الأحد 25 فبراير 2018 م - ٩ جمادي الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / السلطنة ومصر .. علاقات عمرها 3500 سنة

السلطنة ومصر .. علاقات عمرها 3500 سنة

محمد عبد الصادق

منذ قيام النهضة العمانية وتولي السلطان قابوس مقاليد الحكم وتحظى مصر والمصريون بمكانة خاصة من لدنه، وحرص جلالته في أكثر من مناسبة على تأكيد عمق العلاقات بين البلدين الشقيقين, ويكفي أن أول حوار صحفي أجراه جلالته ـ أعزه الله ـ مع جريدة عربية كان مع صحيفة الجمهورية المصرية عام 1973م والذي وجه من خلالها كلمة للشعب المصري في نهاية حواره قال فيها جلالته: “أود أن أؤكد إننا هنا في عمان نكن للشعب المصري ولحكومته كل تقدير واحترام…

الزيارة الحالية التي يقوم بها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لعمان والذي حل ضيفا على أخيه جلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ حفظه الله ورعاه ـ تتوج مسيرة طويلة من علاقات التآخي و التعاون بين البلدين العريقين اللذين يمتلكان تراثا حضاريا تليدا تمتد جذوره إلى فجر التاريخ , فمن يزر المعابد الفرعونية بالبر الغربي لمدينة الأقصر بصعيد مصر , ستقع عيناه على لوحة جدارية تصور رحلة أسطول الملكة حتشبسوت الذي أرسلته منذ حوالي 3500سنة إلى مدينة ظفار للتبادل التجاري مع عمان , والتي خلد أحداثها النحات المصري القديم على جدران معبد الدير البحري , حيث تظهر جبال ظفار تكسوها الخضرة وأشجار اللبان السامقة وصور الحيوانات البرية ؛ بعدما سعت حتشبسوت للحصول على الأشجار لتزيين واجهة معبدها واللبان لتعطير معابدها الجنائزية بالبخور الظفاري الفريد.

واستمرت العلاقات السياسية و التجارية العمانية المصرية على مر العصور , وكان لعمان وسلاطينها مواقف مشهودة من الأحداث السياسية المتلاحقة التي مرت بمصر , حيث رفض حاكم عمان السيد سلطان بن أحمد بن سعيد الحملة الفرنسية على مصر وأعلن استياءه من الفرنسيين وأوقف المفاوضات معهم لإبرام معاهدة للتعاون البحري مع عمان ؛ احتجاجا على العدوان الفرنسي على دولة عربية مسلمة .
كما اتسمت علاقات السيد سعيد بن سلطان بوالي مصر محمد علي باشا بالكثير من الدفء , حتى أنه أرسل حامية عسكرية مصرية لتكون في استقبال سلطان عمان عند قدومه إلى مدينة جدة في طريقه لمكة والمدينة لأداء مناسك الحج وتوثقت العلاقة بين مصر وعمان في عهدهما , وتم تنسيق المصالح بينهما في شرق إفريقيا وعبرت الرسائل التي بعث بها سلطان عمان عن إعجابه بالبناء الحديث للدولة المصرية الحديثة التي شيدها محمد علي , كما عبرت عن رغبة عمانية في توثيق العلاقات بين البلدين.
وجمعت سلطان عمان برغش بن سعيد بن سلطان البوسعيدي الذي حكم زنجبار في عام 1870م علاقات ود وحسن الجوار بحاكم مصر الخديو إسماعيل وكان حريصا على زيارة مصر والتقاء صديقه الخديو اسماعيل في طريق رحلاته إلى أوروبا والذي كان يستقبله استقبالا حافلا مع إطلاق المدافع طلقاتها الترحيبية عند وصوله أو عبوره للأراضي المصرية .
واستمر تميز العلاقات العمانية المصرية بعد ثورة يونيو 1952م , وأعلنت عمان وقوفها بجوار مصر في وجه العدوان الثلاثي لانجلترا وفرنسا وإسرائيل على مدن القناة المصرية عام 1956م , فبمجرد سمع العمانيين بأمر العدوان الثلاثي على مصر عن طريق المذياع , انفجرت مشاعر الغضب في كل أنحاء عمان , وعبر المئات منهم عن استعدادهم للمشاركة في المقاومة الوطنية ضد العدوان الغاشم , واستمر تفاعل الشعب العماني بالتضامن والوقوف مع الشعب المصري في مواجهة العدوان الإسرائيلي في يونيو 1967م .
ولا تنسى مصر المواقف المشرفة للشعب العماني والسلطان قابوس ؛ حينما أصدر مرسوما أثناء حرب أكتوبر 1973م , بالتبرع بربع رواتب الموظفين لدعم مصر في حربها ضد المغتصب الإسرائيلي وإرسال بعثتين طبيتين ومؤن طبية لعلاج مصابي الحرب , والتي قال عنها جلالة السلطان قابوس ـ حفظه الله ورعاه ـ في حواره مع مجلة آخر ساعة في العام 1974م :” إنها بداية فجر مشرق في تاريخ العرب, وإذا سرنا معًا على طريق التضامن والتعاون فإنّ تحقيق النصر الكامل، واستعادة الأراضي العربية المحتلة وضمان حقوق الفلسطينيين سوف يتحقق لا محالة إنّ آجلا أو عاجلا).

ولا تستطيع مصر نسيان الموقف الشجاع لجلالة السلطان قابوس برفضه المقاطعة العربية لمصر عقب توقيعها معاهدة كامب ديفيد , ووقفت عمان شامخة في مواجهة كافة الضغوط الخليجية والعربية في القمة العربية ببغداد عالم 1978م , و التي قررت قطع العلاقات مع مصر ونقل مقر جامعة الدول العربية من القاهرة إلى تونس ولكن الحكمة السياسية والرؤية الصائبة لجلالة السلطان قابوس ـ حفظه الله ورعاه ـ كانت ترى أن الشعب المصري هو الذي سيقع عليه الضرر وأن المقاطعة والحصار الدبلوماسي والاقتصادي ليست وسيلة ناجعة لحل الخلافات بين الأشقاء , وأنه كان الأجدر بالعرب الجلوس مع الرئيس السادات ومناقشة ملابسات اتخاذه هذه القرار , وأظهرت الأيام صواب الرؤية العمانية و عاد العرب إلى مصر وعادت الجامعة العربية إلى القاهرة , بل رضى معظمهم بخيار السلام ووقع الفلسطينيون بزعامة ياسر عرفات اتفاقية أوسلو وأبرمت الأردن اتفاقية وادي عربة , وطرح خادم الحرمين الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز المبادرة العربية للسلام .
ومنذ قيام النهضة العمانية وتولي السلطان قابوس مقاليد الحكم وتحظى مصر والمصريين بمكانة خاصة من لدنه ؛ حيث حرص جلالته في أكثر من مناسبة على تأكيد عمق العلاقات بين البلدين الشقيقين , ويكفي أن أول حوار صحفي أجراه جلالته ـ أعزه الله ـ مع جريدة عربية كان مع صحيفة الجمهورية المصرية عام 1973م والذي وجه من خلالها كلمة للشعب المصري في نهاية حواره قال فيها : ” أود أن أؤكد إننا هنا في عمان نكن للشعب المصري ولحكومته كل تقدير واحترام وإننا نقدر كل التقدير الظروف التي تمر بها هذه البلاد العزيزة الكبيرة التي ننظر إليها على أساس أنها المرآة والنموذج لكل الدول العربية , وندعو الله دائما أن يسدد خطى هذا البلد العظيم وأرجو أن تنقل تحياتي وتقديري عبر جريدتكم للرئيس أنور السادات الذي نكن له كل احترام وكل محبة وود “.
وفتحت عمان في عهد جلالته ـ حفظه الله ورعاه ـ ذراعيها لآلاف المصريين للقدوم للعمل إلى عمان والمساهمة في مسيرة التنمية الاجتماعية والاقتصادية في كافة ربوع السلطنة , بكافة التخصصات: مدرسين وأطباء ومهندسين وصحفيين وكافة المهن ؛ حيث عملوا بكفاءة وإخلاص جنبا إلى جنب مع أشقائهم العمانيين من أجل اكتمال أركان النهضة العمانية , ووجدوا الترحاب وحسن المعاملة على المستوى الرسمي والشعبي , وتوثقت صلات المصاهرة والنسب بين الشعبين على مدار العقود الماضية .
وعن العلاقة مع مصر قال جلالته ـ أعزه الله ـ في حديثه مع مجلة آخر ساعة المصرية عام 1974 م :” إن علاقتنا بالشقيقة الكبرى مصر علاقة طيبة جدا , لقد أعطتنا الكثير من خبراتها في كافة المجالات لاسيما التعليم والطب والزراعة , والتعاون يتمثل في الخبراء والفنيين والاستشاريين الذين تقدمهم مصر لنا وكل هؤلاء يؤدون واجبهم على أكمل وجه” .

إلى الأعلى