السبت 20 أكتوبر 2018 م - ١١ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / مع الرائد المسرحي … مـــارون نَقَّــــاش (1 ـ2)

مع الرائد المسرحي … مـــارون نَقَّــــاش (1 ـ2)

علي عقلة عرسان

لا تبدو صورة الأحداث السياسية، ولا حتى ظلالها في مسرح النقاش، على الرغم من أن حياته واشتغاله في المسرح، كانا في فترة غنية بالأحداث والتغيرات والمنازعات والصراعات. إلا أن التطلع إلى إحراز الوعي، واكتساب المعرفة، والانفتاح على العلم، واستيعاب تجارب الغرب، والنقل عنه.. برزا في دعوته وخطبه وتمهيداته المسرحية، وجسدها في عمل مباشر، بتقديم فن جديد على أناس عصره وبيئته، فمارس ما يمكن أن تجسده الدعوات النظرية، وبذلك كان داعية مؤثرا من خلال التطبيق، أكثر منه مؤثرا من خلال التنظير.

هو “مارون بن الياس بن ميخائيل نقاش، ولد في صيدا – لبنان 9 شباط 1817م وانتقل مع أسرته إلى بيروت عام 1825، وتوفي عَزَبا في طرسوس (الواقعة في تركيا الآن) بتاريخ 1 حزيران 1855 وله من العمر 38 سنة. كان مربوع القامة، أسمر اللون، أسود الشعر والعيون”.. هذا ما ذكره نيقولا نقاش، عن أخيه الذي كان أبرز رواد المسرحية، في إطار بنيتها وتعريفها الأوروبيين عند أبناء العرب.
تعلم مارون النحو والصرف والعروض، وسجل معرفته بعلم العروض والقوافي نظما في قصيدتين، وتعلم الحساب ومسك الدفاتر، واللغات: التركية والإيطالية والفرنسية، كما تعلم الموسيقا. وعمل في جمرك بيروت بوظيفة رئيس كتَّاب، ثم عمل بالتجارة إلى آخر حياته، وكان لفترة، عضوا في مجلس التجارة ببيروت. “سافر إلى حلب والشام، وفي عام 1846 سافر إلى الإسكندرية ومصر “القاهرة”، ومن هناك ساح في بلاد إيطاليا”. وفي أوائل عام 1847 قدم في بيته، إلى أصحابه، رواية موسيقية معروفة برواية البخيل. وفي أواخر عام 1848 قدم في بيته أيضا، رواية أبي الحسن المغفل أو هارون الرشيد. “ولمَّا نظر ميل ورغبة الأهالي إلى هذا الفن، فمحبَّة للوطن، قد أنشأ في بيروت المرسح الشهير الملاصق داره، خارج باب السراي، بموجب فَرَمان عال ـ الذي بموجب وصيته قد تحول إلى كنيسة ـ هي كنيسة السانتا قرب حي الجميزة ببيروت ـ حيث اشتراه القاصد الرسولي ـ وقدم به رواية الحسود السليط، المشحونة بالنصائح والفوائد” (مارون عبود ـ رواد النهضة الحديثة ص150). وكان أمين مخلّص باشا يشجعه، ويستحثه لإنشاء مسرح ويدفعه للتأليف، و”هو الذي استجلب له الفرمان العالي لإنشاء المسرح” (كتاب أرزة لبنان – تأليف مارون نقاش – حاشية في ص417). كما رشحه لنيل “نيشان افتخار”، ولم يحصل عليه نظرا لمتغيرات تنظيمية سبقت وفاته.. ففي 23 أيار 1855 مرض بحمى شديدة بطرسوس، وبعد أسبوع توفاه ربه. وفي أوائل حزيران 1856 نقلت عائلتُه جثمانه من طرسوس إلى بيروت، ودفن بتربة الموارنة، وكتب على ضريحه من قبل أخيه نيقولا:
))ناديت قد عاد سؤلي منتهى الأمل.. طرسوس لا ناقتي فيها ولا جملي
فقال بارحتكم بدرا وعدت لكم… فأرخوا ولكني غير متكمل))، وقراءة التاريخ حسب حساب حروف “الجُمَّل”، فإن العبارة “ولكني غير مكتمل”، تشير إلى عام 1856، وهو عام نقل الجثمان، لا عام الوفاة.
وبعد عملٍ في التجارة، وجولات لتسجيل نجاح في مجالاتها، وصل النقاش إلى ايطاليا، وقضى فيها فترة قصيرة من الزمن، وعاد بحصيلة من الاطلاع، ودفقة من الحماسة، وشيء من الرؤية.. ممَّا دفعه إلى أن يلخص في خطابه الذي افتتح به أول عرض مسرحي له (شباط 1847) ما يرى أنه: “أسباب نزع فخارنا، وسلب مجدنا واعتبارنا فيقول: “كما وقفت على أسباب دوام الحالة التي نحن فيها، وعدم رجوع الماء إلى مجاريها”، فيذكر أسبابا خمسة للأمر الثاني، هي بإيجاز:
((1 ـ تركنا حب الوطن والمقام، وعدم تفتيشنا على النفع العام.
2 ـ تهاوننا وكسلنا وعدم غيرتنا.
3 ـ فرط استعجالنا وعدم صبرنا واحتمالنا، فإن كلا منا لا يريد أن يزرع اليوم أشجارا، إذا لم يتحقق أنه في غد يأكل منها ثمارا.
4 ـ خجلنا الممتزج بالتكبر، وحياؤنا المختلط بالتجبر، لأنكم يا ذوي العلوم والمعرفة، ومعشر أهل الفهم والفلسفة، تخافون أن تخترعوا أمرا فلا يطرب، وتترجموا كتابا فلا يعجب، فيقعدكم الزعل ويمنعكم الخجل (…) وإنما أهل هذه البلاد، والبعض ممن عليهم الاعتماد، فبالضد قد عودوا مواضع أقوالهم على ثلب وإعابة تأليفات أمثالهم، فمنهم من يشين ويتهكم، ومنهم من يدين ويتحكم، فيجرحون المصنف بسيف التوبيخ والخجالة، وينسبونه إلى البرودة والبطالة، ويعيرونه بأنه أسرف زمانه بالتصانيف، وأضاع أيامه بالتآليف. وإن سمعوا بأمر ومصير فيرتاحون على حجة العجز والتقصير، ومن قَبْلِ التجربة يحكمون بأنه في بلادنا لا يصير. وإن نظروا تأليفا، فلا يلتفتون إلا إلى زخرفة الكلام، ولا ينقحون إلا على النثر والنظام، مسلوبين من الحسد والفرض، حتى أنهم يتركون الجوهر ويتمسكون بالعرض، مظنين باستهزائهم واخراقهم للغير، أن ينالوا الفخر والخير، وليس الواقع كما يتوهمون، ولا الصيت بالتنكيت كما يزعمون…)) – كتاب أرزة لبنان ص ١٨ تأليف مارون نقاش – طبع المطبعة العمومية – بيروت١٨٦٩
اتجه مارون نقاش بعد اطلاعه على مسارح ميلانو ونابولي على وجه الحصر والتحديد، وخلال مدة وجيزة، لا تتعدى بضعة أشهر، هي مدة رحلته الوحيدة إلى إيطاليا، اتجه إلى اختيار تقديم المسرحية الغنائية، وهو مدرك جيدا وجود المسرحية الأخرى “النثرية” بنوعيها “الكوميديا” الملهاة، والتراجيديا “المأساة”، فاختار نوعا من الأوبرا لسببين :
1 ـ لقربها من نفسه.
2 ـ لظنه أنها ستكون أقرب إلى نفوس الناس في بلده.
وكان مبرر تقديمه المسرح، وإقباله عليه، وحض الناس على الاستفادة منه، هو ما يجلوه في قوله، مشيدا بالمسرحية بوصفها فنا: “فأنتم أيضا ستنظرون، عند كثرة تكرارها، إلى منافع تعجم الألسن عن وصف مقدارها، لأنها مملوءة من المواعظ والآداب، والحكم والإعجاب، لأنه بهذه المراسح تنكشف عيوب البشر، فيعتبر النبيه ويكون منها على حذر، وعدا اكتساب الناس منها التهذيب، فإنهم بالوقت ذاته، يتعلمون ألفاظا فصيحة، ويغتنمون معاني رجيحة، إذ من طبعها تكون مؤلفة من كلام منظم، ووزن محكم، ثم ينعمون بالرياضة الجسدية، واستماع الآلات الموسيقية، ويتعلمون إن أرادوا، مقامات الألحان، وفن الغنائيين الندمان، ويربحون معرفة الإشارات الفعالة، والأمارات العمالة، ويتمتعون بالنظارات المعجِبة، والتشكلات المطربة، ويتلذذون بالفصول المضحكة المفرجة، والوقايع المسرة المبهجة، ثم يتفقهون بالأمور العالمية، والحوادث المدنية، ويتخرجون في علم السلوك ومنادمة الملوك. وبالنتيجة هي جنة أرضية وحافلة سنية” (أرزة لبنان ص18). هذا ما رآه من توجه في تقديم المسرح وما رسمه له من رسالة، وما أراد للناس أن يأخذوه وينتفعوا به، من إقبالهم عليه.. وهو الرائد الأول.
أمّا معرفته بالمسرح عبر التاريخ، أدبا وفنا وتقنيات، فمتواضعة إلى أبعد الحدود، وهو يقدم شيئا من إلمامه بهذا التاريخ، فيعيده كما يقولون إلى زمن إبراهيم الخليل؟! ولكن الثابت من معرفته يعود بالمسرح إلى ما قبل المسيح بقرون، وهو يقف بداياته على الرومان، ولا يذكر اليونان المؤسسين الحقيقيين لهذا الفن، ويصف المسارح المبنية في إيطاليا، ويركز على وصف دور الأوبرا وفخامتها، وعلى المناظر فيها، وتأثيرها على المتفرجين، حيث يخالونها سحرا، ويقارن بين وضع ما سيقدمه وما رآه في أوروبا، ويشبهه “بالظل بالنسبة إلى الحقيقة”. وبالرغم من أن معظم التطور التقني الذي حدث في عالم تقنيات المسرح، آتى بعد دخول البشرية عصر الكهرباء، إلا أن تقنيات القرون السابقة على القرن العشرين، لم يصل منها إلى الرجل شيءٌ يذكر، وهو لم يشاهد من العروض المسرحية إلا القليل، ومن أوروبا إلا نابولي وميلانو، رغم القول إنه “دوَّخ” أوروبا كما يقول أخوه نيقولا، وكل ذلك في “الأشهر القليلة” التي قضاها هناك؟! وذاك من مبالغات ذلك العصر، في ذاك البلد.
كان انشغال مارون نقاش في المسرح في ظل خلافة السلطانين العثمانيين عبدالعزيز وعبدالمجيد، وفي ولاية راشد باشا، ومتصرفية نصر الله فرانقو باشا، لجبل لبنان، ومتصرفية كامل باشا لبيروت.. إلا أن التشجيع جاءه من أمين مخلّص باشا الذي وليَ إيالةَ صيدا فترة من الزمن، ثم أصبح وزيرا.
ولا تبدو صورة الأحداث السياسية، ولا حتى ظلالها في مسرح النقاش، على الرغم من أن حياته واشتغاله في المسرح، كانا في فترة غنية بالأحداث والتغيرات والمنازعات والصراعات. إلا أن التطلع إلى إحراز الوعي، واكتساب المعرفة، والانفتاح على العلم، واستيعاب تجارب الغرب، والنقل عنه.. برزا في دعوته وخطبه وتمهيداته المسرحية، وجسدها في عمل مباشر، بتقديم فن جديد على أناس عصره وبيئته، فمارس ما يمكن أن تجسده الدعوات النظرية، وبذلك كان داعية مؤثرا من خلال التطبيق، أكثر منه مؤثرا من خلال التنظير.
كانت أول مسرحية قدمها النقاش هي مسرحية “البخيل”، وذلك عام 1847، وقدم بعدها مسرحية من تأليف أخيه نيقولا نقاش، بعنوان “الشيخ الجاهل” في عام 1849 ثم قدم مسرحيته “أبو الحسن المغفل، أو هارون الرشيد”، عام 1851، وبعد ذلك “ربيعة بن زيد المكدم” من تأليف نيقولا النقاش، وأتت في النهاية خاتمة أعماله “الحسود السليط ” عام 1853، ولم يقدم بعدها شيئا حتى وفاته. ومن هذا يتضح أن جهد الإشراف والإخراج والإدراة انصب على خمس مسرحيات قدمها مارون النقاش للمسرح العربي كمخرج، بينما قدم ثلاث مسرحيات فقط كمؤلف.
ويغفل الذين يتحدثون عن مارون نقاش، جهده الأساس في تكوين فرقة مسرحية، من أشخاص لا يعرفون حتى معنى الهِواية، ومن طلاب رغَّبهم ودرَّبهم وقدَّمهم إلى الجمهور، يمثلون أدوار الرجال والنساء، ويتعثرون في كل تفصيل من تفاصيل الأداء والعرض والتعامل مع “التقنيات” البدائية، التي قدمها مسرحي مبتدئ، وكأنه، وهو يعمل، شعر بصعوبة استمرار هذا الفن، وأيقن من عدم استمرار المسرح الجديد الذي أنشأه، فسجل ذلك في آخر مسرحية له، فضلا عما نقله عنه أخوه نيقولا، فقال مارون في مسرحيته “الحسود السليط”: “.. قبل إنشائه لتلاميذه المسرح الجديد الذي دوامُه ببلدنا أمر بعيد”. (السرحية – ص 388 ـ من كتاب أرزة لبنان). وهو شعور له ما يبرره في تلك الظروف، وربما كان ذلك هو السبب أو الدافع إلى أن يوصي ببناء كنيسة مكان مسرحه الذي قرر هو نهايته.
كانت الظروف التي عمل فيها النقاش صعبة، لا يدركها جيدا إلا من عانى ظروف البدايات، والعمل مع جهلة لا يلبثون أن تتشامخ منهم الأنوف، إذا ما صفق لهم الجمهور مشجعا، ظانين أنهم وصلوا، بل إنهم الأول والآخِر؟! ويقدم نيقولا النقاش في تقديمه لأرزة لبنان التي ضمت أعمال أخيه مارون صورة جيدة، عن البيئة والواقع اللذين عمل فيهما مارون، وأسس مسرحه.
وسوف أتوقف عند مسرحيات مارون النقاش الثلاث، وهي: البخيل 1847 – أبو الحسن المغفل 1851 – الحسود السليط 1853 وهي النصوص الأولى في حركة التأليف المسرحي العربي الذي سار على نهج التبعية والتأثر، في عهد حملة نابليون بونابرت على مصر، واتصال أبناء العرب بالفن المسرحي الأوروبي، سواء أكان ذلك في أوروبا، أم من خلال بعض الفرق الزائرة، وما أندرها في ذلك الزمن. وتدخل مسرحيتا أخيه نيقولا زمنيا، في تلك الفترة التأسيسية الريادية، إلا أن مكان وزمان تناولهما سيكونان لاحقين.
1 ـ البخيل:
كانت “البخيل” أول مسرحية كتبها مارون نقاش، وقدمها في بيته في حفل خصوصي عام 1847، وعلى ذلك يمكن القول بأن المسرح العربي بدأ في ذلك التاريخ. وهي مسرحية تأثر فيها النقاش تأثرا طفيفا، بمسرحية البخيل لموليير. وهي من الرداءة بحيث يصعب تصور كيفية قبول الرجل نشرها أو تمثيلها، وكذلك كيفية النظر إليها كنص يمكن أن يعاد نشره أو تمثيله، فلا الشعر ولا اللغة ولا الحوار ولا المضمون ولا الانفعالات والوصف، ولا المواقف ولا الصراع .. كل ذلك ليس فيه ما يغري بالالتفات إليه، ولكن طموح المؤلف إلى تقديم ملهاة، كلها ملحَّنَة، وهذا يعني “اوبرا كوميك”، على مثل ما رأى.. يجعل أمر التجاوز عن ضعف البنية الدرامية، من الأمور المسلم بها، وإعطاء القيمة والاهتمام للألحان والرقص خاصة.
لا نستطيع أن نحكم على الألحان التي قدمها النقاش، ولكن الشعر الذي قُدِّم، بما فيه من اضطراب في الوزن، وضعف في الصور، وسقوط في مستوى اللغة والعبارة، يجعل حكمنا على مواهب الرجل الموسيقية، حكما أقرب إلى السلب منه إلى الإيجاب.
ويحاول أخوه نيقولا النقاش أن يعتذر عن لغته وعن شعره، وعن عدم إتقانه للعَرُوض، في مقدمته لأعماله في كتاب “أرزة لبنان”. ولكن الرجل نفسه، أي مارون، ينوه بنصه، ويقدم ما يشفع له، وهذا مقبول منه في مثل وضعه وتجربته وزمنه، ويبرز تقديم نصه كوثيقة للدارسين والتاريخ ليس غير، فهو يقول على لسان سمعان في مسرحية الحسود السليط، عن مسرحية البخيل: “أقول لك الصحيح لا تعجبني للغاية ـ يعني مسرحية أبي الحسن المغفل ـ بل يعجبني قليلا من تصانيف المذكور رواية البخيل التي قدمها في بيته، خصوصية، منذ أربع سنوات، أعني سنة 1847 قبل إنشائه المسرح الجديد، الذي دوامُه في بلدنا بعيد، وسبب إعجابي بها: أولا لأنها أول رواية مستنبَطة في اللغة العربية، فشاع لهذه الأضحوكة ـ ويقصد المهزلة ـ على نوع ما سمعه غير ردية” (أرزة لبنان ص 388).. وربما لهذا السبب، ولكونها باكورة إنتاجه، رأى فيها شيئا ولم ينكرها.. وهذا لا يبرر اجتهاد من يجتهد، لإضفاء الحياة على هذا النص. ولا أريد أن أتوقف عنده طويلا.
2 ـ أبو الحسن المغفل أو هارون الرشيد:
كتب مارون نقاش مسرحيته “أبو الحسن المغفل، أو هارون الرشيد”، عام 1851 وقد لاقت نجاحا ملحوظا عندما قدمها في بيروت، في داره، قبل أن ينشئ مسرحا خاصا به، لم يقدم عليه إلا مسرحية “الحسود السليط”،عام 1853
وتبدو مسرحية “أبو الحسن المغفل”، مقنعة ومتفوقة، تحقق قفزة ملحوظة في إنتاج النقاش، إذا ما قورنت بمسرحيته السابقة “البخيل”. ففي مسرحية “المغفل”، نقف على بناء فني، وقصة مشوقة، وملهاة مسبوكة، ينبع الإضحاك فيها من المواقف والحوار في أغلب الأحيان، ولا نجد فيها إسفافا وركاكة، إلا في بعض المشاهد.
ملخص حوادث المسرحية بسيط: أبو الحسن رجل صاحب نعمة سابقة، زالت عنه بسبب تبذيره، وهجره أصدقاؤه بعد أن زالت نعمتُه، وقد نقم عليهم نتيجة لذلك، وفي مقدمة من ينقم عليهم، طه إمام الجامع، لأن هذا الأخير، وضعه والد أبي الحسن وصيا على تركة الأخوين سعيد وأبي الحسن، فأسرف وأنفق وخان الأمانة، حتى بقي الاثنان على الأرض، كما يقال. ولهذه الأسباب، نرى أبا الحسن حالما، يريد أن يحقق العدل والإنصاف على طريقته الخاصة. إنه يحلم بأن يصبح خليفة ليوم واحد، ليصل إلى أمور كثيرة، يلخصها هو في هذا المشهد اللطيف مع عرقوب :
((أبو الحسن: وأخلط السواد بالبياض
عرقوب: أخلط
أبو الحسن: فينقضي أمري بلا اعتراض
عرقوب: اخرط
أبو الحسن :
أقضي على طه إمام الجامع
شيخ الخِوان الخاتل المخادع
والأرديا المنافقون الأربعة
أشنقهم من بعد ألف مقرعه
قد كنت عندهم أعز الناس
فغادروني إذ رؤوا إفلاسي
فالآن إن القهر للحساد
ما دمت سلطانا على بغداد)) ـ أرزة لبنان ص 112
وأبو الحسن هذا لا تذهب به الآمال إلى درجة التمني أن يكون الحاكم فقط، وإنما هو يدخل في إهاب شخصية السلطان، حتى يتصور نفسه السلطان فعلا، ويمضي في تنفيذ ما يريد، ولذلك يضطر خادمُه عرقوب إلى التعليق بقوله :
((عرقوب :
كم تشتهي المحال في الأوهام
ولم تنله غير في الأحلام
في حين يستمر أبو الحسن في حلمه اللذيذ :
- أبو الحسن :
وبعد هذا نخلع العذارا
ونجعل الليل لنا نهارا
ثم نغني مع نَقيَّات البَدن)). ـ أرزة لبنان ص 112
ولكن أبا الحسن في داره، يحتاج إلى الطعام والشراب، ويأكله الشوق إلى دعدٍ التي يحبها ولا يصل إليها، وتقتله الغيرة من أخيه سعيد الذي يحب دعدا وتحبه، ولا ينجح هو أبدا في السيطرة على ابنته سلمى، ليحلم من خلالها بالسيطرة على الأمور، ذلك لأن عثمان، أخا دعد، يحب ابنته سلمى التي تحبه هي بدورها، ولكنها تتعاطف مع عمها سعيد.
ويحظى أبو الحسن في محنته، أو إن شئت في غفلته وبلباله، بزيارة درويشين، هما دادا محمود ودادا مصطفى، وما هما في الواقع إلا الرشيد ووزيره جعفر، وقد زاراه في إحدى جولاتهما التفقدية متخفيين، واطلعا على رغبته في أن يصبح الخليفة.. وأنه لو أصبح خليفة لفعل وفعل وفعل..
ويخطر للرشيد أن يتسلى، بعد أن ضاق في تصريف أمور الدولة.. ولذلك يأمر جعفرا بأن يزورا معا أبا الحسن المغفل، وينفذا حلمه الكبير. ولا يكتفي الرشيد بالتسلية الأولية، وانشراح الصدر الذي حصل عليه من التدخل في شجار الأخوين سعيد وأبي الحسن، وتحريض كل منهما ضد الآخر، بل يريد أن يمضي إلى أبعد، وهو يقول : الخليفة :
“حقا، صدري قد انشرح بأنواع غزيرة، في مداعبة هذه العيلة، ومع ذلك لا بد أن أتمم ما خطر في بالي. والصواب أن أتعاهد مع عرقوب لإبلاغ آمالي”. )أرزة لبنان ص 153).
ويتفق دادا مصطفى ” الرشيد”"، ودادا محمود “جعفر”، مع عرقوب على تفاصيل خطتهما: سوف يدعوان أبا الحسن إلى سهرة على نهر دجلة، وهناك يدسَّان له في المشروب شيئا يجعله يغيب عن الوعي، وبعدها يُنقَل إلى القصر، ويوضع مكان الرشيد.. ويريان ماذا يفعل طيلة يوم من الحكم، ويستيقظ، وهو خليفة لبغداد، وعرقوب وزير له. وبعد ذلك يعيدانه إلى بيته قبل وصول أمه الحاجة من الحج.”. ويكسب دادا مصطفى ثقة أبي الحسن قليلا، حين يتدخل في شجار مع أخيه سعيد بشأن الزواج من دعد، ويكون داد مصطفى في الواقع، قد أوقع بينهما، حين عقد بينهما صلحا على سوء تفاهم، خسر بموجبه أبو الحسن عقدا ثمينا. وينتقل أبو الحسن مع الدرويشين وعرقوب السهرة المرتقبة.

إلى الأعلى