الأحد 21 أكتوبر 2018 م - ١٢ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة في المجموعة القصّصية “خرفجت” لإشراق النهدية

قراءة في المجموعة القصّصية “خرفجت” لإشراق النهدية

فتنة الحكي وفيض الإبداع
من جديد يصلني وبكل محبّة وتقدير (اللّحظة الجمالية) صوت متميّز من أصوات عمان .. الكاتبة إشراق النهدية في مجموعتها القصّصية الجديدة ” خرفجت بتاريخ نشر 2017 ” وقد سبقتها مجموعتان قصصيتان تشرفت بقراءتهما وهما: الأحمر وروزيشيا.
وبالفعل ثمة الجديد في هذه المجموعة. لقد حاولت الكاتبة طرق أبواب التجريب بكل ثقة وفرح؛ لأنها على وعي بمتطلبات الكتابة القصصية، وما تشترطه من حسن اطلاع وثقافة (موسوعية) لذلك كتبت بعض القصص بطريقة جديدة منها استعمال المتتالية بكل شروطها الفنية للخروج بنص قصصي مغاير. لم تكتفي بذلك إذ كتبت قصة عنوانها: كاريكاتور- تتحدّث عن الضحك الأسود (الكوميديا السوداء) لإظهار البؤس المشوب بالمثالية والكمال. جاء في الغلاف الثاني للمجموعة؛ كلمة للشاعرالروائي: نصر سامي يقول فيها: “خرفجت في لهجة أهل ظفّار الجبالية أو الشحرية هي تلك اللعبة المعروفة في العالم العربي كلّه باسم الحجرات الخمس، وهي هنا كناية عن الكتابة. فالكتابة هي لعبة الإنسان الأخطر منذ وجد على سطح الأرض. والكاتبة في هذا الكتاب تتقدم أشواطا في نسج نص قصّصي منفتح على منجزات السرد في جوانبه التقنية، مع الانتباه إلى الخصوصية المحلية. وهي تحاول أن تنصت إلى إيقاع مجتمعها. باحثة عن المغايرة مع سابق نصوصها. من أجل إثراء مسارها القصصي الخاص”.
وصاحبة هذا الكتاب تلعب لعبة خطرة. وتجرّب، وتبحث، وتحاول أن تظهر في نصوصها فتنة الحكي، ولذة الشكل الفني. وأغلب قصص الكتاب تشبه تلك الشجرة التي تنبت وتترعرع وتضرب بعروقها عميقا في النفس.
ثمة رغبة في التأسيس، ورغبة قوية في التميّز. محاولة الارتفاع بمكانة الإنسان إلى موقعه الحقيقي. هذا الانفعال بدا واضحا مترجما في نغمة المحبّة لدى كاتبتنا إشراق النهدي دون إسراف ولا تزييف. أن تحترم الآخر وتناضل من أجله لتعمّ الفائدة. هذا اختيار كاتبتنا. البناء الإنساني عموما. بناء ما تهدّم دون نكران الماضي ( الإرث العماني).
المجموعة تحتوي ثلاثة عشرة قصة وهي: الفاتنة كاريكاتور فارك البحث المحيط – وهي عبارة عن متتاليات سردية- كل متتالية تحمل قصة عددهم تسعة متتاليات أحداثها تدور في البحر.البحر في رمزيته وكمضمون وكشرط واجب في مثل هذه النوعية من الكتابة القصصية) خرفجت الغواية وهم الذاكرة القُبلة تردّد حلم متشرّد ما حدث في المصعد/ ألم قريب.
تفاعلنا مع قصص المجموعة كان تفاعلا كبيرا. تعاطفنا مع بعض الشخصيات. غضبنا من شخصيات أخرى ذات نغمة مأساوية. أحببنا الأمكنة حتى المتخيّل منها. كل ما نرغب فيه هو محاولة تقديم رؤيتنا الخاصة نحو هذه المجموعة القصصية وتقريبها من القارئ.
لطالما حاول المبدع (عبر برنامجه الإبداعي) أن يترجم واقعه “جماليا” معتمدا على حركية محيطه داخل “الواقع والحلم والرمز” فيكون اشتغاله على تنوع الخطاب اشتغالا راقيا يساهم في صدق رسالته. هذا ما توفّر وأكثر حسب تقديرنا في هذه المجموعة القصصية الثالثة للكاتبة: إشراق النهدي وهي بعنوان “خرفجت”.
لم تكتب إشراق ذاتها (الأنا) بل اختارت أن تكون صوتا معاصرا، حداثيا يترجم أصواتا عمانية تنتصر لأصالتها، ولبلدها عمان. أنها مسألة وجود، وأعتقد أن هذا الاختيار هو القادح الأوّل لهذه القصص، أي “العالم يبدأ من قريتي”.
لقد كانت صادقة مع ذاتها، وعبّرت قصصيا عن خصوصيات بلدها وكانت مسؤولة. حيث احتفت بالمكان والزمان والشخصيات وما شكّلته من فضاءات مغرية بعيدا عن الثرثرة والسفسطة.
كان معجمها عمانيا خالصا في أدق تفاصيله. لعبت لعبة التخييل بنجاح، حتى أن القارئ سيجد شخصيات ربما يعرفها، ونعتبر هذا التوجّه صحيحا في غايته أي محاولة في التجريب.
القصة الأولى في المجموعة عنوانها ” الفاتنة – ص 11″ وجاءت بلسان أحد شخصيات النّص وهو طفل صغير نجا من الموت المحتم. وكان يلعب مع أقرانه من الأولاد ليلا تحت عمود الكهرباء.
استراب الأطفال في أمر يحدث داخل فيلا المرأة ” الفاتنة ” جارتهم . فذهبوا ليستطلعوا الأمر. لقد اكتشفت المرأة الفاتنة أن زوجها يخونها مع عشيقته في منزلها. فقتلته بمسدس. العشيقة هربت بسيارتها. بينما خرجت المرأة الفاتنة وجدت الأولاد قرب منزلها قتلت بعضهم والبعض وقع مجروحا بما فيهم راوي هذه القصة. كانت المرأة الفاتنة تطلق النار وهي تردّد: “ستكبرون وتخونون، فالأحسن أن أريح العالم منكم”. في القصة تصورات للعقد التي تولد مبكرة قبل نضجها. وهي تسقط الحاضر على المستقبل، وذلك يشكل بُعد نظر ورؤية قد تنجح في جذب القارئ لما ينبغي الكتابة عنه.

الجميل أن الكاتبة حاولت أن تجمع في هذا النص في مجمله بين نوعين على الأقل. الكتابة للطفل وبلسانه. وهذا أمر يتطلّب الكثير من الانتباه.
ثانيا: أن الشخصية الراوية هي مشاركة في الأحداث. بمعنى تحكّم الكاتبة في انفعالاتها وأرائها الواعية ولم تسقطها على النص. كما أنها لم تسقط في الخطيّة الفجّة لتسهيل القراءة على الطفل وهذا يعتبر محاولة في التجريب شكلا ومضمونا.
على مستوى الشكل وبدءا بالعنوان، ثمّ تقنية الإجمال؛ ظهرت لنا ملامح الفتنة داخل النص. فالمرأة في تناسق لباسها وهيئتها الخارجية وصمتها: الأناقة، جميلة الجسد، وهي امرأة اجتماعية ومعاصرة وكانت مستقيمة في سلوكها.
فتنة الحكي كان بصوت طفل تغلب عليه البراءة والعفوية، وخاصة أن الأحداث دارت في الليل، فرمزية الليل ( وجعلنا الليل لباسا ) تنوع الإيقاع – هدوء وتوتر. جاءت اللّغة سليمة ومطعّمة بشعرية جميلة (وجمالية الحوار باللهجة المحلية). هذا دون أن ننسى قدرات الكاتبة في التخييل وهو من أساسات العمل الإبداعي.
وبين تلافيف هذه القصة نكتشف أنه بامكاننا استنباط قصة أخرى من خلال سؤال من جملة الأسئلة التي يطرحها النصّ مترجما من موقف االمرأة الفاتنة التي أصبحت مجرمة في ظرف زمني قصير. والسؤال هو ” ما معنى أن تكون حرّا؟ ” أعتقد أنه السؤال الرئيسي في النص ولمحاولة الإجابة عن هذا السؤال. سأعتمد على مقطع من مقال بعنوان ” المسرح والحرّية ” لأستاذنا الجليل التونسي يوسف البحري. نشر بمجلة ” عيون ” العراقية، بتاريخ فيفري 2014 يقول:
الحرّية ليس في أن تفعل ما يحلو لكَ، فذلك وهم وانزلاق. كأن يصبح منع مجرم من القتل بمثابة اعتداء على حرّيته. سبينوزا يبيّن أنّ الحرية لا تعني أن تتحرّك دون حاجز أو إكراه. بل تعني أن تكون سيّد نفسك؛ أي لكَ فكر حرّ. لا تفعل ما يحلو لك لكنك تفعل ما تختار أن تفعله. حرّ ولست فريسة لانفعالاتك ونزعاتك ومصالحك الفورية… الخ
من داخل النص يمكن أن نسأل كذلك: هل الخيانة هي انتصار الرّجل على المرأة أم العكس؟ رغم أننا لا نبرّر مثل هذه الأسئلة التي تشرّع للخيانة. الخيانة عملية تدميرية للمجتمع ولا مبرّر لها.
قصة ” خرفجت ص 59 “هذه القصة ك ( كائنا ثقافيا ) تستمد تواصلها من الموروث العماني. نص يحكي عن لعبة عمانية شعبية هي لعبة ” خرفجت” نسميها في تونس. خمسة حجرات أو الخموسة.

لقد جرّدت هذه اللعبة من عفويتها و( أسقطت عليها ) بعض المفاهيم التراثية المغلوطة وأصبحت لعبة ” نحسة ملعونة ” كل من يلعبها يصيبه عَوَرٌ.
خرفجت أو ” الخموسة ” هل هي دعوة لكي نحذر الاقتراب من لغة الأرقام؟ وهي لغة لا تتفق ومعاني الأخلاق بتاتا. هل من يلعب خرفجت رفع شعار الممنوع مرغوب؟ أم رقم خمسة له دلالة غامضة. أسئلة عديدة مضمرة في النص؟ وقد عمدت الكاتبة عند الإهداء والتوقيع بخط عبارة: ” خرفجت…إعادة تشكيل الأفكار وبعض الأفكار وهم” وهي دعوة صريحة من الكاتبة بقابلية تغيير الأفكار والمعتقدات.
هناك تقنية سردية تستعمل في الرواية تسمى ( الرواية الواصفة ) حيث يعقد السارد علاقة مباشرة مع القارئ. هكذا جاء هذا النص من بدايته. لنرى ص61 “هذه القصة سأسردها عليكم أيّها القرّاء الأعزاء، وإنما هي حكاية قديمة سمعتها في الطفولة. وكانت متناقلة في حارتنا بشكل يومي. وخاصة بين الشيوخ والعجائز ولا أدري مدى صحتها. لكنها في صغري أخافتني وسكنتني إلى درجة مرعبة. إذ أني كففت عن هذه اللعبة رغم حبي الشديد لها. إذ تحوّل شعوري تجاهها إلى إحساس غامض. مترنحا ما بين الحب والخوف. وما بين الإقبال والنفور. إلى أن ابتدعت طريقة أنقذتني من تلك الحيرة. فكنتُ أحيانا ألعبها مع نفسي دون حجر مرئي. فقط أستعيض عنها بالخيال. وأتصنع قذف الحجارة إلى الأعلى. فأرفع يدي. وأنزل الأخرى. قابضا على الفراغ بداخل راحتي. أو أتلاعب بالهواء. لتحل محل الأحجار الخمس”.
ثم تظهر العجوز ” كيزيت ” وهي تعاني عورا بأحد عينيها بسبب حادث مَا.
كيزيت هذه كانت امرأة جميلة طلقها زوجها السكير بعد أن أنجبت منه طفلا، ثم مات زوجها وهاجر الولد ليواصل دراسته بكندا. كيزيت يبدو أنها كانت تؤمن بالخرافات في ص 62 “كانت متفائلة إلى حدّ مَا. صابرة تترقب خبرا يزف لها فرحا. ترى الحياة بمنظور قلبها السمح المتسامح. ففي وقت العصر من كل يوم، تتزيّن، وتضع الرنج الأخضر والروج الأحمر. وتكحل عينها الوحيدة وتسوي حواجبها بالأسود. وتذهب في الحارة لتنضم إلى النساء. ربما لشرب الشاي. وتبادل السوالف والثرثرة ، ورغم طقوس يومياتها المعتادة. ثمة غيمة خفية تصب ماء على شجرة حزن لا مرئية، تتفرّع في جوفها”. تشير الكاتبة في القصة إلى نبل الإنسان في الأخلاق، في عمق الألم قدرة أخرى تتدفق وتنبثق من داخله تدفعه إلى التغيير والصبر، القيم الدينية القادرة على تغيير الواقع مستندة على قيمة الصلاة والدعاء. جانب روحاني يجنح إليه البشر لتتحقق العادلة في حياتهم رغم كل مفاهيم الكآبة المتجذرة في المجتمع.

تقول كيزيت في القصة وهي تنصح بعض البنات اللاتي يلعبن خرفجت: “هذي اللعبة تجيب المشاكل، شفتي الأصابع لما تتشابك فوق بعضها وأحنا نلعب. كذلك المشاكل. تكون متشابكة وصعب حلها بعدين”.

ورغم التظاهر بالموافقة على كلام كيزيت الا أن أم البنات لم تنهي طفلتيها، يظهر الجانب الساخر من البشر والاستهزاء ببعض المعتقدات المجتمعية.
ص 71: مرّت سنوات متتالية، بعدها كبرت البنتان وانتقلتا للمدينة لتدرسا ولم تعودا بعدها. وأقفل المنزل الرمادي. وسمعتُ أيضا أن ابن العجوز كيزيت رجع بأولاده التوائم الخمسة بعد أن توفيت أمّهم وهم في الخامسة من العمر. وأن كيزيت عاشت حياة سعيدة قبل موتها بقدوم ابنها وأحفادها.
نفس الصفحة – يقول الراوي:
“قبل شهرين اشترى والدي- رغم اعتراضي – بيتا مقابلا للمنزل الرمادي المقفل. في الواقع هو بيت بجانبه بيت آخر. قيل أنه كان لكيزيت. في كلّ ليلة كنت أتوهم سماع طقطقة الأحجار الخمسة من حوشه. وعدة مرّات صادفت خمسة توائم من الرجال متطابقين يتحدثون بلكنة غريبة. يخرجون من اليبت الذي وصف بأنه بيت كيزيت. كنتُ أتجنبهم طبعا. لأهرب من المشاكل التي تلاحقهم، وذات يوم صباحي كئيب، صحوت منزعجا بعد ليلة مؤرقة. وأبصرتُ عجوزين تترجلان بصعوبة من سيارة أجرة. لمحتهما من نافذتي العالية بالطابق الثاني. كانتا عوراوين. كل واحدة منهن تملك عين واحدة. فالعين الأخرى كانت جوفاء. يعلوها لحم غائر للداخل قليلا، يغطي فتحة كانت عينا في ما مضى، وتوقعت في داخلي بأن لهما شجرة حزن لا مرئية تشبه شجرة كيزيت بغيمتها الخفية التي تصب ماء وفيرا. وتتفرّع وتتشعّب”.
هكذا تنتهي القصة دون قفلة مضبوطة، ويعني نهاية مفتوحة.
مذا يمكن أن نضيف إلى هذا النص؟! نعم يمكن أن نضيف الكثير من خلال ما وفره هذا التمازج بين ( الواقع المفترض والعجيب).
حقا كان تفاعلنا إيجابي مع نصوص هذه المجموعة ” خرفجت “، خاصة مع محاولة التجريب التي ذهبت فيها الكاتبة ” اشراق النهدي ” لأني وجدت فيها المرأة المناضلة الواعية بواجباتها وحقوقها. أنها تجتهد ليلا و نهارا حسب تقديري للرفع من مستويات العمل الإنساني الجميل خدمة للأجيال. أرجو لها النجاح ولكل فريق الورشة في مدينة صلالة التي صارت رمزا للإبداع الأدبي والفني عموما. القصص مبنية على الواقعية البحتة وحبذا لو تشتغل الكاتبة على الخيال السحري أو الخيال العجائبي.

أحمد بن إبراهيم
كاتب وقاص تونسي

إلى الأعلى