الأربعاء 22 أغسطس 2018 م - ١١ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / ثنائية الكواليس والمتاح!

ثنائية الكواليس والمتاح!

عادل سعد

أوروبيا لم ينجُ الموقف هناك من التباين على وفق مكاشفة أدلى بها الرئيس الفرنسي ماكرون خلال زيارته الأخيرة إلى تونس باعترافه أمام البرلمان هناك أن أوروبا ارتكبت خطأ جسيما عندما شاركت في إسقاط أنظمة عربية بدون أن تقدم البديل اللازم لها، وإذا كان ماكرون لم يشر إلى عينة فيكفي مراجعة ما جرى ويجري في ليبيا، والقائمة ليست قصيرة.

يتطلب الخوض في معايير السلوك التوقف عند حالة الانسجام بين الرؤية الداخلية للإنسان، والمواءمة إزاء قضايا وأشخاص ومواقف؛ لأن أي تباين بين هذين التوجهين, لا بد أن ينعكس على الواقع بالكثير من الاختلاطات والتشويه وضياع المفاضلات الصحيحة, وإذا كان هناك من يدافع عن التكيف بين المواقف المعلنة والمواقف المضمرة بذريعة حماية أمنه الشخصي فإنه بذلك كمن يبيع نفسه للشيطان، وهو في هذه الحالة (بوجهين) على غرار التوصيف الشعبي العراقي الظالم والشائع بشأن الذين يرعون أكثر من زوجة واحدة باتهام نقص الجرأة أو الميل للتسويات، والتمويه ومحاولة الابتعاد عن الإصابة بالصداع العائلي المنتشر عراقيا وفي بلدان أخرى.
والحال أن الأوضاع السياسية القائمة على المحاصصة وليس التكامل تكون بيئة حاضنة أصلا لمثل هذه الحالات على غرار ما اشتعلت به مواقع التواصل الاجتماعي قبل أيام بعد تسريب عبر الإنترنت لشهادة أدلى بها وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل في جلسة للتداول المحدود وصف بها رئيس برلمان بلاده نبيه بري بالبلطجي, ولا أظن أن الساحة اللبنانية ستكون بدون ذاكرة هذا التوصيف مع كل البطولة (الأخلاقية) في تجاوز ذلك.
إن لدينا في العراق عينات لا تحصى من هذه الازدواجية وقد أشرت إليها في بحث تحت عنوان (عيوب المصالحة الوطنية) وفق أدلة واقعية تفيد بعدم وجود سياسي عراقي واحد إلا وتكون له حصة معينة من هذه المعايير المزدوجة المحكومة ضمن نظرتين متناقضتين بشكل مباشر أو في إطار أغطية ثقيلة.. وهكذا تحولت الآراء والتشخيصات إلى زحام من التناقضات والبناء على الظاهر فقط, وتحضرني هنا شخصية عراقية عامة ما زلت على معرفة بها، فهو يبني قناعته بالولاء له عندما يحل ضيفا في ديوان عشيرة ما ويكون محط تقدير كبير في موائد الطعام التي تمتد تكريما له، وكان ينقل لي بين الحين والآخر مشاهد مصورة لتك الموائد، معتقدا بأهميته على أساس حجم الطعام الذي يقدم له, وبالنتيجة أنه لم يحصل إلا على أقل الأصوات خلال الانتخابات الماضية معلنا خسارته بأنكسار واضح، ومعترفا لي أن تقديراته كانت خاطئة.. والشيء بالشيء يذكر أن المعايير المزدوجة تنشط هذه الأيام عراقيا مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي بشأن مجلس النواب، فقد بدأت وسائل الإعلام العراقية المختلفة تزدحم بالكثير من تصريحات سياسيين يحاولون إعلان مشاغلهم بحقوق المواطنين العراقين, يطلقون الوعود والدعوات وكأن ولايتهم على حقوق العراقيين لا يشق لها غبار، في محاولات لإلقاء اللوم على الحكومة في كل ما يصيب الإنسان العراقي، في حين تكالبوا بسرية تامة لتمرير قوانين ولولائح تضمن امتيازات لهم لا شبيه لها في بلدان أخرى.
أما في الحالة السورية فلك أن تجد ضمن صفوف بعض المعارضة أدعياء سلام لإنهاء أزمة بلادهم، في الوقت الذي لا يتورعون من فتح المزيد من العلاقات مع دوائر إقليمية ودولية لتوسيع فرص القتل والتدمير وإطالة زمن المحنة.
إن لهذه المتلازمة المرضية عينات في العديد من الدول، ولنا في شخصية الرئيس الأميركي ترامب ما يشير إلى ذلك، وفق ما جاء في كتاب (الغضب والنار) لمؤلفه مايكل وولف الذي كشف وقائع عن نقص المصداقية داخل البيت الأبيض الأميركي ضمن مواقف متناقضة ينسف بعضها بعضا؛ ففي الوقت الذي يصر فيه ترامب على اعتماد سياسة حمائية لا يتورع عن التكييف المجحف لمنطق العدالة، متجاهلا أن العدالة يجب أن تقود إلى الإنصاف. وأوروبيا لم ينجُ الموقف هناك من التباين على وفق مكاشفة أدلى بها الرئيس الفرنسي ماكرون خلال زيارته الأخيرة إلى تونس باعترافه أمام البرلمان هناك أن أوروبا ارتكبت خطأ جسيما عندما شاركت في إسقاط أنظمة عربية بدون أن تقدم البديل اللازم لها، وإذا كان ماكرون لم يشر إلى عينة فيكفي مراجعة ما جرى ويجري في ليبيا، والقائمة ليست قصيرة.
لقد بات هذا التباين وباء سياسيا بامتياز في العالم, بل إنه امتد إلى بعض عناوين التنمية من خلال مساعدات الدعم الذي تقدمه بعض الدول الغنية، في حين أن ما تحتاجه تلك البلدان ليست الإغاثة، وإنما إنصاف حقوقها في الشراكة التنموية الحقيقية، وهو ما يحررها من الشعور بالمظلومية والتعاسة, لذلك لا فكاك للعالم منها إلا بإعادة رسم حدود التجانس، بل والتطابق بين ما نعلنه وما نضمره في دواخلنا.

إلى الأعلى