Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

حروف المعاني هي تلك الحروف التي لها دلالاتٌ واضحة بمجرد النطق بها

د.جمال عبد العزيز أحمد:

حروف اللغة العربية قسمان: حروف مَبَانٍ، وحروف مَعَانٍ، وحروف المباني هي تلك الحروف التي يُبْنَى منها اللفظ ليأخذ دلالته، ويتشكل منها معناه، فكلمة مثل كلمة )رجل(، فيها ثلاثة أحرف مبانٍ، هي الراء، والجيم، واللام، لكنَّ كل حرف منها لا يدل على معنى جزئيٍّ فيها، يتآزر مع ما قبله وما بعده ليشكل المعنى الكليَّ للكلمة، فكل حرف لا معنى له، ولا يفيد جزءًا من معناه الإجمالي الكلي، لكنها مجتمعةً تبين دلالة (رجل)، من كونه قويَّ البنية، معتدلَ القامة، أجشَّ الصوت، مهيبَ الطلعة، له فكْر، وله عقل مستنير، وكلمة مثل كلمة (نخلة) أو (شجرة) تتكون كلٌّ منهما من خمسة أحرف مبانٍ تشكِّل في مجموعها ذلك الشكل المألوف لنا، حيث نراه طويلا ضاربًا في طبقات الجو، وله ساق طويلة، أو قصيرة، ويتفرع عنها أغصانٌ تمتلئ في فصل مَّا بالخيرات، والنعم، من فاكهة، ونحوها، فهذه هي حروف المباني، وكلمات اللغة وألفاظها حتى ما كان منها من حروف المعاني تتشكل أيضاً في الأصل من حروف مبانٍ، وأما حروف المعاني فهي تلك الحروف التي لها دلالاتٌ واضحة، بمجرد النطق بها، مثل الحرف (على) الذي يفيد الاستعلاء، و)في( التي يفيد الظرفية، ولفظة )عن( التي تعني المجاوزة، وكلمة )من( التي تفيد التبعيض، أو كلمة )لن( التي تفيد النفى المطلق، أو مطلق النفي، وتأبيده، أو تأكيد النفي (حسب آراء النحاة واللغويين)، وكلمة (لم) التي تفيد الجزم والقلب والنفى، ومثل (إنَّ) التي تفيد التوكيد، و)لكنَّ( التي تفيد الاستدراك، و(لام التعليل) التي تفيد علة حدوث الشيء وأَجْلِيَّتَهُ ، وهكذا تنقسم الحروف ـ كما رأينا ـ إلى مبانٍ، ومعانٍ، وإذا انطلقنا من هذا المفهوم لنستجلي دلالاتِ حروف المعاني ودورها في ترسيخ وتقوية المعنى القرآني في سورة الضحى وجدنا غناء لا حد له، وسَعة في الدلالة لا وصف لها، فالله تعالى قد بدأ السورة الكريمة بحرف المعنى (الواو) الذي يفيد القسم، والقسم يحمل عظمةَ المقسَم به، وخطورة ما هو عليه من قيمة ودلالة، وإعجاز، وفائدة، فهو خلق من خلق الله الذي لا يمكن أن يحدث إلا بأمره، ولا يكون إلا بإذنه، فلو تصورنا عدمَ طلوع الضحى يوما مَّا فماذا يكون شكل هذا الكون؟!، وإذا لم يأذن الله له بالسفور له، فكيف تكون حياتُنا؟!، فالضحى له مكانةٌ، ومنزلة؛ ومن ثم أقسم الله تعالى به، وبغيره من الظواهر الكونية، مثل الليل، فنراه في السورة الكريمة قد أقسم الله مرة بالنهار وضيائه، وظهور ضحاه ، ثم عاد فاستعمل حروف العطف الذي يجمع ما بعده مع ما قبله في الحكم والدلالة، فأقسم بالليل، فالليلُ مقسَمٌ به، وذلك عند اشتداد ظلمته، وَادْلِهْمَامِهِ، فهو ليل أليل، قد غطَّى الكونَ كلَّه، وافترشت سحابتُه السماء كلها، فأظلم على كل مَنْ فيه وذلك رحمة بهم ليستريحوا من عناء التعب والسعي طوال النهار، فهو مقسَم به لأهميته للخلق، وفاعل الفعل (سجى) يعود على الليل، فكأنه قد أتقن مهمتَه، وأدرك وظيفتَه، فهو يدلهم، ويأتي بنفسه؛ ليغطي صفحة الكون؛ لمعرفته بهدفه، وإدراكه رسالته، فقد أقسم الله بهاتين الظاهرتين اللتين تدلان على عظمة الخالق، فمن يملك الشيء وضده إلا الله؟!، حيث يأتي بضُحًى كنايةً عن النهار والمعاش والارتزاق، ثم يعقبه بليلٍ كناية عن الراحة والاستقرار، فالذي يملك هذين هو الذي يرعى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فلم يودعْه ولم يَقْلِهِ، حيث تأتي (ما) النافية، وأختها (ما) النافية تتكرران، لتؤكدا معًا مدى رفعة قدر النبي محمدٍ (صلى الله عليه وسلم) عند ربه، فتكرار (ما) في كلِّ فعل يدل على قوة ومكانة وعلوِّ منزلة الرسول الكريم، والناظر يرى أن الفعل (وَدَّعَ) قد وردت معه كاف الخطاب التي تعود على رسوله الكريم، ولكن مع الفعل (قلى) لم تأتِتلك الكاف لأنه فعل كُرْهٍ وقَلْيٍ، والتوديع فعل حنان وحنوٍّ، ورقة وحدب وتحنان، وهو يظهر مكانة الرسول عند ربه، حيث لم يشأ أن يضع ضمير حبيبه إلا في أفعال الود والرعاية والْحُنُوِّ والعناية، ويحذفها مع أفعال الكره والقلاية، أي: ما تركك ربك، ولا أهملك، بلً ربَّاك ورعاك، ولم يزل معك، يربِّيك، ويرعاك، ويحرسك، ويُعليك درجةً بعد درجة، ومنزلة إثر منزلة، وقدر بعد قدر.
ونفي الضد ـ كما يقول أهل الأصول ـ دليل على ثبوت ضده، والنفي المحض لا يكون مدحاً إلا إذا تضمنه ثبوتُ كمال، فهذه هي حال الرسول الكريم الماضية، والحاضرة، هي أكمل حال، وأتمها، وكلها داخل في إطار المحبة له من الله تعالى، واستمرارها، وارتقائه في درجات الكمال، ودليل الاعتناء به، وأما حاله المستقبلية فقد نهض لها ما بعدها من الآيات:(وللآخرة خيرٌ لك من الأولى) والواو واوُ الابتداء، أو واو عطف الجمل، وتأتي لام الابتداء لترسِّخ في قلبه تلك الدلالة، وهذا المعنى النبيل: أن الآخرة هي أخير لك من الأولى، وأفضل وأولى من الدنيا الدانية الفانية، الدنيئة، الرديئة، ففضلُ الآخرة واضحٌ على فضل الأولى، فهو واصلٌ ـ بلا شك ـ إلى حالة لم يصل إليها السابقون، ولا اللاحقون، من تلك العطايا، والفضائل والنعم، وقرة العين، وسرور القلب، وانشراح الصدر، وسعة العطاء؛ ولذلك قال بعدها:(ولسوف يعطيك ربك فترضى)، الواو للقسم، واللام واقعة في جواب القسم، والمقسم به محذوف للعلم به، أي: وعزتي وجلالي لسوف أعطيك عطاء لا يتصور عقل، ولا يدخل تحت فكر، ولا يصفه وصفٌ، فيرضيك، ويسعدك، وهذه اللام تفيد ترسيخ المعنى، و(سوف) حرف معنى للمستقبل البعيد، أي: هو حاصل، ولكنْ في الآخرة، والفعل المضارع (يعطيك) الذي يفيد الاستمرار، وخصه بالذكر، فذكره وحده بكاف الخطاب (يعطيك)، ثم جاء الفاعل الذي يُبْكِى العينَ من الفرحة:(يعطيك ربك)، ولم يقل:(يعطيك إلهك)، فهذا وقت التربية، وأوان الرعاية، وزمن الحنان والعناية، وحال الحدب والإشفاق، وتأتي الفاء لتُفيد الترتيب، والتعقيب فرضاه حاصل، وحاصل بسرعة، بمجرد العطاء، وقبل العطاء، وهو تعبير لا يوجد له مثيل؛ حيث ترك نوع وماهية ولون العطاء، فقال:(يعطيك)، وترك المفعول الثاني لتذهب النفس في تصوره كلَّ مذهب، وتتخيل معه كلَّ متخيَّل، فهي عبارة جامعة، مانعة، شاملة، كاملة، لا يسد غيرُها مسدَّها، ولا ينهض لها كتبٌ تبيِّن ماهية العطاء، وطبيعته؛ حيث يتسم بأنه عطاء إلهيٌّ، لا يتصوره مخلوق، ولا يدخل تحت خيال بشر، ولا يدركه عقل إنسان، ولا يحيطه متأمِّل.

* جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم ـ جمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com


تاريخ النشر: 9 فبراير,2018

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/243010

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014