الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 م - ٥ ربيع الثاني ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: “أنا قد قضيت فأكملوا”..

باختصار: “أنا قد قضيت فأكملوا”..

زهير ماجد

إنها أغنية أشبه بنشيد يتلوه شهيد قضى في معركة، وبعد أن يتمم صلاته ينهي كلماته بالقول “أنا قد قضيت فأكملوا وتحملوا”.
كلمات تنطبق حرفيا على مسيرة الشعب الفلسطيني الذي يتوالد أبطالا يقدمون عرضا جهاديا ثم يسقطون كي يأتي من يكمل المسيرة ..
البطل أحمد جرار قاتل وحده قوة جيش إسرائيلي يفوق عدده الخمسين جنديا، ولمدة ثماني ساعات .. طاردوه شهرا كاملا بعدما قتلت خليته الحاخام الإسرائيلي .. ولولا الخدمة التي قيل إن بعض الأمن الفلسطيني قدمها للإسرائيلي عن مكان وجوده، لكان حتى الآن طليقا ..
في كل يوم تقريبا، يقدم الشعب الفلسطيني سجله المليء بالتضحيات، يضيف عليه أسماء أبطال زرعوا أجسادهم في الوطن السليب، استشهدوا وظلوا وقوفا كالأشجار .. أكملوا مسيرة تجاوزت القرن ولم يتعبوا. هو سر كامن في هذا الشعب الذي لم يتعب ووهب حياته لقيمة وطنية، قرر فيها أن روحه عالقة بفلسطين وحدها.
وتقول الأغنية، إن الشعب آمن بالحراب وبالثورة تستل الحراب وبدم يسيل على التراب .. الأغنية توجه نداءها إلى من يغمس قلمه بدم الشهيد ليكتب بأن الفعل الفلسطيني الشهادي رسالة جيل بل أجيال هي علامة فجر قادم.
انضم أحمد جرار إلى قافلة شهداء كثر .. ومن قال إنها النهاية. يعرف الإسرائيلي أن صراعه مع الفلسطيني بل مع أبناء المنطقة العربية وجودي، ولهذا يمارس القوة المفرطة أملا أن يسحق أجساد الفلسطينيين، لكنه لم يصل إلى الروح الجماعية التي توارثت الشهادة..
هنا يكمن السر الفلسطيني في أوجه .. كل أغنيات الثورة الفلسطينية تضرب على الوتر الحساس وهو البندقية، زينة الرجال، رافعة الحرية في وجه مغتصب لن يتمكن من العيش بسلام إلى أن يتم طرده ذات نهار فلسطيني مؤكد.
لا أعرف لماذا القوقعة الإعلامية الفلسطينية بالحجر على الأغنية الفلسطينية الثورية، وبمنع بثها وهي الصوت الأكثر تأثيرا من كل توجيه آخر. تروي تلك الأغنيات واقع النضال الفلسطيني بكل محتوياته، من النبدقية الأحب، إلى تثوير جماهير الأرض المحتلة، إلى الصمود حيث هم، إلى فرح القواعد العسكرية بعودة المقاتلين إليها بعد أن يكونوا قد نفذوا عملية ناجحة…
أهمية هذه الأغنية أنها صوت هدار تصدح فيه أصوات مجموعة منتقاة، أما ألحانها فمأخوذة من التراث الفلسطيني الفلكلوري في عملية تطابق فذ مع الكلمات الثورية المنتقاة ـ كما قلنا ـ من عمق الضرورات الفلسطينية التي تعيش شروطها الخاصة.
كانت إذاعة “فتح” التي تبث من القاهرة إبان العصر الناصري تسجل أعلى حالة سماع بين الفلسطينيين والعرب، وخصوصا في كم الأغنيات الثورية التي كانت تطلقها والتي كانت تجربة رائدة في وقته، وربما إلى أمد بعيد.
مطلوب من القيادة الفلسطينية أن تعيد النظر بإعادة بثها، فكل الشعب الفلسطيني أحمد جرار وعهد التميمي وأحمد سعدات وأبو علي مصطفى وجورج حبش وياسر عرفات، وكلهم محمود درويش وغسان كنفاني وسميح القاسم وأحمد دحبور .. هي الدماء التي تجري في عروقهم وديعة الأمة متى طلبتها ستجدها، وقد وجدتها دائما.
أعتقد أن القيادة الفلسطينية تفهم جيدا شعبها بكل تركيبته ونفسيته، وماذا تعنيه فلسطين .. حري بها أن تتمثل مطالبه وتوقه في التعبير عن تلك الأحاسيس، بل وتفجيرها من أجل حماية المسيرة التي مهما فعلوا فلن تتوقف.

إلى الأعلى