الخميس 16 أغسطس 2018 م - ٥ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / تجريف الشفافية!

تجريف الشفافية!

عادل سعد

” إننا أمام معضلة من الصعب فك رموزها المعقدة، ولكن اعتماد قوانين تمنع تكوين مظلات للفاسدين والاصرار على المسؤولية ألاخلاقية يوفر مناعة اجتماعية تحول دون التعاطي مع الفاسدين انطلاقا من محاصرة الإنتهاكات التي تستهدف حقوق المجتمع وبذلك تتأسس أعباء شديدة أمام الفاسدين قد تدفعهم إلى التطهر منها خلاصا من العار الذي يلحق أصحابها مع متابعة قضائية عادلة ، ”

أن يكون السطو على المال العام والرشوة والمحسوبية ومافيات التسلق الاقتصادي والاجتماعي من العناوين التي أدرجت لتعريف الفساد ضمن قاموس أكسفورد، فإنه لا يمثل اكتشافا جديدا في العراق، أو في بلدان أخرى ذلك لأنها عناوين منتشرة, ويتساوى فيها الوضع العراقي مع أوضاع بلدان أخرى على الصعيدين الإقليمي أو العالمي, ولكن أن يكون اللهو بالوقت وتقطيعه وإهمال حق الدولة على مواطنيها وعدم الاعتراف بإبداع الآخرين، وتآكل القيم التي تمنع التستر على الكذب، والتباري في السكوت على الخطأ والتغطية عليه، وانتشار المكر في الدفاع عن الفاسدين بكل الوسائل، وتنصيب البعض أنفسهم محامين للفاسدين بغير وجه حق، والتمادي في التدليس وتجريف الشفافية، فإن هذا النوع من الفساد يمثل عناوين لم يلتفت إليها ذلك القاموس الجامع؛ لأنها تقع ضمن القائمة الجديدة المبتكرة له، وهي عموما تتعلق بالنية السيئة أصلا والاستعداد المسبق.
وبمشابهة أخرى يندرج معها الوهم السائب لدى مواطنين يرون في حقوقهم حقوقا مقدسة لا يرقى إليها الشك، وأن على الحكومات تعيين موظفي خدمة يتولون فتح أفواه هؤلاء المواطنين وإلقاء الطعام فيها، وهذا بحق أكثر أنواع الفساد النفسي تدميرا لأنه يرتبط بالإحباط والشكوى من الواقع، ونزعة المكوث تحت ضغط البقاء الجامد.
الحال أننا في العراق نعاني من ظواهر متجددة لهذا الخراب النفسي، وبالمقابل فإن الفساد بالعينات الشائعة وليست المبطنة يمكن معالجته إذا توافر القرار الحازم لمنع تأسيس ملاذات آمنة له داخل البلد الواحد أو في بلدان أخرى لجأ إليها فاسدون، لكنها تأبى أن تكون ملاذات لهم على غرار ما فعلته الدولة اللبنانية بقرارها الصائب تسليم وزير الكهرباء العراقي فلاح السوداني إلى السلطات العراقية على خلفية اتهام أساسه العبث بالمال العام عندما كان يتولى حقيبة تلك الوزارة.
ولي أن أضيف بوضوح أكثر عن فساد تسلل إلى ملايين الناس نتيجة الاستخدام المفرط، بل والمطلق للهواتف النقالة فهذا النوع من الاستخدام يفضي تدريجيا إلى جفاف الحس الإنساني على وفق فحوصات سريرية تولاها مجموعة خبراء بالطب النفسي من جامعة سان دييجو الأميركية الذين أفادوا أن البعض يمضون أمام تلك الهواتف أكثر مما يمضون أمام حاجاتهم الأساسية، وكذلك ما توصل إليه أستاذ الطب النفسي في جامعة أكسفورد دان سيجو، مشيرا إلى أن استخدام الهاتف النقال قبل النوم يؤثر على عقل الإنسان بصورة سلبية, مضيفا أنها ـ أي الهواتف ـ تحولت إلى وسيلة محرضة على الفساد النفسي، وكذلك من خلال تشفيرها تسهيلا لعقد صفقات غاية في السرية.
وحسبي أن قاموس اكسفورد بحاجة إلى إضافة معلومات جديدة مع هوامش تحذير من ارتفاع سيل الفساد إلى منسوب لا يمكن إيقاف جموحه في يوم من الأيام.
إننا أمام معضلة من الصعب فك رموزها المعقدة، ولكن اعتماد قوانين تمنع تكوين مظلات للفاسدين والاصرار على المسؤولية الأخلاقية يوفر مناعة اجتماعية تحول دون التعاطي مع الفاسدين، انطلاقا من محاصرة الانتهاكات التي تستهدف حقوق المجتمع، وبذلك تتأسس أعباء شديدة أمام الفاسدين قد تدفعهم إلى التطهر منها خلاصا من العار الذي يلحق أصحابها مع متابعة قضائية عادلة، وهنا ينبغي أن يتولى المجتمع مسؤوليته في ملاحقة هؤلاء الفاسدين، أما كيف يمكن ذلك، فمن خلال تكرار خضات تثقيفية تحث على التنصل من أوبئة الفساد، وبمعنى مقابل الأخذ بتوصيف الأديب عباس محمود العقاد باعتماد ثقافة ترويض الوظائف على استيفاء نصيبها من الحياة الفضلى، وأرى أن بغداد قادرة على مثل هذه الخطوة الأساسية إذا كانت على عزيمة من ذلك باستثمار تنصيبها عاصمة للإعلام العربي خلال العام الحالي 2018.

إلى الأعلى