الثلاثاء 14 أغسطس 2018 م - ٣ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب : من مذكرات المليونير-2

رحاب : من مذكرات المليونير-2

أحمد المعشني

سألت المليونير ما الذي جاء بك من صلالة إلى صحار؟ فوجه إليَّ نفس السؤال قائلا: وأنت ما الذي جاء بك إلى هنا؟! فأخبرته بأن السبب الذي جاء به من صلالة إلى هنا، هو نفس السبب؛ تتملكني رغبة مثيرة في هذه المسابقات، أدرب نفسي من خلالها على تحقيق التوافق والانسجام بين إدراكي الحدسي وبين صحة القرارات التي أتخذها هز المليونير رأسه مجاملا بدون تعليق، كما لو أن الأمر لا يعني له شيئا، فالأمور في حياته أبسط بكثير مما يعطيها الناس من صعوبة وتعقيد. تذكرت وأنا أتأمل في شخصيته قصة رجل قرأت عنه، كان يسعى إلى تحسين مجالات حياته المختلفة؛ فجاء إلى حكيم يستنصحه ويسترشده، فقرر ذلك الحكيم أن يعلمه درسا واقعيا، فسأله : هل تعرف هذه المدينة التي أنت فيها جيدا؟ فأجابه الرجل بأنه غريب ولا يعرف شيئا عنها، فقال له الحكيم: سوف أساعدك وأرسل معك دليلا يصحبك في جولة شاملة لتتعرف على المدينة ومعالمها وخدماتها، وعندما تنتهي من الجولة، يمكنني أن أقدم لك الاستشارة. هز الرجل رأسه موافقا، ونادى الحكيم يا مرشد، فخرج طفل صغير دون الخامسة من العمر، فهمس الحكيم في أذن ذلك الطفل، وبعد أن نظر الطفل للحظات في ملامح ذلك الرجل، انطلق بدون أن يكلمه، لكن الزائر تلكأ في الذهاب خلف الطفل ذي الخمس سنوات، وحاك في صدره شعور سلبي تجاه هذا الموقف الذي بدر من الحكيم، لكنه بالرغم من ذلك، تبع الطفل الذي انطلق سريعا يطوف بجميع أحياء المدينة والرجل يقتفي أثره حتى غلبه الإجهاد وشعر بالتعب والإرهاق، بينما كان الطفل مستمرا في سيره السريع، لا يلوي على شيء حتى توقف في مكان غريب، مليء بالحشرات والأفاعي والزواحف، مر الطفل بينها وعبر بدون خوف، بينما توقف الرجل بعيدا عنها خائفا، وهنا أقبلت عليه تلك الوحوش تركض نحوه فأطلق ساقيه للريح، بينما تابع الطفل طريقه كالمعتاد، وأخيرا وصل الرجل خائفا مجهدا عند بيت الحكيم، بينما جاء الطفل مرشد متأخرا. وجه الحكيم مساعده أن يوفر للرجل مكانا يستريح فيه، فوجهه إلى غرفة للضيافة، فنام بعد يوم حافل بالمفاجآت المرهقة والمخيفة. وعندما استيقظ الرحل في الصباح، استضافه الحكيم على مائدة الإفطار، وسأله عن رحلته مع الطفل، فأخبره بما حدث، فابتسم الحكيم متسائلا: ولماذا مررتما بذلك المكان المخيف؟ فنظر إليه الرجل في استغراب ثم قال في حنق: اسأل الطفل الذي أرسلته معي! فتوجه الحكيم يسأل الطفل، فأخبره بأنه انتظر الضيف أن يطلب الذهاب إلى وجهة محددة بعينها، وعندما لم يفعل شيئا، طاف به على جميع الأحياء والأزقة، لأنه لم يكن يعرف إلى أين يرغب الذهاب. نظر الحكيم إلى الرجل قائلا له: إن الحياة تمنحك ما تعطيه لنفسك، وعندما تحتار في قراراتك، فإنك تربك دليلك الداخلي. لقد انتظر منك الطفل الذي يمثل فطرتك وحدسك الداخلي أن تحدد له وجهة يقودك إليها، ولربما أنك لم تختر ولم تعطه توجيها واضحا، طاف بك قريبا وبعيدا، وكذلك هي أعماقك، وأفكارك ومشاعرك، عندما لا تحدد ما تريده منها؛ فإنك تربكها وتضعها في حال مضطرب. إن أعماقك فطرية ومتصلة بالخالق عزوجل وتوجيهك لها هو بمثابة النور الذي تتبعه، وكذلك هي حياتك وجميع مجالاتها تحتاج منك وضوحا عما تريده منها. كانت هذه القصة تدور في عقلي وأنا أتحدث إلى (س) الذي انتظر السحب على الجائزة بشغف، ولكنه عندما لم يحالفه الحظ في الفوز بالجائزة، تقبل النتيجة بروح مرحة وعاد إلى مسقط بسيارة أجرة، ومن مسقط توقعت منه أن يسافر معي بالطائرة، لكنني علمت أنه سيرجع على متن حافلة إحدى شركات النقل.
د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى