الأحد 25 فبراير 2018 م - ٩ جمادي الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / من هم “أهل الرايات البيض”؟

من هم “أهل الرايات البيض”؟

أ.د. محمد الدعمي

إن ما يستحق الملاحظة في هذا السياق إنما هو بروز هذه الشبكة الجديدة في المناطق المحاذية لأغنى غنى حقول النفط العراقية، الأمر الذي قد يلقي الضوء على طبيعة أهداف الشبكة، باعتبار أعمالها التخريبية التي دائما ما تحتفظ بعين ماثلة على أهم مصادر ثروات العراق، باعتبار أن من يمسك بمصادر الثروة المعدنية في العراق، إنما يمسك بمفاتيح حكم العراق وإدارة سياساته..

تنتشي الحركات الراديكالية الإرهابية ويتضاعف عددها في أجواء اللايقين والانقسامات والحروب الداخلية، بدليل ما طفا على السطح منها خلال السنوات الماضية بعد الغزو الأميركي للعراق (2003)، الأمر الذي يلقي الضوء على ما برز عبر وسائل الإعلام من ميليشيات وشبكات إرهابية تخريبية خارجة على القانون وشواخص وشخصيات لم تتوانَ عن الادعاء بما ليس فيها من مواهب وملكات، أو بما ترنو إليه من أهداف على نحو واضح.
هذا، بالضبط، هو ما دفع المواطنين إلى الوقوع في براثن أشكال الحيرة ودهاليز الضياع ومطبات عدم التيقن، فيما يتكاثر الأدعياء والكذابون بتكاثر الفطر على سطح ملوث رطب، بلا حدود.
وللمرء أن يزعم، بلا أدنى شك، أن ما تناهى إلى مسامعنا قبل بضعة أيام عن ظهور جماعة أو شبكة إرهابية تحت عنوان مغر، وهو “أهل الرايات البيض” عبر البراري الشاسعة المحيطة بمدينة كركوك (المركز الرئيس لحقول النفط العراقية) إنما يقع في هذا الصنف من الشبكات. والحق، فإن أول ما تبادر إلى ذهني حال سماعي باسم هذه الشبكة أو الجماعة شكل “الرايات السود” التي اعتاد أعضاء شبكة “القاعدة”، ثم “الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام” رفعها للتعريف بنفسها وبشعارها الأصل، الذي يدعي الإسلام زورا وبهتانا. وقد لاحظت عددا من خطوط التوازي والدلالة بين أنماط سلوك هذه الشبكة وطبيعة خطابها، من ناحية، وبين الشبكات الإرهابية المعروفة سابقا كالقاعدة و”الدولة الإسلامية”.
إلا أن المثير في أمر الشبكة الإرهابية الجديدة أعلاه، أي شبكة “أهل الرايات البيض” إنما يتمحور حول ما تحاول قيادتها إشاعته من غموض عن هويتها حقيقة أهدافها. ودليل ذلك يتجسد في تخبط الآراء وتصادمها أحيانا حول هذه الشبكة: بنيتها وأهدافها وطرائق عملها التخريبية. ومن بين الأهم من هذه الفرضيات، ظهرت فرضية تزعم بأن الفالتين من قبضة الجيش العراقي من الهاربين من أعضاء ما يسمى بالدولة الإسلامية وما يسمى بـ”داعش” قد انتشروا في أصقاع مفتوحة شاسعة ما بين مدينة الموصل شمال العراق، ومدينة كركوك النفطية شمال بغداد. يستند الافتراض أعلاه إلى أن هزيمة هذه الشبكات الإرهابية في الموصل قادت إلى أن الهاربين بجلدهم من أعضائها قد تجحفلوا من جديد بالقرب من كركوك، سوية مع عناصر متمردة من “البيشمرجة” الكردية على سبيل تشكيل وتجهيز قوة جديدة مضادة للحكومة المركزية ببغداد، ومضادة (في ذات الوقت) لحكومة إقليم كردستان في أربيل، كناية عن رفضها لكلتا الحكومتين ولسياساتهما.
إن ما يستحق الملاحظة في هذا السياق إنما هو بروز هذه الشبكة الجديدة في المناطق المحاذية لأغنى غنى حقول النفط العراقية، الأمر الذي قد يلقي الضوء على طبيعة أهداف الشبكة، باعتبار أعمالها التخريبية التي دائما ما تحتفظ بعين ماثلة على أهم مصادر ثروات العراق، باعتبار أن من يمسك بمصادر الثروة المعدنية في العراق، إنما يمسك بمفاتيح حكم العراق وإدارة سياساته، خاصة عبر خليط من العناصر العراقية الكردية والعربية (الإسلامية عنوانا فقط).
وإذا كانت تخمينات الخبراء حول أعداد أفراد “أهل الرايات البيض” (سوّد الله وجوههم وراياتهم) غير كافية لتقض مضاجع السلطات في بغداد وأربيل على نحو حاد، فإن غاية ما يخشاه المرء هو إمكانيا ضم الشبكة لعناصر شابة بأعداد كبيرة، خاصة إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار حال اليأس والبؤس الذي تعاني منه قطاعات كبيرة من هذه الشبيبة بسبب سوء الظروف المعاشية وضعف التشغيل وانتشار البطالة، إذ تكون هذه الحال المعقدة من أسباب بحث الشبان الضائعين عن مصادر تمويل وخبز بأي ثمن كان!

إلى الأعلى