرضها السامي، ومرماها الأساسي:(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) فهذا أيضاً نموذج مناقض للنموذج الأول الذي استُغلَّ العلمُ فيه لهداية الخلق وتبصيرهم، واستثماره في تعبيدهم لربهم، ومن يفعل ذلك من العلماء فهو ذكي ألمعي ، قد فهم رسالته في الحياة، وأدرك مهمته في الوجود، وسخر ما عنده من علمٍ وفهم واكتشافات وإبداعات لربه، والسهر على نشر العدل والحق والخير، والتواضع حتى يستقر المجتمع، وتتوطد أركانه، وأختم هنا بنموذج آخر كان العلم فيه سبيلا إلى استقرار المجتمع، ورفع الظلم عنه، وسيره الهادئ، وهو نموذج ذي القرنين، ذلك العابد العالم القوي الرحالة، في رحلاته الثلاث: في المشرق، وفي المغرب، وبين السدين، ونأخذ المرحلة الأخيرة نموذجًا لما نحن بصدده من أن العلم لابد أن يتخذ وسيلة إلى الأخذ بأيدي الخلق إلى رحاب الحق، ومنع الظلم وإيقاف الظالم عند حده، فهو نموذج واضح آخر للعالم العادل الصادق الجريء في الحق الذي يمضي مع الحق، ويحكم بالحق، ويمنع بعلمه وفهمه ظلمَ الظالمين، والمسارعة بخراب المجتمعات، والتعجيل تدمير الحضارات، فيمنع هذا كله. فهو في رحلته الثالثة التي حكاها القرآن الكريم بقوله:(حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا)، أي: وجد أناسا متخلفين، لا يفقهون قولاً، ولا يعرفون شيئاً، لكنهم قالوا:(يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا)؟!، فلم سألوه هو نفسه، ولم يسألوا غيره؟!، كان ذلك لاشتهاره بالعدل والعلم، وإحقاق الحق، لكنه ـ بكل شهامة وإخلاص ـ أبى على الفور أن يأخذ منهم جعلاً أو مالاً، وشكر الله على ما وهبه، وما مكنه فيه:(قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ)، ولكن معجزته أنه أخرج من بين هؤلاء علماءَ أفذاذاً، ومهندسين أكْفَاءً، ووقَفَهم على عظيم التفكر، وكريم منحة السماء في العقل، والعلم، وحسن الفهم، وتوجيه ذلك كله لاستقرار المجتمع، ورفع الظلم عنه؛ حيث كشف أنفسَهم أمام أنفسِهم، وجعلهم هم الذين يبنون سدًّا منيعا حصينا بأنفسهم، وكان أكبر نجاح له أنْ كشف قدراتِهم العقلية الخارقة أمام أنفسهم؛ لأنهم كانوا قد عطلوا نعمة العقل، والبحث، والفهم، وجعلهم يكتشفون ذواتهم، فترى الأفعال كلها قد صدرت منه إليهم ، وكلها أوامر، وجاء تنفيذها كلها بأيديهم هم أنفسهم، ثم هو في الأخير وضع اللمسات النهائية فقط، اقرأ معي:(قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حثى إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا)، كلها أوامر، ومراقبة، ونظر في عمل كل واحد، ويتبعه بقول منه فقط، ولكن الفعل منهم، والعمل والجد والاجتهاد والاكتشاف والبحث والتنقيب كله صدر عنهم هم، حتى كان ما كان من العلم والجهد الذى أوصلهم إلى رفع الظلم عنهم، واستقرار مجتمعهم، وتوطيد أركانه، وثبات بنيانه، حتى قال تعالى:(فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا)، وماذا كان تعقيب ذي القرنين بعد الوصول إلى قمم الحضارة، وذُرا العلم، ورفع الظلم؟!، قال: (قَالَ هَٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي)، فأرجع كلَّ ما حصل من خير، وكل ما تمَّ له من نعمة ومنة إلى الله، فكل علم لا يتصل بالله لا رحمة فيه، ولا خير يرجى من ورائه، أن معنا مثالاً صارخاً على أنه إذا لم يكن العلم موصولا بالله دمر أكثر مما عمر، وهدم أكثر مما بنى، وهو أن الأرز الذي تصدره إحدى الدول الكبرى المشهورة أو إحدى دول أوروبا جاء ذات سنة، ورخص ثمنه، فلم يشاؤوا أن يبيعوه رخيصاً، وحافظوا على سعره برمْيه في المحيط الأطلسي، وهو يسع قاراتٍ بأكملها تأكل منه سنوات وسنوات، هذا هو العلم الذي تعلَّموه، أن تُهدَر ملايين المساحات المزروعة بحجة الحفاظ على ثمن السلعة، وعندهم مقولة هي:(البقاء للأقوى) يعني الأقوى علمياً ومالياً وفكرياً وعددياً وعقلياً .. ونحو ذلك، ولكن عندنا ـ نحن المسلمين ـ أن (البقاء للأتقى) لأن الأتقى من غير شك سيكون هو الأقوى (كما في قصة ذي القرنين، وقصة سيدنا سليمان، لا ما ورد في قصة قارون الملعون)، فالمؤمن المتصل بالله لن يظلم الناس شيئاً، وسوف يعود بخيره على غيره، ويصل في المعاملة مع الناس إلى درجة الإحسان، وسيتعامل الناس بالإحسان لا بالميزان، وبالفضل لا بالعدل.
إن ذا القرنين لم يأخذ مقابلاً مادياً، وكان بوسعه لو طلب لأخذ ، لكنه تعفف، وكان علمه حاجزاً له أن يستغلَّ هؤلاء الفقراء، أو يكلفهم ما لا يطيقون، لكنه وقف مع الفقراء الذين لا يفقهون قولاً، حتى أوصلهم إلى قمم العلم والحضارة، وجعلهم أساتذة كبارًا ، فلم يعرف هؤلاء الظلمة من يأجوج ومأجوج حتى الآن أن يتسوروا هذا السور الكبير، والسد المنيع، وهم آلاف السنين يجتهدون ويحفرون، وخروجهم من علامات الساعة، فما استطاعوا أن يتسوروه، ولا أن ينقبوه:(فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتطَاعُوا لَهُ نَقْبًا)، نعم، إن العلم بكلِّ تأكيد له دور كبير، وغير منكور في تطور المجتمعات، واستقرارها، والأخذ بيدها إلى طريق الله، وسبيل الحق والعدل، ويجعل المجتمع أكثر أمْناً وأماناً، وتحضراً، واستقراراً، وخشية لله وخوفاً من جلاله وكماله، ووقاراً، وأن يكون أفراده متحابين، متعاونين، متآخين لوجه رب العالمين، والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات، وصلى الله وسلم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

* جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية
gamal2020@hotmail.comdr

إلى الأعلى