الجمعة 17 أغسطس 2018 م - ٦ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الجملة القرآنية

الجملة القرآنية

إعداد/علي بن عوض الشيباني:
أيها القراء الأعزاء: يقول الله عزوجل في كتابه الكريم:(إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون), هذه الآية الكريمة جاءت تتحدث عن شأن خطير من شؤون هذه الأمة,بل هو أعظم شؤونها,ذلكم الشأن هو تكفل الله تبارك وتعالى بحفظ كتابه الكريم, فلم يكله الى الناس ليحفظوه, كما وكل الكتب السابقة, وفي هذا اقامة الحجة على الأمة, فالأمم إن بدلت وغيرت فذلك لتبدل كتبها, ولكن القرآن باق لا يتغير, فأي عذر للأمة ان هجرته وتركته واستبدلت به غيره.
الآية الأخيرة ــ إذن ــ لم تأت حديثا عن انزال القرآن فحسب, كالآيات السابقة, وانما جاءت تحمل في ثناياها قضية من أخطر بل هي أخطر قضايا الأمة.
يحدثنا القرآن الكريم عن نبينا ابراهيم عليه السلام, وهو يدعوا قومه:(قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي الا رب العالمين، الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين، والذي يميتني ثم يحيين، والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين).
إننا ونحن نتدبر هذه الآيات الكريمة نلحظ أمرا لا بد أن نقف معه هذا الأمر يظهر في وجود ضمير الفصل مقترنا ببعض الأفعال دون بعضها الآخر, فقد جاء هذا الضمير مقترنا بالأمور التالية: الهداية ,الإطعام, والإسقاء, والشفاء,أما الخلق , والإماتة, والمغفرة, فجاءت خالية عن هذا الضمير ولم يكن ذلك ناشئا عن التفنن في العبارة, أو الاكتفاء بذكره في بعض المواضع دون بعضها الآخر, وانما جاء ذلك لغرض وهدف ذلك أن قضية الخلق والاماتة والاحياء والمغفرة لا ينازع فيها أحد, فلا يستطيعون أن يدعوها لأصنامهم التي يعبدونها ويعكفون عليها, (قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين), فلم تكن هذه القضايا بحاجة الى التأكيد بهذا الضمير.
أما الأمور الأخرى وهي الهداية والشفاء والاطعام والسقيا , فهي مما يدعون أن لغير الله فيها شأنا وغيرهم يطلبون منها الهداية والتوفيق والشفاء من أمراضهم واذهاب الفقر عنهم, ولذلك وجدناها مقترنة بضمير الفصل, لأنها بحاجة الى التأكيد الذي يزيل شبهات النفس ويجعل هذه الأمور جميعا من شأن الله تبارك وتعالى وحده.
يقول الله تبارك وتعالى:(وأن الى ربك المنتهى، وأنه هوأضحك وأبكى، وأنه هو أمات وأحيا، وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى، من نطفة اذا تمنى، وأن عليه النشأة الأخرى، وأنه هو أغنى وأقنى، وأنه هو رب الشعرى، وأنه أهلك عادا الأولى، وثمود فما أبقى).
إذا أمعنت النظر في الآيات الكريمة وجدت أن الخلق والاهلاك جاءا خاليين من ضمير الفصل وما ذلك الا لأن أولئك لا ينازعون في قضية الخلق (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله), كما أنهم لا ينازعون في قضية الاهلاك فهي من الامور المستقرة في أذهانهم والتي يتناقلها أجيالهم بعضها عن بعض أما الامور التي جاءت مقترنة بهذا الضمير فلم تكن كذلك أما الاضحاك والابكاء فأمرهما ظاهر, وكذلك الاماتة والاحياء ذلك أنهم كانوا يقولون ما بينه الله في كتابه:(ما هي الا حياتنا الدنيا وما يهلكنا الا الدهر).
ولعلك تتساءل أخي الكريم كما تساءل من قبلك ما الفرق بين هذه الآية وبين قول ابراهيم عليه السلام والذي يميتني ثم يحيين , حيث اقترنت هذه بضمير الفصل, ولم تقترن الأولى؟ وهو تساؤل في محله, والجواب عن ذلك ــ والله أعلم ــ أن ذاك رد على لسان ابراهيم ـ عليه السلام ـ وابراهيم عاين احياء الموتى في قوله تعالى: (قال فخذ أربعة من الطير فصرهن اليك), فأمر الاحياء والاماتة عنده عليه السلام بدهي مشاهد, أما الآية التي معنا فلقد جاءت بادي بدء تقريرا لأولئك القوم, فكانت بحاجة الى هذا التأكيد , كذلك قوله:(وأنه هو رب الشعرى), والشعرى كوكب كانوا يعبدونه في الجاهلية, فهم بحاجة الى أن يبين لهم أن هذا المعبود انما هو مربوب ومخلوق لله تبارك وتعالى.

* إمام وخطيب جامع السلطان قابوس الأكبر

إلى الأعلى