Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

الخشوع في الصلاة (1)

الخشوع أمر عظيم شأنه، وقد أثنى الله تعالى على المتصفين به لأنه روح الصلاة

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري
قال الله تعالى:(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ) (المؤمنون 1 ـ 4)، وقال تعالى:(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) (الحديد ـ 16)، وقال عزوجل:(وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ) (البقرة ـ 45).
الخشوع هو قيام القلب بين يدي الرب بالخضوع والتذلل، وهو روح الصلاة ومادة حياتها، وهو ثمرة الإيمان وطمأنينة النفس والخشوع أمر عظيم شأنه، أثنى الله تعالى على المتصفين به، فقال تعالى:(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُون) (المؤمنون 1 ـ 2)، وهو سريع فقدُه لا سيما في هذا الزمان، وفي الحديث الذي يرويه حذيفة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:(أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، وربّ مصلّ لا خير فيه، ويوشك أن تدخلَ المسجد فلا ترى فيهم خاشعًا).
والخشوع في الصلاة هو روحها، ولا يحصل ذلك إلا لمن فرّغ قلبه له، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، واستحضر فيها عظمة الله تعالى، فصارت راحة له وقرّة عين. والصلاة التي لا خشوع فيها ولا حضور قلب قد تكون مجزئة مثابًا عليها، إلا أن الثواب على حسب ما يعقِل القلب منها، لما وَرَد عن عمار بن ياسر قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول:(إنّ الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها) ـ أخرجه الترمذي وحسنه الألباني في صحيح الجامع، قال ابن رجب الحنبلي: أصل الخشوع لين القلب ورقته وسكونه وخضوعه وانكساره، فإذا حصل له ذلك تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء لأنها تابعة له، وقال ابن كثير في تفسيره: الخشوع هو السكون والطمأنينة والتؤدَة والوقار والتواضع، والحامل عليه هو الخوف من الله ومراقبته.
والله سبحانه قد أثنى في كتابه الكريم وامتدح الخاشعين والخاشعات في أكثر من موطن، وجعله سببًا للفلاح في الدنيا والآخرة، قال سبحانه:(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (المؤمنون 1 ـ 2)، وقال سبحانه:(وَبَشِّرْ الْمُخْبِتِينَ) (الحج ـ 37)، والمخبتون ـ كما ذكر أهل التفسير ـ هم:(الخاشعون المتواضعون)، مأخوذ من الخبيت وهو المكان المنخفض من الأرض، وقال سبحانه:(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ) (البقرة ـ 45)، فالصلاة ثقيلة وطويلة إلا على من استثناهم الله سبحانه لذا تجد كثيراً من الناس يتضايق من الصلاة ويشتكي من تطويل الإمام، وربما اقتصر على صلاة ينقرها كنقر الغراب في بيته، هذا إذا لم يتركها بالكلية، وقال سبحانه بعد حديثه عن الأنبياء والمرسلين صفوة الخلق ـ عليهم الصلاة والسلام:(إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) (الأنبياء ـ 90)، وقال سبحانه مثنيًا على الذين أوتوا العلم:(وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) (الإسراء ـ 107)، وقال سبحانه:(وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) (البقرة ـ 1389، وأصل القنوت هو:(التذلل والخشوع).
ولو تأملنا في صلاة سيد الخاشعين (صلى الله عليه وسلم) نجد أنه كان يصلي بين يدي ربه خاشعاً مُخبِتاً، وكان (صلى الله عليه وسلم) ربما صلى فبكى، فيسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء .. وهكذا كان الصحابة والسلف الصالح من بعده، فقد روي عن عبدالله بن الزبير ـ رضي الله عنه ـ وعن أبيه أنه كان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من شدة خشوعه وسكونه، وكان ابن الزبير يصلي في الحجر، فيرمى بالحجارة من المنجنيق فما يلتفت، وها هو زين العابدين علي ابن الحسين إذا توضأ اصفّر وجهه، وإذا قام إلى الصلاة ارتعد. فإذا سئل عن ذلك، قال: تدرون بين يدي من أقوم ومن أناجي؟، وفي أحد الأيام وقع حريق في بيت فيه علي بن الحسين وهو ساجد فجعلوا يقولون: يا ابن رسول الله النار، فما رفع رأسه حتى أطفئت، فقيل له في ذلك فقال: ألهتني عنها النار الأخرى، وقالت بنت لجار منصور بن المعتمر: يا أبت أين الخشبة التي كانت في سطح منصور قائمة؟ قال: يا بنيته ذاك منصور يقوم الليل، وسُرِق رداء يعقوب بن إسحاق عن كتفه وهو في الصلاة ولم يشعر ورُدّ إليه فلم يشعر لشغله بعبادة ربه، وكان إبراهيم التيمي إذا سجد كأنه جذم حائط ينزل على ظهره العصافير، قال إسحاق بن إبراهيم كنت أسمع وقع دموع سعيد بن عبدالعزيز على الحصير في الصلاة، يقول سيد قطب ـ رحمه الله: ولقد بدأت صفات المؤمنين بالصلاة وختمت بالصلاة للدلالة على عظيم مكانتها في بناء الإيمان.
وبين هاتين الصفتين ذكر تبارك وتعالى إعراضهم عن اللغو وإيتاؤهم، (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) تستشعر قلوبهم رهبة في الصلاة بين يدي الله، فتسكن وتخشع، فيسري الخشوع منه إلى الجوارح والملامح والحركات، ويغشى أرواحها جلال الله في حضرته، فتختفي في أذهانهم جميع المشاغل، ولا تشتغل بسواه وهم مستغرقون في الشعور به مشغلون بنجواه، ويتوارى عن حسهم في تلك الحضرة القدسية كل ما حولهم وكل ما بهم، فلا يشهدون إلا الله، ولا يحسون إلا إياه، ولا يتذوقون إلا معناه، ويتطهر وجدانهم من كل دنس، وينفضون عنهم كل شائبة، فما يضمون جوانحهم على شئ من هذا مع جلال الله .. عندئذ تتصل الذرة التائهة بمصدرها، وتجد الروح الحائرة طريقها، ويعرف القلب الموحش مثواه، وعندئذ تتضاءل القيم والأشياء والأشخاص إلا ما يتصل منها بالله الزكاة، وحفظهم لفروجهم، وأداؤهم للأمانة، ووفاؤهم للعهد. فبتخلقهم بهذه الصفات نالوا عظيم الدرجات في جنات الخلد، نالوا الفردوس، وما أدراك ما الفردوس؟!.
إن للخشوع أسباباً كثيرة لا يتسع المقام لذكرها، فنذكر أهم هذه الأسباب: وأعظم الأسباب على الخشوع في الصلاة أن يستشعر قلب المصلي الوقوف بين يدي خالقه، وعظمة من يناجيه، فإنه متى ما استشعر ذلك خشع في صلاته، وأقبل عليها، وسكنت جوارحه فيها، واستحق المديح القرآني (قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ، ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَـٰشِعُونَ) (المؤمنون 1 ـ 2)، ومن الأمور المعينة على الخشوع إفراغ النفس من المشاغل عند الدخول في الصلاة، فحاول أيها المسلم أن لا تدخل إلى الصلاة وأنت مشغول البال مشتت الفكر، وعوِّد نفسك أن تؤجل التفكير في أمورك الدنيوية إلى ما بعد الصلاة، ولهذا جاء في حديث أنس أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:(إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء) ـ متفق عليه، ومن الأمور المعينة على الخشوع النظر إلى مكان السجود؛ لأنك بذلك تقيد عينيك عن الحركة والانشغال بما حولك، وكذلك من الأمور الأخرى المعينة على الخشوع أن يتدبر المصلي ما يقوله من القرآن أو الأذكار أو ما يسمعه من الإمام.


تاريخ النشر: 9 فبراير,2018

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/243008

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014