الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 م - ٣ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / من أجل تعريب الكنيسة الأرثوذكسية في فلسطين

من أجل تعريب الكنيسة الأرثوذكسية في فلسطين

علي بدوان

”إنَّ قضية الأوقاف المسيحية والإسلامية في فلسطين، هي قضية أرض وهوية، لذا فإن قضية بيع أراضي الأوقاف الأرثوذكسية في فلسطين، ومحاولات الاستيلاء عليها دون توقف، هي قضية وطنية عامة تخص كل الشعب العربي الفلسطيني على امتداد أرض فلسطين التاريخية، وهو ما أكَّدَ عليه رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس المطران عطا الله حنا أكثر من مرة.”

شكّلت المواقف الأخيرة، لأبناء فلسطين المسيحيين، امتدادا للموقف الوطني الملتزم، للكنيسة في فلسطين، وفي سائر المشرق العربي بشكل عام، التي تخوض الآن مواجهة كبرى من أجل تعريب الكنيسة واسترداد ما تم تسريبه من الأوقاف المسيحية في فلسطين لسلطات الاحتلال “الإسرائيلي”. فالفعاليات المسيحية في فلسطين، لا سيما الأرثوذكسية منها، بما فيها المجلس المركزي الأرثوذكسي، والجمعية الخيرية الوطنية الأرثوذكسية، ولجنة المتابعة المنبثقة عن المؤتمر الوطني لدعم القضية الأرثوذكسية، ومختلف القوى والمؤسسات والجمعيات والنوادي الأرثوذكسية في عموم فلسطين التاريخية، تقود المعركة الآن، من أجل تعريب الكنيسة، ومقاومة الظلم، والعدوان، والتزوير، وسرقة الأراضي.
لقد تطور كفاح الشعب العربي الفلسطيني مع تصاعد حركته الوطنية التحررية بُعيد النكبة الكبرى عام 1948 وإلى الآن، وتطورت ميادين كفاحه المُتعدد الأشكال والأنماط، في سعيه لحماية الأوقاف والعقارات المسيحية والإسلامية عموما، فرؤساء الكنائس العربية المسيحية في القدس يطالبون مباشرةً، ومنذ وقت طويل، بتعريب رئاسة الكنيسة في فلسطين والأردن أسوة بكل الكنائس العربية، حيث كان بطاركة القدس الأرثوذكس، ومنذ العهد الأموي كانوا بطاركة عرب، حتى تم تغيير هذا الوضع في العهد العثماني، بحيث أصبح البطرك يونانيا، ثم جرت العادة منذ العهد الأردني في إدارة الضفة الغربية والقدس الشرقية بعد عام النكبة، أن يكون البطريرك يتمتع بالجنسيتين اليونانية والأردنية، وأن تعيينه يتم بالتوافق بين الحكومتين.
ومنذ سنوات عديدة، يشعر أبناء الشعب العربي الفلسطيني من أتباع الكنيسة الأرثوذكسية في فلسطين، بأن الكنيسة تمنع رجال الدين العرب من الوصول إلى المناصب العليا، وبالتالي تبقى القيادة تحت السيطرة اليونانية الكاملة.
حقيقة، ومنذ أكثر من مائة عام، بدأ أبناء الطائفة الأرثوذكسية في فلسطين، نضالهم لتغيير الإتفاق اليوناني العثماني، وما زالوا يطالبون الآن بتعيين بطريرك عربي، وكان يقود هذه الحركة خليل السكاكيني، رجل التربية العظيم في فلسطين قبل النكبة، واستمر الحراك الأردني الفلسطيني لمسيحيي الضفتين الغربية والشرقية لتعيين بطريرك عربي، كي تحافظ البطركية على أملاكها، وكي يشعر أبناء الطائفة أن من يقودهم هو”ابن بلد” يعرف آلام وآمال أبناء الطائفة، ويُدرك مشاكلهم ويحاول حلها، وهم لا يريدون بطركا مستوردا، لا يعرف حتى لغة أبناء البلد، ويصعب الوصول إليه والتفاهم معه.
فالمسيحيون الأرثوذكس في فلسطين والأردن ولبنان وسوريا ومصر والعراق وغيرها، هم عرب في انتمائهم القومي والوطني، وسيبقون عربا بلسانهم وعواطفهم وإيمانهم وعقولهم، يحافظون على عرضهم وأرضهم ووطنيتهم وقوميتهم.
لقد عَبَّرَ يوسف حسن ومنذر قسيم عضوا مجلس طائفة الروم الأرثوذكس في فلسطين سابقا، ومن مدينة الناصرة في فلسطين المحتلة عام 1948، عن الموقف الداعي لتعريب الكنيسة الأرثوذكسية العربية. وفي بيانٍ مشترك لهما احتجاجا على زيارة البطريرك (ثيوفليس الثالث) للناصرة في وقت سابق في عيد البشارة “حضور البطريرك في مثل هذه الظروف يُنغّص الاحتفالات. أنتم ونحن لا نقبل ولا نشارك ولا نحتفي بمن يشجع الاستيطان البغيض ويفرط بالأملاك والأوقاف الكنسية، ولا بمن يتخذ قرارات حرمان وإبعاد وإقصاء لكهنتنا العرب. لا نكافئ من ينكث العهود والالتزامات ولا من يريد تفرقتنا بقوميات مستحدثة ولا من يريد لأبنائنا أن يصبحوا جنودا في جيش الاحتلال”. وأكدا في رسالة موجهة إلى مجلس الطائفة “الأوضاع والأحداث التي تمر بها منطقتنا في الفترة الأخيرة أثرت علينا كأقلية وأشعرتنا بوجوب كوننا موحدين في مواجهة التحديات التي تعترضنا، وأن نشعر بالتواصل والتفاعل مع الرئاسة الروحية والتي نتوخى منها أن ترعى وتسهر على مصلحة الرعية ولزيادة انتمائنا وتمسكنا بمقدساتنا وأرضنا. ولكن للأسف الشديد، لم نشعر بهذا التوجه من الرئاسة الروحية بل بالعكس، تقوم هذه الرئاسة الروحية بالاستمرار بالتفريط بأملاك وأوقاف كنيستنا أم الكنائس، والتعامل معها كأنها أرض خاصة حتى أصبح من يشبّه البطريركية بوكالة عقارات. وبالمقابل تقوم هذه الرئاسة الروحية للبطريركية بملاحقة الكهنة والمطارنة العرب الذين يسعون لزيادة الوعي الديني والانتماء النهضوي لدى أبناء الكنيسة بدل أن تدعمهم في مسعاهم وتشجيعهم لزيادة وتعميق التثقيف الروحي والانتماء لدى أبناء الكنيسة”.
وعليه، إنَّ تعريب قيادات الكنيسة الأرثوذكسية في فلسطين مطلب وطني فلسطيني خالص، بات الآن ملحا أكثر من أي وقت مضى، لوقف تسريب بيع الأراضي الكنسية للاحتلال “الإسرائيلي”، وهو ما أكَّدَ عليه ودعا له البيان الصادر عن اجتماع رؤساء كنائس الأراضي المقدسة بداية العام 2017، وقد جاء ردهم على التطورات الخطيرة المخفية التي لا تؤثر فقط على المجتمع المسيحي العربي الأصيل في القدس، بل على كل مسيحي في جميع أنحاء العالم، لما لها من أهمية وبعد روحي عميق. كما أكد رؤساء جميع الكنائس العربية والأجنبية في فلسطين في اجتماعهم المُشار اليه أعلاه “أن المحاولات لإضعاف المكونات المسيحية بالقدس، لا تؤثر على كنيسة واحدة دون غيرها، بل تؤثر على كافة الكنائس، وعلى جميع المسيحين في القدس والعالم”. كما وتطرق البيان لسلوك حكومات الاحتلال مُعتبرا بأنه “يأتي في سياقات السعي لحرمان البطريركية الأرثوذكسية البالغة من العمر 2000 سنة، وكذلك حرمان الكنائس الأخرى الحاضرة على امتداد قرون في الأراضي المقدسة من حريتها واستقلالها المشروعين، ومن دورها التاريخي… ويُشكّل انتهاكا واضحا وخطيرا واعتداءً مرفوضا على حرية العبادة وعلى حقوق الملكية الكنسية”.
إنَّ قضية الأوقاف المسيحية والإسلامية في فلسطين، هي قضية أرض وهوية، لذا فإن قضية بيع أراضي الأوقاف الأرثوذكسية في فلسطين، ومحاولات الاستيلاء عليها دون توقف، هي قضية وطنية عامة تخص كل الشعب العربي الفلسطيني على امتداد أرض فلسطين التاريخية، وهو ما أكَّدَ عليه رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس المطران عطا الله حنا أكثر من مرة، وأمام حجاج ومصلين ورجال دينٍ أرثوذكس، حين دعا المسيحيين من أبناء فلسطين في الأراضي المقدسة، إلى “الصمود والبقاء في هذه الأرض والدفاع عن المقدسات والأوقاف”، مُعتبرا أنَّ “المسيحي الفلسطيني كشقيقه المُسلم، مدعو إلى أن يبقى ويصمد في وطنه رغم كل الظروف، وأن يسهم في تحرير الوطن والإنسان وبناء الدولة”. وردد المطران عطا الله حنا في عظته قوله “أن تكون مسيحيا فلسطينيا هذا يعني انك تنتمي إلى الكنيسة الأولى التي أسسها السيد المسيح عليه السلام”.

إلى الأعلى