Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

ضرورات الرؤية الفقهية الجديدة للعلائق بين الفقه والقانون في مجال المعاملات (9 ـ 10)

أحكام الشريعة استمرت في التطور بإتساع رقعة الدولة الإسلامية على أثر الفتوحات

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:

جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان: (ضرورات الرؤية الفقهية الجديدة للعلائق بين الفقه والقانون في مجال المعاملات) للاستاذ الدكتور/ رمزي محمد علي دراز أستاذ الشريعة الِاسلامية المساعد بكلية الحقوق ــ جامعة الاسكندرية.
يقول الباحث حول الحكمة من ذلك: ان النبي (صلى الله عليه وسلم) أراد أن يعلم أصحابه الإجتهاد لعلمه انهم لن يستغنوا عنه وستعرض عليم مسائل ووقائع لم يتحدد حكها في عصر الوحي. فأراد ان يعلمهم أصول الإجتهاد في فهم النصوص، ووضع ضوابطه وقواعده، وينبههم إلى أهميته من حيث كونه وسيلة أستنباط أحكام ما لم يتضمنه النص الشرعي من السمتجلات والجزئيات والحوادث المستمرة والتي تختلف بإختلاف الزمان والمكان والأحوال والتي أقتضت حكمة الله تعالى وإرادته أن تترك بلا نص ليمنح العقل البشري مكنة إستنباط أحكامها في ضوء النصوص الشرعية وكليات الشريعة ومقاصدها، حتى لاتضيق الشريعة بأهلها ولتكون معيناً فياضاً يستمد منه المسلمون في كل عصر ومع كل ظرف ما يحتاجونه من أحكام، وعلى ذلك كان عمل الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ بعد إنقطاع الوحي بوفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) فعندما كانت تعرض عليهم مسألة كانوا يجتمعون للتشاور في حكمها في القرأن، والسنة، فإن لم يجدوا حكماً بشأنها إجتهدوا لأستنباطه على وفق ما علمهم النبي (صلى الله عليه وسلم) لذلك كان عصر الصحابة هو عصر بداية الإختلاف في بعض المسائل الفقهية غير أنه كان قليلاً.
وأشار الى أن أول مسألة عرضت عليهم بعد عصر النبوة هي مسألة الخلافة لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يستخلف عليهم منهم أحداً، فأدى إجتهادهم إلى تولية ابي بكر الصديق
ـ رضي الله عنه ـ وذلك إعمالاً للقياس حيث إن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان قد أمره عليهم في الصلاة فقاسوا عليها الخلافة، ثم مسألة الردة، ثم مسألة جمع القرأن الكريم، وغير ذلك من المسائل التي عرضت عليهم والتي توصلوا إلى حكمها بالإجتهاد سواء تحقق إجماعهم بشأنها، أو إختلفوا وبقيت المسألة خلافية تتعدد الأراء بشأنها وذلك على سبيل التوسعة والتيسير، وفي هذا يقول الأستاذ الدكتور محمد سلام مدكور:(ما كان إختلاف الفقهاء ضاراً ولا معيباً بل هو دليل النضج الفكري وخاصة أن الأحكام الفقهية طريقها الإجتهاد بالرأي، أو في تفسير النصوص والتعرف على مقاصدها والبحث في عللها: وملاحظة روح التشريع فيما لا نص فيه والناس متفاوتون في هذا تبعاً لإختلاف قدراتهم ومناهجهم ..) وقد بيّن العلماء مناهج الصحابة وتابعيهم ومن بعدهم من السلف في الإستنباط والإجتهاد مما لا يتسع المقام لذكره، وإستمرت أحكام الشريعة في التطور وإلإتساع بإتساع رقعة الدولة الإسلامية على أثر الفتوحات، ومواجهة أنواع جديدة من مظاهر الحياة وعلاقاتها مما لم يرد عنه نص في الكتاب والسنة مما يستدعي المعالجة بتشريع جديد فلجأ العلماء إلى إستنباط الأحكام الخاصة بها مسترشدين بما توحي به كلمة التشريع وبما تقتضيه المحافظه على المصالح العامة
وقال: ومع الظروف الجديدة أيضاً ظهرت المدارس الفقهية، ومناهج الإستنباط كمدرسة الحجاز، ومدرسة الرأي بالعراق، ولكن مدرسة الرأي كانت أكثر أهتماماً بالرأي وإعتماداً عليه وتوسعاً فيه نظراً لظروف العراق أنذاك حيث الثقافات والحضارات والمسائل والوقائع الكثيرة المتنوعة التي أجبرتهم على ذلك، وساعدهم على ذلك تأثرهم بشيوخهم من صحابة النبي (صلى الله عليه وسلم) الذين كانوا يستعملون الرأي مثل عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وعبدالله بن مسعود وغيرهما من الصحابة ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ ويفهم من كل ما سبق أن الإجتهاد ضرورة لا تستغني عنه الشريعة ولا الأمه وقد طبقة النبي (صلى الله عليه وسلم) وتبعه أصحابه من بعده ثم تابعيهم ومن بعدهم.لكن ماذا عن الإجتهاد وفقه المعاملات؟
وحول الإجتهاد وفقه المعاملات اوضح الباحث قائلاً: لا شك أن مجال المعاملات، هو قسم من أقسام الفقه الإسلامي ينظم العلاقات بين الأفراد فيما يتعلق بالروابط المالية والمدنية والتجارية التي تنشأ بينهم. وهو مجال خصب وميدان واسع فسيح للإجتهاد لما سبق أن ذكرنا أن النص الشرعي في مجال المعاملات لم يأْتِ مفصلاَ مبيناً لأحكام المسائل والفروع الجزئية، إنما جاء متضمناً الأسس والمبادئ التي تجب مراعاتها في التعامل كضرورة الرضا ووجوبه لتكوين العقود، ووجوب الوفاء بالعقود، وتحريم أكل أموال الناس بالباطل بأي صورة على نحو ما بينا في موضع سابق. ثم تركت التفاصيل والجزئيات للإجتهاد بحسب تغير الظروف والإزمنة وبما تقتضيه المصلحة، ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى قد وسع على الأمة في مجال المعاملات ببيان عللها وحكمها حتى يتمكن المجتهدون من القياس والتفريع عليها ليستنبطوا أحكام ما يستجد من المسائل والحوادث مهما تغير الزمن وأختلفت البيئات والأحوال.
وقال: وليتحقق للشريعة سر بقائها صالحة للتطبيق فلا إختلاف بين العلماء على أن الله تعالى وضع الشريعة على إعتبار مصالح العباد، غير أن هذه المصالح في أحكام العبادات غير واضحه أو معقولة المعنى فلا يستطيع العقل إدراك وجه المصلحة فيها وسر تشريعها فلا يعلم حقيقة ذلك إلا الله سبحانه وتعالى لذلك فهي أحكام تعبديه. أما المعاملات فالأصل أن المصلحة فيها معقولة المعنى أي أن العقل يستطيع إدراك كثيراً من عللها وحكمها ويدور الحكم مع العلة وجوداً أو عدماً وبالتالي يمكن القياس والتفريع بيها على أساس عللها ومعانيها ولذلك لم يعمد التشريع فيها إلى التفاصيل بل جاء بالأصول الكلية والقواعد العامة ليستطيع الفقهاء تطبيقها على سبيل الدوام ومع كل الأحوال، وهذا يعني أنه يجب على المجتهدين من الأمه أن يسعوا دائماً إلى البحث والإجتهاد في هذا المجال لإدراك الأحكام الشرعية للمسائل التي تستجد وليربطوا دائماً أحكام الشريعة بما يحدثه العالم المعاصر من ألوان جديدة ومختلفة من العقود والتصرفات التي أشرنا إليها سابقاً ولعله من الأفضل في هذا الشأن أن يسعوا إلى إصدار تقنيناتلهذه المسائل الجديدة تستند إلى الفقه الإسلامي، وتهدف إلى تحقيق المصالح ودفع المفاسد عن الأمة وهذا موضوع المبحث التالي، والمطلب الثاني: التقنين وهو آلية أخرى يمكن أن تسهم مع الإجتهاد ـ فردياً أو جماعياً ـ بل تعتمد عليه في تحقيق الرؤية الفقهيه الجديدة المنشودة في مجال المعاملات وهي التقنين، والمقصود بالتنقين بالمعنى العام هو: جمع أحكام المسائل في كل باب وصياغتها في عبارة سهله في مواد متتابعة بحيث يقتصر في حكم كل مسألة على رأي واحد من بين الأراء المتعددة الوارده في المسألة لكي يجري القضاء على هذا الرأي المختار في جميع المحاكم وبين سائر المتقاضين.
.. وللحديث بقية الاسبوع القادم.


تاريخ النشر: 9 فبراير,2018

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/243006

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014