الثلاثاء 14 أغسطس 2018 م - ٣ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / دوسيهات المخابرات

دوسيهات المخابرات

د.احمد مصطفى

ربما حقق ترامب نصرا جزئيا في قضية التدخل الروسي في عملية انتخابه، لكنه زاد من هوة الشقاق بينه وبين أجهزة الأمن والعدالة والمخابرات. كما أن ضرر فقدان ثقة الشعب الأميركي في أجهزته الأمنية والاستخباراتية ربما تجاوز ذلك إلى فقدان الثقة في الانتخابات الرئاسية برمتها. لكن قضية التدخل الروسي لم تنتهِ، وما زال التحقيق الخاص فيها جاريا وقد تؤدي إلى إدانة الرئيس ترامب ـ حتى وإن لم يصل الأمر إلى إزاحته من منصبه.

في إطار السجال المحتدم بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وبعض أركان إدارته، وافق الرئيس على كشف السرية عن مذكرة تلخص تحقيقات لجنة الاستخبارات الدائمة في الكونجرس بشأن جانب من جوانب قضية التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016 لصالح المرشح الجمهوري الذي فاز فيه ودخل البيت الأبيض رئيسا. استفاد الرئيس من أغلبية حزبه في مجلسي الكونجرس، النواب والشيوخ، وأثار حفيظة الحزب الديمقراطي الذي لم يكن نوابه يريدون كشف سرية تلك الوثيقة بدعوى أنها تعرض عمل أجهزة إنفاذ القانون للخطر. كان القصد من كشف الوثيقة أن تحقيق اللجنة، ورئيسها جمهوري، خلص إلى أن مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) ووزارة العدل تعمدوا إخفاء معلومات للحصول على إذن من محكمة مخابرات للتنصت على مواطن أميركي. وتحقق ذلك الهدف بكشف سرية الوثيقة بشكل جعل حتى بعض الجمهوريين يصطفون مع الديمقراطيين في موقفهم بأن كشفها يفقد المواطنين الأميركيين الثقة في أجهزة إنفاذ القانون وأجهزة المخابرات.
الموضوع ببساطة أن الدستور الأميركي يحظر التنصت على المواطنين الأميركيين إلا في حالات قصوى، وبأمر محكمة استخبارات يصدر بعد الاطلاع على ما يثبت ضرورة ذلك لأجهزة الأمن والعدالة. وخلال الحملة الانتخابية الرئاسية العام قبل الماضي حصلت وزارة العدل و”إف بي آي” على إذن للتنصت على كارتر بيج أحد المسؤولين في حملة ترامب الانتخابية استنادا إلى تقرير إخباري على موقع “ياهو نيوز” يكشف اتصالاته بالروس. ولم يفصح المكتب ولا وزارة العدل على أن من سرب ذلك للموقع الإخباري هو عميل المخابرات البريطانية السابق كريستوفر ستيل الذي قدم لمكتب التحقيقات الفيدرالي ملفا عن علاقة شخصيات في حملة ترامب الانتخابية مع روسيا. وكان المسؤولون في “إف بي آي” ووزارة العدل يعرفون أن “دوسيه ستيل” أعد من قبل شخص يعمل على عدم نجاح ترامب من البداية. وأن الملف، أو “دوسيه ستيل” هو نتيجة تعاون صاحبه مع الحزب الديمقراطي وحملة المرشحة الديمقراطية المنافسة لترامب هيلاري كلينتون. وحصل كريستوفر ستيل على نحو 160 ألف دولار من شركة مرتبطة بالحزب وحملة كلينتون.
ربما حقق ترامب نصرا جزئيا في قضية التدخل الروسي في عملية انتخابه، لكنه زاد من هوة الشقاق بينه وبين أجهزة الأمن والعدالة والمخابرات. كما أن ضرر فقدان ثقة الشعب الأميركي في أجهزته الأمنية والاستخباراتية ربما تجاوز ذلك إلى فقدان الثقة في الانتخابات الرئاسية برمتها. لكن قضية التدخل الروسي لم تنتهِ، وما زال التحقيق الخاص فيها جاريا وقد تؤدي إلى إدانة الرئيس ترامب ـ حتى وإن لم يصل الأمر إلى إزاحته من منصبه. كذلك الشقاق بين الرئيس وأركان إدارته لم ولن يتوقف، وربما خسر البعض في أجهزة الأمن والاستخبارات مواقعهم إنما الرئيس لديه القدرة على استعداء من سيأتون بعدهم. حتى المخاوف البريطانية من أن الكشف عن سرية مذكرة لجنة الكونجرس قد يضر بطرق جمع المخابرات البريطانية للمعلومات بدت مبالغة، وإذا كان للتعاون الاستخباراتي البريطاني الأميركي أن يتأثر فليس بالقدر الذي يمكن أن يضر بالعلاقات بين لندن وواشنطن بأكثر مما هي متضررة بالفعل بسبب عدم وجود أي كيمياء بين ترامب ورئيسة وزراء بريطانيا تريزا ماي. المهم في كل هذه الزوبعة هو أن كشف السرية عن الوثيقة فضح عمل أجهزة المخابرات، وكيف أنه أصبح يأتي كتبرير لتوجهات وربما قرارات متخذة بالفعل بدلا من كونه أساسا معلوماتيا دقيقا تبنى عليه السياسات والاستراتيجيات. ولعل المخابرات البريطانية تحتل موقع الريادة في هذا التحول لعمل المخابرات من الدقة والحيادية إلى التلفيق المعلوماتي لأغراض سياسية.
يذكرنا “دوسيه ستيل”، الذي اعتمده مكتب التحقيقات الفيدرالي سندا للتنصت على بيج وربما لقضية علاقة فريق ترامب الانتخابي بروسيا، بدوسيه شهير آخر مطلع القرن الحالي أعدته الاستخبارات البريطانية أيضا وكان السند القانوني لغزو واحتلال العراق عام 2003. عرف ذلك الملف الذي أعدته المخابرات البريطانية أيضا إعلاميا باسم “دوسيه بلير” إذ إن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير استخدمه لتبرير الغزو على أساس أن العراق قادر على إنتاج سلاح نووي في فترة وجيزة (نصف ساعة)، وهو ما اتضح كذبه فيما بعد وكلف بريطانيا مقتل خبير الأسلحة ديفيد كيلي (الذي اتهمت المخابرات البريطانية بتصفيته لأنه كشف أن عمله لم يخلص إلى قدرة العراق على إنتاج سلاح تدمير شامل) واستقالة مدير “بي بي سي” وقتها جريج دايك والصحفي الذي كشف زيف الدوسيه أندرو جليجان. واتضح فيما بعد أن أغلبية دوسيه بلير عبارة عن تجميع تلفيقي لمعلومات غير موثقة من على الإنترنت ولم تفلح المخابرات البريطانية في تبرير فشلها بالقول إن المخابرات المصرية ساعدتها بالقدر الأكبر في إعداد الدوسيه.
ربما كان الكشف عن دوسيهات المخابرات الملفقة من نصيب الأجهزة البريطانية بالقدر الأكبر، لكن استخبارات كبرى أخرى ـ بما فيها المخابرات الأميركية ـ أصبحت تشوبها ذات العيوب. وبالطبع لن تكون تلك المرة الأخيرة التي يكشف فيها عن تلفيق وتضليل من قبل الأجهزة المنوط بها معرفة ما لا يعرفه غيرها، وربما كان لطبيعة عمل المخابرات فضل في إبقاء “الطابق مستورا” على كثير من الدوسيهات التي تفضح ما آلت إليه أجهزة كبرى كانت ترعب العالم بأنها قادرة على تحديد “ماركة الملابس الداخلية” لقادة العدو!!

إلى الأعلى