الإثنين 10 ديسمبر 2018 م - ٢ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : السياسة بالنار

باختصار : السياسة بالنار

زهير ماجد

هنالك أنواع من المفاوضات بين الدول، أبرزها تلك التي تجري على نار حامية .. التركي مثلا فجر حربا ضد الأكراد في منطقة عفرين، هو يتقدم كالسلحفاة ويتراجع أيضا، يفاوض بالنار، وله مطالب يسعى لتحقيقها بهذه الطريقة التي اتبعتها دول كثيرة في حروبها.
نذكر منها مثلا مفاوضات باريس بين الفيتناميين والأميركيين الذين شنوا أقوى معاركهم وغاراتهم أثناء المباحثات، ومع ذلك لم يتراجع الفيتناميون عن غايات إيقاف الحرب وصولا إلى إعلان النصر الذي تحقق.
وكم من مرة فعلتها إسرائيل في حروبها، وخصوصا مع لبنان، وبالذات عام 1982 حين أصر الكيان الإسرائيلي على خروج منظمة التحرير الفلسطينية بكل مقاتليها وإدارييها وغيرهم، استعمل الجيش الإسرائيلي كل وسائل الضغط العسكري من أجل إرغام الفلسطينيين على الخروج الذي تم بالفعل.
وأما في حرب العام 2006 فبعد أن طالت وثبت لإسرائيل استحالة القضاء على حزب الله، باشر جيشها عمليات من نوع الضغط من أجل الانسحاب وإيقاف الحرب، وهكذا كان بعد 33 يوما.
عديدة هي الحروب التي اعتمدت السياسة بالنار .. وهذا ما يفترضه التركي الذي قد يتراجع عن غاياته العسكرية إن هو حقق مطالبه التي تبدو صعبة التحقق مع قوى كردية وغير كردية لن تسلم بسهولة، ولن تتنازل عن حضورها كقوة يحسب لها ألف حساب..
إذن لا أردوغان قد يتراجع ولا الأكراد سوف يتراجعون، لا بد للحرب بين الطرفين أن تشتد كلما تم رفض المطالب التركية، وستشتد أكثر في اللحظات التي قد تسبق التسوية السياسية.
منذ أن احتشد الجيش التركي لتصفية وضع عفرين بالطريقة العسكرية، حدد الرئيس التركي أردوغان العملية بأيام، كان يعرف صعوبة وصوله إلى ما يريد، فأولا هنالك آلاف المقاتلين الأكراد وغيرهم، وهنالك أكثر من مليون مواطن مكدسون في بيوتهم، وهنالك قوى ضامنة للقوى المقاتلة من جيش سوري وعين روسية ومزاج أميركي مناصر لهم، وما تفجير دبابة تركية وقتل جنودها سوى رسالة أبعد من كونها كردية، ويحقق الأتراك في الأمر لمعرفة من سلم هذا النوع من السلاح الذي فاجأهم وسيكون له أثره في الحرب الدائرة، بل قد يغير من شكل المعارك إن توافر بكثرة بين أيدي المقاتلين الأكراد، تماما كما حصل لإسرائيل في حرب العام 2006 حين وقعت مجزرة بدباباتها وخصوصا بالميركافا التي تعتبر فخر الصناعة العسكرية الإسرائيلية.. ثم إن عملية اصطياد الدبابة التركية سيؤدي إلى تثاقل المعارك، ومن يعلم ماذا لدى الأكراد من أسلحة أخرى متطورة.
لا شك أن الدولة السورية التي ترصد بدقة ما يدور عسكريا ضد منطقة عفرين، ترى لزاما عليها أن لا تقف مكتوفة الأيدي في مواجهة ما أسمته الاحتلال التركي لأراضيها، وبالتالي لا بد من إغراقه في المستنقع الذي وقع فيه أو أسقط نفسه بداخله .. وكلما طال أمد الحرب، فقد الأتراك قدرتهم على الحسم، وعليهم أن يدفعوا بالمزيد من القوات العسكرية أملا في الإنهاء .. لكن الأتراك يعرفون أيضا، أنه لو تم لهم كسر القوة المدافعة عن قرى عفرين وعفرين ذاتها، فهل يمكن التوغل في الشوارع والأزقة وخوض حرب شوارع خاسرة سلفا، قد يرتكب فيها الجيش التركي المجازر التي ستؤدي إلى صراخ العالم، رغم أن الفرنسي أظهر موقفه الرافض لهذه الحرب، والأميركي على موقفه الصامت لكنه لن يكون إلى جانب تركيا، ومن ثم الروسي وغيره.

إلى الأعلى