الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 م - ٥ ربيع الثاني ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / زيارة دولة تحمل الوصل لا الفصل

زيارة دولة تحمل الوصل لا الفصل

جودة مرسي

إن زيارة الرئيس المصري إلى السلطنة تحمل شقًّا ثنائيًّا مهمًّا يتعلق بالتعاون الاقتصادي والاستثماري والتنموي بين الجانبين، إلى جانب الموقف السياسي الجامع للدولتين والاستفادة من مكانة السلطنة الإقليمية المحافظة على استراتيجيتها الإقليمية المبنية على علاقات طيبة مع كل الأطياف الإقليمية والقوى المجاورة، وتواصلها مع العواصم المختلفة في إطار سياسة الحياد الإيجابي.

يؤكد الدكتور سلطان الحطاب مؤلف كتاب “سلطنة وسلطان: أمة وقائد”، أن حكمة جلالة السلطان ـ حفظه الله ورعاه ـ ورسوخ سياسته دفعا كثيرًا من دول الجوار والعالم إلى أن تتطلع إلى دور عمان في مساعدتها، ولهذا تصدرت السلطنة دول المنطقة ونافستها في القدرة على ترسيخ السلام والأمن والمصالحات ونزع فتيل الصراعات داخل دول مجلس التعاون ومع دول الجوار، ولعبت دور الوسيط النزيه المرغوب تدخله. وما من يوم يمر على أمتنا العربية إلا ويشاهد صراعات ومناكفات تضعها أيدي آثمة لا تطلب لهذه البقعة من العالم الاستقرار والتعايش السلمي طمعا في ثرواتها أو تأمينا لوجود عدو يريد أن يلتهم الجميع، مما يدفع المخلصين من الأمة إلى البحث عن حلول تطفئ نار الخلافات المفتعلة، وفي ظل تجارب سابقة كللت بالنجاح تدخلت خلالها السياسة العمانية لوأد نيران هذه الخلافات لتأخذ العلامة الكاملة في حلها. وما الأمس ببعيد الذي شهد للدبلوماسية العمانية هذا التفرد غير المسبوق حين لعبت دور المهندس الماهر بصياغة التوافق ودمج القناعات لتنجح في التوفيق بين الخصمين اللدودين الولايات المتحدة وإيران فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني والذي تكلل بصياغة الاتفاق الذي وقعته الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع مجموعة (5+1( بعد أكثر من 6 سنوات من الجولات المكوكية والترتيبات، نازعة في ذلك الوقت فتيل أزمة كادت تهدد المنطقة بأكملها. إن الدبلوماسية العُمانية التي أرسى دعائمها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ نافذة وسطية لحل كل الخلافات الإقليمية والدولية، فأصبحت كافة الأطراف تنظر لها بوصفها ممرًّا تستنشق منه نسائم السلام، وذلك كله بفضل الوسطية الدائمة وعدم الانحياز لأي طرف على حساب طرف آخر مع احترام مبادئ عدم التدخل في شؤون الدول الداخلية، وهو ما حظي باحترام جميع مفردات ومكونات المجال السياسي الإقليمي والعالمي، فتعاظمت النظرة الإقليمية للسلطنة من أجل تأمين السلام في المنطقة في ظل أجواء ظلامية يشوبها أزمات عدة من تطرف وإرهاب وأطماع، وعدم استقرار أمني، ومشكلات وتشابكات اقتصادية وسياسية، فباتت السلطنة وجهة للشرق بحثًا عن مأمن الغرب، وحلقة وصل بين أجناس وأعراق دولية لإزالة الكثير من الهواجس والتوترات الخطرة التي تخيم على المنطقة. ووفقا لكل هذه المعطيات، وكما هي العادة بين الدبلوماسية العمانية المصرية التي تربطها كل عناصر الاتفاق والدفء من حيث التاريخ والفكر واتخاذ أطر السلام لتتصدر مفردات الحوار، ومنذ معاهدة كامب ديفيد وموقف السلطنة التاريخي المساند لمصر، في وقت المقاطعة العربية كانت مسقط الوحيدة التي أبقت على علاقتها بالقاهرة، لتأتي زيارة الدولة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لتكمل مسيرة الخير مشوارها الذي بنى على قناعة الوصل لا الفصل مع الإيمان بالتاريخ والمصير المشترك، وهذا ما أكد عليه معالي يوسف بن علوي الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية بقوله (إن السلطنة حرصت منذ فترة طويلة وذلك منذ تولي حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ مقاليد الحكم في البلاد على التواصل مع الشقيقة مصر في مختلف المراحل التي مرت بها الأمة العربية منذ أكثر من أربعين سنة. وأضاف معاليه، أن السلطنة تنظر إلى مصر على أنها ((عكاز الأمة العربية وهي اليوم كذلك المنصة التي تجمع الأمة العربية ودورها مشهود وأن دورها يتعاظم)).
إن زيارة الرئيس المصري إلى السلطنة تحمل شقًّا ثنائيًّا مهمًّا يتعلق بالتعاون الاقتصادي والاستثماري والتنموي بين الجانبين، إلى جانب الموقف السياسي الجامع للدولتين والاستفادة من مكانة السلطنة الإقليمية المحافظة على استراتيجيتها الإقليمية المبنية على علاقات طيبة مع كل الأطياف الإقليمية والقوى المجاورة، وتواصلها مع العواصم المختلفة في إطار سياسة الحياد الإيجابي. فمن ضمن مميزات السياسة الخارجية العمانية هو العمل على اغتنام علاقاتها مع كل أطراف النزاع للاحتفاظ بمخرج نحو الحلول السلمية. وهذا يتوازى مع الثقل الإقليمي والدولي الذي تتمتع به مصر. إن اجتماع الدور المصري والعماني في السياسة العالمية والحلول الإقليمية سيكون له الوقع الإيجابي لحلحلة أزمات المنطقة ومحاولة حلها أو على الأقل تخفيف حدتها بدون خروج طرف خاسر أو فائز من أي من أطراف الأزمة، والرهان على ذلك هو ما يملكانه من ثقل دولي وإقليمي وفكر من التواصل الحضاري الذي يسهم بالفهم للغة الحضارة والتاريخ.

إلى الأعلى