السبت 17 نوفمبر 2018 م - ٩ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : مجلس الدولة تحولات نوعية في مسارات الإنجاز
في العمق : مجلس الدولة تحولات نوعية في مسارات الإنجاز

في العمق : مجلس الدولة تحولات نوعية في مسارات الإنجاز

يأتي تتويج البنية الهيكلية والتشريعية بالدولة بإصدار نظامها الأساسي (101/96)، نقطة تحول في بناء دولة المؤسسات، وإيذان بدخول الشورى العمانية مرحلة جديدة في ظل نظام الثنائية البرلمانية، على أن التعديلات التي أضافها المرسوم السلطاني رقم (39/2011) بمنح مجلس عُمان الصلاحيات التشريعية والرقابية، كان خطوة استراتيجية في رؤية التكامل وتعزيز دور المجلس في مسارات الإنجاز التنموي، وتلبية تطلعات المواطنين نحو دور المجالس البرلمانية في خلق تحولات في الوعي الاجتماعي، لذلك تم إجراء التعديلات اللازمة على النظام الأساسي للدولة بموجب المرســــوم السلطاني رقم (99/2011)، والذي أفصح عن أدوار تشريعية ورقابية ومالية نافذة يقوم بها مجلس الدولة، سواء من خلال مشروعات القوانين التي تعدها الحكومة إلى مجلس عمان لإقرارها أو تعديلها ثم رفعها مباشرة إلى جلالة السلطان لإصدارها، واقتراح مشروعات قوانين وإحالتها إلى الحكومة لدراستها ثم إعادتها إلى المجلس، وإحالة مشروعات خطط التنمية والموازنة العامة للدولة إلى مجلس الدولة لمناقشتها، وإبداء توصياته بشأنها خلال فترة زمنية محددة، بالإضافة إلى ما نص عليه المرسوم من أن على جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة إرسال نسخة من تقريره السنوي إلى كل من مجلس الشورى ومجلس الدولة.
لقد عززت الصلاحيات التشريعية التي يمارسها مجلس الدولة بالاشتراك مع مجلس الشورى والرقابية التي يمارسها منفردا في ظل ما أوجده المجلس من آليات وأدوات وبدائل مساندة لتفعيل اختصاصاته من جاهزية المجلس واكتمال بنيته التنظيمية والتشريعية كمصدر قوة لقدرته على صياغة لحن التحول بصورة تقترب من فكر المواطن وقناعاته وأولوياته بالشكل الذي عزز من كفاءة مسارات الإنجاز وفق ما نصت عليه المراسيم السلطانية السامية، بل أوجد مجلس الدولة مدخلات أخرى تضمن لهذه الاختصاصات الحضور المتكافئ في أجندة عمله من خلال آليات متجددة ووسائل رقابية متعددة اعتمدها في تحقيق اختصاصاته كالاقتراح برغبة ومطالبة الحكومة بتطوير أو تعديل خدمة أو سياسة في أحد مجالات التنمية، أو طلب الإحاطة، بأحقية المجلس أن يطلب من الحكومة إعلامه أو إحاطته بمعلومات أو بيانات عن موضوع يدخل ضمن اختصاصه، أو عبر البيان العاجل فللمجلس أن يطلب من الحكومة بيانا أو معلومات عن أمر عاجل يتعلق بالمصلحــة العامــة للدولــة، بحيث تشرح الحكومــة من خلال البيان أبعاد ذلك الموضوع أو السياسة أو الإجراء المتخذ، أو طلب المناقشة في موضوع محدد من الموضوعات العامة التي تدخل ضمن اختصاصه مع الوزير المختص بهدف تبادل الرأي بشأنه.
من هنا فإن تعددية الأدوات وتنوعها واكتمال بنية لوائح العمل الداخلية للمجلس، أوجد شعورا إيجابيا بما يمثله مجلس الدولة من ثقل في المنظومة البرلمانية الوطنية، وهي تعكس مصداقية الهدف ومنهجية الفعل ودقة التطبيق للأدوات ووضوح معالم العمل التي انتهجها مجلس الدولة في تنفيذ اختصاصاته، وأعطت رؤية المجلس والمقترحات والمرئيات التي خلص إليها مدخلا عزز من حضوره المستمر في كافة خطوط الإنتاج وقطاعات العمل الوطني في الثقافة والإعلام والسياحة والاقتصاد والاستثمار والجوانب القانونية والاجتماعية والتعليمية والبحثية، وما قدمه مكتب المجلس ولجانه الخمس من فرص أكبر لقراءة هذه المشروعات في ظل معطيات الواقع ورصد جهود المؤسسات فيه عبر جملة الاستضافات واللقاءات والزيارات والمتابعات والقراءات التحليلية والاستقرائية البرلمانية لتقدم خلاصة عملها في شكل قرارات ومشروعات قوانين واستراتيجيات عمل تنفيذية. على أن ما يمتلكه المجلس في شخوص أعضائه من خبرات، وما يلتزم به من منهجيات رصينة وأدوات دقيقة واستراتيجيات عمل محكمة، أنتجت مشروعات قوانين والدراسات البرلمانية صفة الإنتاجية والإقرار والاعتماد، تجاوز عددها (158) مشروع قانون ودراسة ارتبطت بواقع الحياة اليومية للمواطن الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية والأسرية والاستهلاكية والصحية والتعليمية والغذائية وتفصيلاتها المختلفة.
كما يبرز مسار التحول في الإنجاز البرلماني عبر زيادة عدد مشروعات القوانين كأحد نواتج الصلاحيات التشريعية والرقابية للمجلس، حيث شكلت مشروعات القوانين فيها ما نسبته 53.8% في حين بلغت نسبة مشروعات القوانين التي أقرها المجلس والمحالة إليه من الحكومة، سواء كانت الاعتيادية منها والعاجلة في الفترتين الخامسة والسادسة 57.3% مما يعطي مؤشرات بالمسار النوعي الذي اتجه إليه المجلس في ظل الصلاحيات التشريعية والرقابية. على أن بقاء مسار المرونة البرلمانية مفتوحا وفق مساحات التأطير والتقنين المحددة في لائحة عمل المجلس، سواء كانت تلك المشروعات محالة لمجلس الشورى من الحكومة أم كانت معدة من قبل المجلس ابتداءً، وسواء تعلق المشروع باقتراح سن قانون جديد أم تعديل لقانون نافذ، شكل منطلقا لإعادة قراءة أولويات التنمية ومستجداتها، والوقوف على اهتمامات المواطنين وبناء مختبرات برلمانية لتصحيح أي انحرافات قد تحصل من قبل القطاعات أو المؤسسات عبر مراجعة مستمرة لأدائها وأنظمة عملها.
وعليه، فإن هذا الاتساع في الاختصاصات والمهنية في الأدوات والموضوعية في المعالجة والتنسيق المشترك مع مجلس الوزراء والتناغم الحاصل بين مجلسي الدولة والشورى في دراسة القضايا المشتركة، والتعامل مع نقاط الاختلاف في مشروعات القوانين المحالة من الحكومة، إطار عمل مثرٍ يضمن لهذا الإنجاز الواقعية والاستدامة والتنوع والمساهمة في رفد الحكومة بالتوصيات والمقترحات في التعامل مع القضايا الاستراتيجية الوطنية، وبالتالي ارتفاع سقف توقعات المواطن فيما يمكن أن يقدمه مجلس الدولة من أرصدة نجاح قادمة.

د. رجب بن علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى