الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مـن ينابيـع القـرآن

مـن ينابيـع القـرآن

(قـل أتعـلـمون الله بـديـنـكم، والله يـعـلم ما في السـمـوات وما في الأرض ..)
فإن الله لا تخـفى عـليه خـافـية في الأرض ولا في السـماء ، ولـذلك يـقـول وقــوله الحـق: { قـل أتعـلـمون الله بـديـنـكم ، والله يـعـلم ما في السـمـوات وما في الأرض والله بـكل شـيء عـليم }سـورة الحجـرات 16، يعـني : تنبهـوا إلى هـذه الحـقـيـقة ، فأنا خـالـقـكـم وأعـلم بكـم مـن أنفـسكـم ، ولا يخـفى عـلي مـنكـم خافـيه، فإياكـم أن تقـولـوا آمـنا وتظـنـونأنـكـم تـدارون الحـقـيقة وتسـترون كـذبكـم، فأنا أعـلم المـؤمـن مـن غـير المـؤمـن ، أعـلم الصـادق وأعـلم الـكاذب وأعـلم المنافــق.
قال تعالى : { قــل أتعـلـمـون الله بـديـنـكم}،أي : تخـبرونه بما أنـتـم عـليه مـن الإيـمان كـيـف : { والله يعـلم مـا في السمـوات وما في الأرض }أي لا يخـفى عـليه شـيء فـيهـما بـل : { والله بـكل شيء عـلـيـم }، يعـني : عـلمه سـبحانه وتعالى لا يتـوقـف عـنـد السمـوات والأرض ، إنما يتعــدى ذلك إلى ما في الكـون كله.
قال تعالى:{ والله بـكل شـيء عـلـيـم}، لأن السمـوات والأرض بعـض كـون الله الفسيح لـذلك وصـفهـا أي السـمـوات والأرض وما بينهـما، فـقال:(مـثـل حـلـقة ألـقـيتها في فـلاة ، نص الـحـديـث : عـن أبي ذر الغـفـاري رضي الله عـنـه ، قال : دخـلت المسجـد الحـرام فـرأيـت رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) وحـده ، فـجـلـسـت إلـيه فـقـلت: يا رسـول الله أي آيـة نـزلت عـليـك أفـضـل؟ قال : ( آيـة الكـرسي ، مـا السـمـوات السـبع في الكـرسي إلا كحـلقـة في أرض فـلاة ، وفـضـل العـرش عـلى الكـرسي كـفـضـل تـلك الفـلاة عـلى تلك الحـلقـة).
أخـرجـه الإمام ابن حـبن في صحيحـه (362)، فـما نعـرفـه نحـن عـن السـماوات والأرض لا يـكاد يـذكـر في كـون الله الـواسـع الـبـديـع.
قال الله تعالى :{ يمـنـون عـليك أن أسـلمـوا ، قـل لا تمـنـوا عـلي إسـلامـكـم بـل الله يمـن عـليكـم أن هـداكـم للإيـمان إن كـنتـم صـادقـين}سـورة الحجـرات 17.
قـيـل سـبـب نـزول الآيـة ، روي عـن ابن عـباس رضي الله عـنهـما أن رسـول الله صلى الله عـليه وسـلم قال : ( إن فـقهـهـم لقـليـل وإن الشـيطان ينـطـق عـلى ألسـنتهـم ، فـنزلت هـذه الآيـة : { يمـنـون عـليك أن أسـلمـوا، قــل : لا تمـنـوا عـلي إسـلامـكـم ، بـل الله يـمـن عـليـكـم أن هــداكـم الإيـمان إن كـنـتم صـادقـين }سـورة الحـجـرات 17.
يـروى أن هـذه الآيـة نـزلت في جـماعـة مـن الأعـراب ، وقـيـل : مـن بني أسـد أتـوا النبي صلى الله عـليه وسـلم وهـو في المسجـد ، فـقالـوا : جـئـناك نشـهـد أن لا إلـه إلا الله وأنـك رسـول الله ، ولـم تـبعـث إلـينا بـعـثـا ، ولـم نـقاتـلك كـما قـاتـلك بـنـوا فـلان وبنـوا فـلان.
فأنـزل الله الآيـة : { يمـنـون عـليك أن أسـلمـوا قـل لا تمنـوا عـلي إسـلامـكـم بـل الله يمـن عـليكـم أن هــداكـم للإيـمان إن كـنتـم صـادقـين } سـورة الحجـرات 17.
إذن: مـن يمـن عـلى رسـول الله بإيـمانه ؟، فـأنـتم لا ينبغـي أن تمنـوا بإسـلامـكـم عـلى رسـول الله، لأن إسـلامكـم في صـالحـكـم ويـعـود عـليـكـم بالنـفـع ، فالإسـلام وهـو الـذي أمـنكـم مـن القـتال والحـرب والأســر ، وأخـذتـم ما يتمـيز به المسلـم مـنه حـق في الـزكاة والحـماية ، والله تعالى لا تـنـفـعـه طـاعـة مـن أطـاع ، ولا تضـره معـصية مـن عـصى.
إذن : لا تمـنـوا بإسـلامكـم : { بـل الله يمـن عـليكـم } ، لأنه أرشـدكـم إلى طـريـق الصـواب والهـداية : { أن هـداكـم للإيـمان}، إذن : إن كان هـناك مـنـة ، فـالمـنـة مـن الله عـليكـم ، لأن طـاعـة الله والسـير عـلى مـنهـجه هـو الـذي يحـمي لكـم حـركة الحياة وينظـمها حـتى لا تـتعـارض مصالحـكـم.
قال الله تعالى : { إن كـنتم صـادقـين }أي : في ادعـائكـم الإيمان ، وإن تـفـيـد الشـك فـكأنهـم يمنـون بشيء هـم كاذبـون فـيه ، وحـتى لـو كانـوا صـادقـين ما كان لهـم أن يمنـوا به.
قال الله تعالى : { إن الله يعـلم غـيب السمـوات والأرض والله بصـير بما تعــملـون }ســورة الحجـرات 18 0سـبـق أن أوضحـنا أن السمـاوات والأرض ظـرف ، وفي هـذا الظـرف عجائـب وبـدائـع وغـرائب مـن خـلق الله أعـظـم مـن الظـرف لأن القاعـدة تقـول : أن المظـروف أعـلى وأغـلى وأعـظـم مـن المظـروف فـيه.
لـذلك الله سـبحانه وتعالى يـقـول : { ولله مـلك السمـوات والأرض والله عـلى كل شيء قـديـر }سـورة آعـمـران189 ، وفي مـوضـع آخـر يـقـول : { ولله ما في السموات وما في الأرض ليجـزي الـذين أسـاؤوا بما عـملـوا ، ويجـزي الـذين أحـسنوا بالحسنى } سـورة النجـم 31، فالسـماوات والأرض رغـم ما فـيها مـن عـجـائـب الخـلـق وأبـداع الحــق وهـنـدسة كـونية إلا أنهـما يحـويان ما هـو أعـجــب.
هـنا يحـدثـنا الله سـبحانه وتعالى عـما في السـماوات والأرض من غـيب ، والغـيب كل ما غـاب عـن إدراكـنـا ، والشيء قـد يـغـيب عـن إدراكـنـا الـيـوم ويظهـر لـنـا غـدا ، فـمـثـلا الكهـرباء قـبـل اكتشافها كانت غـيبا لا نـدري عـنها شـيئا ، والآن أصبحـت مشهـدا نحـسـه جـميـعـا ونـتعـامـل مـعـه.
إنـك لـو نـظـرت إلى المـوجـات التي تحـمـل الصـوت والصـورة في الهـواء لـوجـدت أمـرا عـجـيـبـا حـقـا ، لأنـك لـو جـئـت مـثـلا بمائة مـذيـاع ومائة تيلفـزيـون ، ووضـعـتها في مـكان واحـد، ووجـهـت كـلا مـنها إلى جهـة لـوجـدت إرسالات مخــتـلـفة بالصـوت والصـورة.
فـكـيـف تـداخـلـت تـلك المـوجـات في هـواء واحـد ، ووصلـت إليـنا بهـذه الـدقـة وهـذا الـوضـوح، وهي مـن أقـصى بـلاد الـدنيا.
هـذه كلها أسـرار مـن غـيب السمـاوات والأرض ، تـدعـونا إلى الإيـمان بـقـوله تعالى : { سـنـريهـم آيـاتنـا في الآفــاق وفي أنفـسهـم حـتى يـتبين لهـم أنه الحـق } فـصلت53.
ورغـم عـظـمة الخـلـق في السمـاوات والأرض ، فـغـيب السـماوات والأرض أعـظـم مـن الجـميـع ، وسـيـظـل هـذا الغـيـب مـددا لا يـنـفـد ، وعـطـاء لا ينتهي، يـطـالعـنا مـن حـين لآخـر بشيء جـديـد مـن غـيبا الله ليـظـل القـرآن الكـريـم معـجـزا إلى قـيام السـاعـة.
ومـن حـكمة الله سـبحانه وتعالى وزع عـطـاءات القـرآن الكـريم عـلى عـصور الـزمان كلها، حـتى لا يسـتـقـبـل القـرآن الكـريـم عـصـرا مـن العـصـور بـلاعـطـاء.
ثـم إن هـذا عـطـاء يأتي عـلى قـدر العـقـول ، وعـلى قـدر البحـث والتأمـل في مـلكـوت الله، وبـذلك نفـهـم معـنى قـول النبي صلى الله عـليه وسـلم عـن القـرآن الكـريـم : ( لا تنـقضي عـجـائبه ولا يخـلـق عـن كـثرة الـرد )، وتـمام الحـديـث عـن عـبـد الله بن مسـعـود رضي الله عـنه : ( إن هـذا القـرآن مـأدبـة الله فـتعـلـمـوا مـن مـأدبـته ما اســتـطـعـم ، إن هـذا القـرآن هـو حـبـل الله والنـور المـبين والشـفاء النافـع ، عـصـمة لـمـن تمسـك به ونـجـاة لـمـن اتبـعـه لا يـعـوج فـيـقـوم ولا يـزيـغ فـيسـتعـتـب ، ولا تـنـقـضي عـجائبه ولا يخـلـق عـن كـثرة الـرد ) أخــرجـه الـدارمي في سـننه (3378 ).
وخـتام السـورة بهـذه الآيـة : { إن الله يعـلم غـيب السـموات والأرض والله بصير بما تعـملـون } سـورة الحـجـرات 18، يـدل عـلى أن مـلك الله واسـع وعـجائبه لا تنتهي وليس لها حـصر ولا عـد ، مهـما وصـلت البشـرية مـن الـتـقــدم ، فـسـوف تجـد عـنـد القـرآن الكـريـم الـجـديـد ، وفي آيـات الله ما يبهـر الـقــول.
كـنا في الماضي نتحـدث عـن عـصر الفحـم، ثـم عـن عـصـر البخـار ، ثـم عـن عـصـر الكـهـرباء ، والآن نتحـدث عـن عـصـر الـطاقـة النـوويـة والطـاقـة الـذرية ، فـأين كانت تـلـك الطـاقـات ؟ ، ألـيس كانـت غـيبا عـنـدنـا ، وهي في عـلـم الله ليسـت غـيبا ، وكـشـف الله عـنها لـعـبـاده حـيـنـما تقـدمـت الـعـقـول وارتقـت الأفـكار، وكلها اكـتشـافات لـم يأت أحـد بشيء مـن عـنـده ، بـل كلها مـن عـنـد الله وفـيض مـن عـطائه مطـمـور إلى حـين 0يـأذن الله بإظـهـاره.
قال الشاعـر :
والعـلم بحـر محـيـط لـسـت تحـصـيـه فـكـن بأنفـعـه في الـدين مقـتـنـعـا
ولـو فـرضنا انحـصار العـلم في بشـر وقـصـده غـير وجه الله ما نفـعــــا
فاصرف إلى الله وجـه القـصد معـتقلا عـقائل العـلم فالإنسان حـيث سعى
والعــلم بالله أولى مـــا عـــنـيـت بــه وما سـواه إلى إدراكــــه نــزعــــا
فــأبـغ المـعــارف آلات لـصـنـعـــتـه إذ يتقـن الـصنع بالآلات من صنعا
ولا تـقــولـن عــلـم ليـس ينـفـعــني بـكل عـلم يعيش العـبـد مـنـتـفـعــا

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى