الإثنين 26 فبراير 2018 م - ١٠ جمادي الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / غوته والعالم العربي من خيمة الجاهلية إلى محراب التصوف

غوته والعالم العربي من خيمة الجاهلية إلى محراب التصوف

“جوته والعالم العربي ” كتاب للمؤلفة الألمانية ” كاترينا موفرن ” أستاذة الأدب الألماني في جامعة ستانفورد الأميركية، في هذا الكتاب تبرز لنا فيه مؤلفته تجربة شاعر ألمانيا الأكبر “جوته” مع الشرق والعالم العربي والفارسي، ورحلته الروحية والمواضع التي استلهم فيها الشاعر شاعريته ورؤيته التي اصطبغ بها كثير من مؤلفاته وقصائده المستمدة من الأدبين العربي والإسلامي. فماذا قدمت لنا مؤلفة هذا الكتاب؟
لقد مهدت المؤلفة بمقدمة طويلة بمدخل تبين فيها الاحترام الشديد لجوته للثقافة العربية، واهتمامه الكبير بالدراسات العربية للمستشرقين وبأدب الرحلات وتعلم اللغة التي أوجز فيها نظرته لمعوقات الدراسات العربية في الغرب بمعوقين أولهما هيمنة المعيار الكلاسيكي المطلق على الأسس الجمالية السائدة في الأدبين اليوناني واللاتيني، وثانيهما الميل الى السبب السابق أيضاً ولأسباب تتصل بالناحية القومية للانتقاص من قيم الفن الشرقي. حيث يقول” لا ينقصني إلا القليل حتى أبدأ في تعلم العربية، أي أود ان اتعلم ابجديتها على الأقل بحيث أتمكن من تقليد التمائم والطلاسم والأختام بشكلها الأصلي”.
جوته والشعر الجاهلي
في هذا الفصل من الكتاب ” جوته والشعر الجاهلي أو الشعر البدوي قبل الإسلام” عرضت المؤلفة فيه موضوع النسيب في الشعر الجاهلي، وهو رقيق الشعر في النساء، والذي قام ـ جوته ـ بترجمته لعدد من شعراء العصر الجاهلي وقصائدهم كمعلقة أمرئ القيس الكندي التي مطلعها ” قفا نبك ” والتي قام بترجمتها مطلعها على هذا النحو ” قفا ودعونا نبكي هنا في مواضع الذكريات، فهناك بمنقطع اللوى الرمل المنعرج كانت خيمتها ، وقد أحاطت بها خيام القوم ” . أما أثر المعلقات في ” الديوان الشرقي” لجوته فقد كتب قصيدته ” دعوني أبكي محاطاً بالليل” والتي يقول فيها ” دعوني أبكي محاطاً بالليل، في الفلوات الشاسعة بغير حدود، الجمال راقدة، والحداة كذلك راقدون ، والأرمني سهران يحسب في هدوء ” . وتقول المؤلفة إذا قارنا هذه القصيدة بقصائد المعلقات فإننا لا نقع على نفس الإطار العام فحسب، بل نقع بشكل ملفت للنظر الى نفس الدافع الأساسي أيضاً.
أما ديوان ” كتاب المغني ” فبدأ فيه متأثراً بأشعار “حافظ الشيرازي” والمعلقات والقرآن الكريم وعبدالرحمن جامي آخر شعراء الفرس العظام، وبعض من شعراء الترك وغيرهم من الشعراء. ويفتتح جوته ديوانه بالقصيدة التي كتبها إبان الحروب النابليونية وما جلبته على أوروبا من هزات، حيث يقول في مطلع إحدى القصائد ” الشمال والغرب والجنوب تتحطم وتتناثر، والعروش تندك والممالك تتزعزع وتضطرب، فلنهاجر إذن الى الشرق الطاهر الصافي كي نستروح نسيم الآباء الأولين” .
أما كتابه ” ” كتاب سوء المزاح ” فقصيدة” انى لك هذا” فقد قصد بها الرد على الأسئلة السخيفة التي وجهها إليه البعض عن الينبوع الذي تنهل منها شاعريته المتجددة في سنه المتقدمة حيث يقول : أنى لك هذا؟ وكيف أمكن أن يأتيك؟ وكيف استخلصت من فتات الحياة هذه التراكمات التي يسرت لك ان تومض آخر شعلة في نيرانك من جديد؟.
كما كان للمعلقات تأثير كبير على كتابه ” النفحات المدجنة ” وهذا يتحدث فيه أكثر من كل مؤلفاته الشعرية منها والنثرية عن الشيخوخة بمعناها الضيق، حين نصيخ السمع الى نص زهير بن أبي سلمى الذي تأثر به كثيراً وخاصة البيت :
وإن سفاه الشيخ لا حلم بعده، وإن الفتى بعد السفاهة يحلم .
فيقول جوته : إذا كان الفتى احمق سفيهاً عانى من ذلك أشد العناء.
أما عن الإشادة بالشعر الجاهلي فيقول ” نجد كنوزاً رائعة من المعلقات ” وقد عرضت المؤلفة تفصيلات تقييم جوته للشعر الجاهلي القديم، كما أوردت في آخر الفصل الأول قصيدة ” أن بالشعب الذي دون سلع” لتأبط شراً ، وهي قصيدة وقع عليها جوته عند تعرفه على ديوان الحماسة الذي جمعه أبو تمام ، وقد قام بترجمة القصيدة كاملة.

جوته والإسلام
أما الفصل الثاني فقد خصصته المؤلفة عن “جوته والإسلام والعلاقة به والأسس العقلية والتاريخية” وقد مهدته بمقولة جوته ” إننا أجمعين نحيا ونموت مسلمين” وصلة جوته بالإسلام صلة روحية تتمثل في علاقة إيجابية حقيقة كما تقول المؤلفة، وذلك عن طريق اكتشافه لتطابق بعض أفكاره الرئيسية مع معتقده وتفكيره الشخصيين، مما ايقظ في نفسه التعاطف العميق معه ، حيث أقبل على مطالعة ترجمات القرآن الكريم ودراسته بصورة معمقة، فكانت تنبع من ظمئه الشديد للتعرف على كل ما يمكنه التوصل اليه من أفكار ومعتقدات دينية .
أما اقتباساته من القرآن الكريم فتقول المؤلفة “إنه يعطينا ما اقتبسه من الترجمة الألمانية للقرآن الكريم مؤشرات على جانب كبير من الأهمية فقد دون عدداً من الآيات الكريمة من الثلثين الأولين من القرآن، وهي الآيات التي تكشف عن جوانب من العقيدة الإسلامية، حيث كان في وقتها مهتماً كونها على صلة وثيقة بتفكيره، أو أنه كان يزمع الاستفادة منها في مشروعاته الأدبية، وفي هذا الكتاب ساقت المؤلفة شذرات من مسرحيته ” تراجيديا محمد ” التي كتبها عام 1772م . أما التأثيرات القرآنية على قصائده فتقول المؤلفة ” إن عدد القصائد المستلهمة من القرآن مباشرة ليست بالقليل، بل أنه يضمن بعضاً منها طرحاً لآيات قرآنية”. وقد ساقت المؤلفة عددا من الأبيات التي يظهر فيها التأثير بصورة واضحة.
أما التوحيد في ” الديوان الشرقي ” فيقول: ” والإيمان بالله الواحد يسمو بالروح دائماً لأنه يرد الإنسان الى وحدة ذاته “. أما آيات الله في الطبيعة فقد تجسدت في عظمة الله في صغائر الأمور فهو يقول: ” لم لا أصطنع من الامثال ما شاء ما دام الله قد ضرب مثل البعوضة للرمز على الحياة”. كما يقول عن أسماء الله الحسنى ” إنه هو العدل يهدي الناس جميعاً الى الحق، فلتسبحوا إذن بهذا الاسم المكين من بين أسمائه المائة، آمين” .
وفي آخر المطاف تعرض لنا المؤلفة عن ” كتاب الفردوس ” وهو الكتاب الثاني عشر الذي يتألف منه الديوان، وقد خصصته بعنوان ” إسلاميات” والذي تقول فيه ” يشتمل كتاب الفردوس على السمات المميزة عند المسلمين، وعلى فضائل الورع والتقوى المؤهلة للنعيم الموعود، ويعبر بمعنى عن السعادة التي ينطوي عليها تفضيل النعم السماوية على النعم الدنيوية “.

الصورة بعدسة الكاتب” البوابة الحجرية لحارة السواد ـ إزكي”.

سعيد الكندي
Saidalkindi2009@hotmail.com

إلى الأعلى