الإثنين 20 أغسطس 2018 م - ٩ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / حال اليمن حال الأمة.. على لسان بعض شعرائه

حال اليمن حال الأمة.. على لسان بعض شعرائه

علي عقلة عرسان

الأعداء يحرضون، ويدفعون باتجاه الفتنة، ويناصرون الأخ على الأخ، ويضعوننا في سلالهم؟! آهِ من شفرة السيف على مِحَزِّ العنق، ومن همَّة بلا رمق، ومن ظلمة ظلم تديم الغسَق.. وحسرة على أمة، لا يليق بها، ولا بتاريخها، ولا بكل مقوماتها وقيمها، ما آل إليه وضعها، وما هي فيه من تبعية مخزية، وغفلة قتَّالة.. وآه من ذاتي، التي تعمق نكباتي.. وأراني، في يمني أو في الشام، في ليبيا أو العراق، في أمِّ الدنيا أو في شقيقتها السودان، وفي.. وفي.. وفي.. من أقطار أمة العرب.

يا حسرة جُلَّى على وطني، وحسرة أخرى على زمني، وسيل حسرات على أمتي، آخرها حسرة على يمني.. كم ذا تُحَرِّقني جِمارُ دَمي.. في وهجها تشوى ضلوعي، وينتشي عدمي.. أبقى رمادا لا رميم له.. من دونما كفنٍ، يرتاح في وطني؟!
اليوم يهصرني بكا يمني.. أهلي، وتاريخي، ونزفُ دمي.. صوتُ اليتامى والأيامى وما.. يحصدُه الموت من رحمي.. يهتزُّ مني العظمُ، أسقطُ من ذُرى.. أهوى وأهوي في الوهاد.. نهوي ونهوي في الوهاد.. حتى المَقابر تشتكي من عجزنا.. لا شيء فينا ينقذ الإنسان من فتك المصيبة والغباء.. ها هم هنالك، ها هنا.. صوت بلا رجع صدى.. لا نفع فينا يا عباد الله، كفوا الصوت.. لكن.. تنتشي الشكوى، يموج الصوت في الأرجاء:.. “لا أمن، لا حياة.. وتكبر المأساة.. وها هنا أحياء.. لا ماء، لا رجاء، لا أمن، لا غذاء، ولا نجاة من قتال، من وباء.. إنا بلا رجاء”.
في الفضاء الواسع، فضاء الأمة، وفضاء الأمم، لا يوجد حتى من يسمع الصوت، أو يوقف الموت، ولا من يشعر بمعنى الإنسان، في يَمَنِ الإنسان.. وكلنا في أرضنا “يَمَن”.. الدماء نزف، والبلاد مِزَق، والوطن اليمنيُّ الواحد أوطانا.. ومثله أوطان عربية أخرى في مهب الريح.. وأعداء الأمة العربية وحدهم، يجزّون رؤوس أبنائها، بسيوفهم وسيوفها.. ويرقصون فوق دمنا انتشاء فرَح، ويتحدُّون الحاضرين والآتين في الأصلاب والأرحام، ويفجرون ملء السمع والبصر؟!
كل المواقع المهمة، في البحر والبر، أصبحت بإمرة العدو الآمر، العنصري الفاجر.. الذي يحرك نار الفتنة، ويلقينا فيها حطبا وشواء.. ويجبي العائدات، أرواحا وأموالا وثروات، ويقيم له قواعد حاكمات، ويتمدَّد ويتسيَّد، من باب المندب إلى “أمِّ الرشراش = إيلات”، ومن البحر الأحمر إلى البحر الأبيض، ومن بحر العرب إلى المحيط الذي يغرسون أقدامهم على ضفافه.. وأرضنا تزخر بمواقع له، وبنفوذ يسخر من السيادة والريادة.. الأعداء يحرضون، ويدفعون باتجاه الفتنة، ويناصرون الأخ على الأخ، ويضعوننا في سلالهم؟! آهِ من شفرة السيف على مِحَزِّ العنق، ومن همَّة بلا رمق، ومن ظلمة ظلم تديم الغسَق.. وحسرة على أمة، لا يليق بها، ولا بتاريخها، ولا بكل مقوماتها وقيمها، ما آل إليه وضعها، وما هي فيه من تبعية مخزية، وغفلة قتَّالة.. وآه من ذاتي، التي تعمق نكباتي.. وأراني، في يمني أو في الشام، في ليبيا أو العراق، في أمِّ الدنيا أو في شقيقتها السودان، وفي.. وفي.. وفي.. من أقطار أمة العرب، المنكوبة بأعدائها وببعض أبنائها.. أراني على عاصف من الريح.. يوجهني، ويحكمني، ويُفزعني، وأصيح ولا أستريح.. لا أطيق مُكثا ولا أريد رحيلا.. ولست بالتأكيد حاكما لرياح الأحداث أوجِّهها، أو أحدُّ من شِرَّتها، أو أقمعها، لا في الواقع ولا في الخيال.. صنع المتنبي الشاعر، الذي خالَ نفسه، فقال:
فما حاولت في أرض مُقاما
ولا أزمعت عن أرض زوالا
على قلقٍ كأن الريح تحتي
أوجِّهها جنوبا أو شَمالا
في محنة اليمن، وهي محنة تكاد تختصر محنة الأمة، أتقرَّى بأصابعي أساليب فتكٍ بكل ما يمكن أن يخرجنا من مستنقعات الدم والضعف والفساد، التي دُفعنا إليها، بأيدي أعدائنا وبأيدينا، في معظم الأقطار التي كانت بعض روح الأمة. يحاصرني اليوم صوتُ من حَذَّرَ، وناضل، واشتكى.. ومن صب الحكمة اليمانية إبداعا يتدفق حرارة وحسرة.. وأنا في زحمة أصواتهم أحرِّك اللسان، فتذرف العينان. أكاد أسمع صوت الشاعر الثائر، والسياسي المناضل، ابن حي “بستان السلطان” في صنعاء القديمة، وابن الجنوب والشمال، محمد محمود الزبيري “١٩١٠ – ١٩٦٥”، يشق عباب الزمن، يقول في اليمن:
ما كنتُ أحسِبُ أني سوفَ أبكيهِ
وأنّ شِعْري إلى الدنيا سينعيهِ
وأنني سوف أبقى بعد نكبتهِ
حيّا أُمزّق روحي في مراثيه
وأنّ من كنتُ أرجوهم لنجدتهِ
يومَ الكريهةِ كانوا من أعاديهِ

ويليه صوت عبدالله البرَدُّوني “١٩٢٩ – ١٩٩٩”، الشاعر والناقد والمؤرخ اليمني المعتَّق، يستدعي الزمن الشعري العربي القديم، ليبثه حال الزمن الراهن، ويحمل إليه رسائل عن حاله، صدى حال اليمن الحديث، الذي فقد معنى السعادة، وما زال يحمل وصف السعيد، وربما فقد أيضا على حد السيوف التي تقطر دما يمنيا، كون “الحكمة يمانية”، لكثرة ما ألم به من تغيير باتجاه التعثير.. فيناجي البردُّوني أبا تمَّام “حبيب بن أوس الطائي”، يقول له:
“حَبِيبُ” تَسْأَلُ عَنْ حَالِي وَكَيْـفَ أَنَـا؟
شُبَّابَـةٌ فِـي شِفَـاهِ الرِّيـحِ تَنْتَـحِـبُ
كَانَتْ بِلاَدُكَ “رِحْلا”، ظَهْـرَ “نَاجِيَـةٍ”
أَمَّـا بِـلاَدِي فَلاَ ظَهْـرٌ وَلاَ غَـبَـبُ
أَرْعَيْـتَ كُـلَّ جَدِيـبٍ لَحْـمَ رَاحِلَـةٍ
كَانَتْ رَعَتْـهُ وَمَـاءُ الـرَّوْضِ يَنْسَكِـبُ
وَرُحْتَ مِنْ سَفَـرٍ مُضْـنٍ إِلَـى سَفَـرٍ
أَضْنَـى لأَنَّ طَرِيـقَ الرَّاحَـةِ التَّـعَـبُ
لَكِنْ أَنَا رَاحِـلٌ فِـي غَيْـرِ مَـا سَفَـرٍ
رَحْلِي دَمِي وَطَرِيقِي الجَمْرُ وَالحَطَـبُ
إِذَا امْتَطَيْـتَ رِكَابَـا لِلـنَّـوَى فَـأَنَـا
فِي دَاخِلِي أَمْتَطِـي نَـارِي وَاغْتَـرِبُ
قَبْرِي وَمَأْسَـاةُ مِيـلاَدِي عَلَـى كَتِفِـي
وَحَوْلِـيَ العَـدَمُ المَنْفُـوخُ وَالصَّخَـبُ
وَمَا تَـزَالُ بِحَلْقِـي أَلْــفُ مُبْكِـيَـةٍ
مِنْ رُهْبـَةِ البَوْحِ تَسْتَحْيِـي وَتَضْطَـرِبُ
يَكْفِيـكَ أَنَّ عِدَانَـا أَهْـدَرُوا دَمَـنَـا
وَنَحْـنُ مِـنْ دَمِنَـا نَحْسُـو وَنَحْتَلِـبُ”.
أمَّا صوت الطيّب الذكر، رئيس جامعة صنعاء لزمن غني بالعطاء والازدهار، ورئيس مركز البحوث والدراسات اليمنية، والشاعر الذي يحب الحياة، ويكره المرايا، ويسير بحرفه الحافي في دنيا الناس.. الباحث والناقد، ومستشار الرئاسة اليمنية لزمن.. الدكتور عبدالعزيز المقالح، عربي اليد والقلب واللسان.. فيقول ما يدمي القلب، وقد دخل دوائر العجز ومن ثم القنوط، من جراء مأساة اليمن “الشعب والوطن”، وها هو يطوي كتابه، ويشعل في نفس قارئه والمستمع إليه نار الحسرة وقَّادة، إذ يكتب قصيدا، يوصي به ابنته، مدَّ اللهُ في عمره، وهو يضع عصا الترحال، ألما ويأسا، مما آل إليه حال البلاد، اليمن العزيز، وحال الأمة العربية التي طالما اعتز بالانتماء إليها، وفتح الصدر ومد الذراعين لأبنائها، من المبدعين والباحثين والمتخصصين في العلوم.. يقول المقالح لابنته، ظانا أن نهاية المرء بيده، إذ “لا تشاؤون إلا أن يشاء الله”، يقول في قصيدته “دثّريني”، التي أستميح القارئ عذرا، إذا أوردت أكثر مقاطعها، لتكتمل الصورة، وتصل رسالة شاعر مجرب، عن وطن عزيز.. ونشرف على الغاية من وراء القول، وبما أقتطفه منها أنهي حديثي اليوم:
“دثّرِيني
وشدِّي على كفني
ودعي فتحةً فيه
أرقب منها
رفيف الفراشات
أسمع صوتَ المياه التي تتحدر
-في ضحوةٍ- من أعالي الجبال
وأشعر في لحظةٍ
أن شيئا جميلا
سأفقده حين أطوي
بساط الحياة.
* * *
دثّريني
فإني سئمت الوقوف
بمنعطفٍ لم يعد آمنا
والصعود إلى جبلٍ
لم يعد عاصما
وسئمت الرفاق الذين
بأوهامهم خذلوني
وباعوا خطابَ المودةِ
للريح
في زمن العاصفةْ.
* * *
دثّريني
وشدِّي على كفني
واكتبي فوق قبري:
هنا واحدٌ من ضحايا الحروب
التي عافها
ثم قال لقادتها قبل أن يبدأوها:
الحروبُ إذا دخلت قريةً
أكلتْ أهلها الطيبين
ولم تُبْقِ من حجرٍ واقفٍ
أو شجرْ.
* * *
دثّريني
ضعي، يا مَلاكي،
عصاي التي كنت أحملها
مثل تعويذةٍ
وأصدُّ بها عَـتْمتي
وأهشّ بها ليل خوفي
وأمشي بها إن فقدت الدليل
ضعيها على كفني
واعلمي أن روحي مخرّبةٌ
بعد أن حاولَت
آه -وآأسفي-
تقهر المستحيلْ.
* * *
دثريني
وقولي لأهلي
وأصحابي الطيبين
لقد كان مثل بقية أهل
البلاد
ومثل بقية كل العباد
يحب الجمال
ويأسره صوت شبَّابةٍ
يُتَصبّاهُ
يهوى أغاني الرعاةْ.
* * *
دثّريني
وقولي لأعدائي البُسَلا
إنه لم يعد يتذكرهم
يتذكر أسماءهم
يتذكر ليل عداوتهم
وسواد افتراءاتهم
وهو من هول ما يحدث الآن
ما يفعل الأهل بالأهل
في حيرةٍ مُرَّةٍ
وذهولٍ عظيمْ.
* * *
دثّريني
ولا تفتحي يا ملاكي
الشبابيك
إن الظلام الذي يتجوّلُ
منفردا فوق برد الشوارع
يرقب غرفتنا
ويحاول أن يتسلل في غفلةٍ منكِ
إياكِ أن تغفلي
ما بروحي من ظلمةٍ
ليس يقوى عليها الظلامْ.
* * *
دثّريني
فقد أصبح الموت
أمنيةً
بعد أن جاعت الأرض
وافتقدت خبز أبنائها
وطوى الصمتُ بؤسَ الكلام
الذي ظل يحرث في البحر
أوهامَهُ
ويبعثر أحلام أمتهِ
في الهواء.
* * *
دثّريني
فإني أرى القبر
أوسعَ من هذه الأرض
أوسع من بحرها
وأرى فيه شمسا
أحَنّ وارأف من هذه الشمس
أشهد فيه نجوما ملونةً
وملائكةً في الفضاء المديد
تصلِّي
وتغسل بعض ذنوب البشرْ.
* * *
دثّريني
دعيني أعانق في شغفٍ صحوة الأبدية
أرحل عن وطنٍ بائس الأمس واليوم
فيه تموت العصافير جوعا وتسمن فيه الذئاب
وما كتبته يدي ليس إلاّ صدى شجنٍ حارقٍ
وبكاءٍ من الكلمات
على بلدٍ كنت أحسبه بلدا
وعلى أمةٍ كنت أحسبها أمةً
ظِلُها كان يمتد من ماءِ تطوان
حتى سماءِ الخليجْ”.
وبعد، ونصل الحدث القاتل، ما زال في الصدر.. كان الله في عون اليمن، كان الله في عون الأمة العربية، وفي عون أبنائها الفقراء الطيبين، وقود الذين يدفعون من دمهم وأرواحهم ومعاناتهم وأبنائهم ومستقبلهم، تكاليف الزعامات، والقيادات، والانقلابات، و”الثورات”، والتبعيات، و.. و.. ويبقون، في السلم والحرب، قيد الانتهاك والاستهلاك.. وحيا الله شعراء من اليمن، “نعم شعراء من اليمن”، كانوا شعراء في ذرى الإبداع والانتماء، رغم سؤال المستنكر الذي سأل ذات يوم: “وهل في اليمن شعراء؟!”، حيالهم الله مبدعين، حملوا هموم شعبهم ووطنهم وأمتهم، وحملوا تطلعاتها ورايتها، في السراء والضراء.

إلى الأعلى