الجمعة 21 سبتمبر 2018 م - ١١ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / ذا بوست .. عن النزاهة الصحفية والصورة المضللة للسياسة الاميركية
ذا بوست .. عن النزاهة الصحفية والصورة المضللة للسياسة الاميركية

ذا بوست .. عن النزاهة الصحفية والصورة المضللة للسياسة الاميركية

لا يمكن إنكار تلك العلاقة الأبدية “اللصيقة” بين الصحافة والسياسة، فكلاهما يكمل عمل الأخر بمثابة الملح للطعام، فغياب الاولى عن الثانية كالفعل الصامت، والثانية عن الاولى كالصراخ في عتمة الليل.
وإن كانت أهمية السياسة للصحافة أكبر، فإن دور الصحافة لا يمكن الاستغناء عنه، فهي التي تقوم بعمل المراقب على العمل السياسي، ومناقشة وتسليط الضوء على قرارت وسلوك الجهات الحاكمة والساسة ومؤسسات الدولة وغيرها من القضايا والأمور التي تهم الرأي العام، وتلك هي الضمانة التي تكفلها الدولة للصحافة تحت مسمى “حرية التعبير”.
إن “التعامل مع الحقيقة”، هي الأزمة الحقيقية والمستمرة التي تواجهها الصحافة مع الأنظمة المتعاقبة في أغلب دول العالم، خاصة الدول العظمى ـ الاستعمارية ـ التي خاضت حروب من أجل فرض هيمنتها ونفوذها، بينما إختلقت حجج واهية لغزو دول اخرى من أجل تحقيق نفس أهداف اجندتها السياسية. على ذكر ذلك، تأتي الولايات المتحدة الاميركية في مقدمة تلك الدول، ومعها سلسلة طويلة من الحروب والغزوات التي باءت أغلبها بـ”الفشل”، كانت وستظل مصدر إلهام كبير لصناع السينما العالمية.
من ناحية اخرى، نجد أن الصراع بين الصحافة والنظم المختلفة الديني منها والسياسي والاجتماعي، يشغل حيزا كبيرا داخل مكتبة هوليوود، حيث لايزال البعض يهتم بمعالجتها وتقديمها للجمهور خاصة في الاوقات التي تستدعي إعادة إحياءها، وهو الامر الذي دفع مخرجنا نحو تأجيل مشاريعه الاخرى “4 أفلام”، والتفرغ لهذا العمل عاما كاملا، وفق رؤيته الخاصة حول تشابه أحداث الفيلم بمجريات الاحداث التي تمر بها أميركا “ترامب” في الوقت الحالي وصراعه مع وسائل الاعلام.
ذا بوست: فيلم درامي تاريخي مقتبس عن رواية أحداثها حقيقية جرت عام 1971م، حينما قامت صحيفة “واشنطن بوست” الاميركية، بنشر تقرير حكومي سري من 7 الاف وثيقة فيما عرف بـ”أوراق البنتاجون”.
من تأليف ليز هانا و جوش سينجر الحاصل على أوسكار أفضل سيناريو مقتبس في عام 2015 عن فيلم سبوت لايت، الذي يدور أيضا عن عالم الصحافة.
مخرج الفيلم هو المخضرم ستيفن سبيلبرج، الذي بفضل أسلوبه المتقن رشح العمل لجائزتي أفضل فيلم وأفضل ممثلة، وذلك ضمن ترشيحات جوائز أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة أو ما يُعرف بـ(الأوسكار)، في نسختها الـ90 لعام 2018، والمزمع انطلاق حفل توزيع جوائزها مارس القادم. بالتأكيد هذا ليس بجديد على سبيلبرج، فمهارته في اختيار المواضيع وتوقيت عرضها وانتقاء نجومه، ادى الى نيله شعبية كبيرة داخل الوسط الهوليوودي والعالمي.
يستعيد سبيلبرج إحدى أهم الاحداث التاريخية في حياة الولايات المتحدة الاميركية، ويذهب الى ما ورائه، في نص متماسك وأسلوب متوازن، يساعد المشاهد غير المطلع للقصة الحقيقية، الى فهم طبيعة الاشكالية وموقف كل طرف من الاطراف، عبر سلاسة في أحداث غنية بالتفاصيل الشيقة
ينقسم الفيلم الى جزئين، الاول جاد يركز على النواحي القانونية والدستورية وتشريعات الصحافة والقوانين التي تحكمها في الولايات المتحدة، لكن لابد منه لأجل خدمة جزئه الثاني الذي يأتي إيقاعه متسارع وأكثر تشويقا.
كاميرا سبيلبرج تجسد أجواء غرف الأخبار ووسائل الاعلام، والمحادثات والمناوشات الدائرة هنا وهناك بين العاملين داخل أروقة الصحف ومكاتبها التي نسمع خلالها أصوات الآلات الكاتبة ورنين الهواتف وغيرها ..، في مشاهد صاخبة مفعمة بالطاقة والحيوية.
الفيلم يضم نخبة مخضرمة من نجوم الصف الأول في هوليوود، الذين كان لهم روح وحضوروبراعة في تجسيد الشخصيات، ساهم كثيرا في إنجاح العمل، تأتي في المقدمة الفنانة القديرة ميريل ستريب التي تقوم بدور ” كاثرين جراهام” الصحفية والكاتبة ووريثة صحيفة واشنطن بوست من زوجها الراحل “فيل”، الذي يضعها أمام مسؤولية ضخمة وسط أجواء غير ترحيبية من قبل العاملين داخل المؤسسة الصحفية. سنشاهد تجسيد ملحمي للشخصية، ضبطت ستريب خلاله انفعالاتها على حسب متطلبات المشهد، فهي تبحث عن التوازن بين حياتها كأم، وأخرى كمالكة لكيان صحفي كبير، هذه الممثلة العظيمة تزداد خبرة وبريقا مع مرور الوقت.
يشاركها البطولة عبر كيمياء تفاعلية وإندماج قوي، المتألق دوما توم هانكس الذي يقوم بدور “بن برادلي” مدير تحرير واشنطن بوست، ومستشار جون كينيدي السابق، ببراعة متقنة لا يصلح غيره لإداء الشخصية الحماسية صاحب المواقف القوية والنظرات الهامة التي تعبر عن شغفه بالمهنة وإحساسه بالمسؤولية.
يساند البطلين مجموعة متميزة من النجوم كـبوب أودينكيرك الذي يقوم بدور مميز وهام جدا يجسد فيه شخصية “بن باجديكيان” مساعد برادلي، وكاري كون التي تقوم بدور “ميج جرينفيلد” كاتبة إفتتاحيات الصحيفة ، في إداء مميز للجميع تتصاعد حدته حتى يبلغ القمة مع وصوله الى العشر دقائق الاخيرة من مدة الفيلم.
يتعمد المخرج إخفاء ملامح الرئيس نيكسون وتجسيده من الخلف فقط من وراء نافذة البيت الأبيض، ولانسمع غير أوامره الحادة فقط عبر الهاتف، لا اعرف المقصد من ذلك، لكن ربما يريد سبيلبرج اظهاره في صورة الديكتاتور.
يذكر أنه تم اختيار الفيلم كأفضل عمل في 2017، من قبل المجلس الوطني لمراجعة الافلام.فيما اعتبره النقاد المعركة الأفضل بين الصحافة والنظام منذ ” All the President’s Men ” أو كل رجال الرئيس عام 1976.

أحداث

يبدأ الشريط أحداثه من الحرب الفيتنامية عام 1966، حيث يقوم دانييل إلزبرج سكرتير روبرت ماكنامارا وزير الدفاع أنذاك، بمرافقة الجنود وكتابة تقارير يومية توثق سير العمليات التي تبدو انها لم تراوح مكانها ولم تحدث أي تقدم في الميدان، لكن بعد عدة دقائق من ذلك نرى ماكنامارا، يؤكد لوسائل الاعلام أن الولايات المتحدة تحرز تقدم غير متوقع هناك!.
على الجانب الأخر تسعى كاثرين جراهام “كاي” جاهدة للحفاظ على واشنطن بوست من الافلاس فهي إرث عائلي توارثته عن زوجها ومن قبله والدها الذي اعطاه رئاستها، وذلك ضمن إجتماعها مع مجموعة من المصرفيين والمستثمرين، سبق ذلك يجمع جراهام لقاء مع بن برادلي يناقشا فيه مسألة تغطية حفل زفاف ابنة الرئيس نيكسون في البيت الأبيض.

أرشيف فيتنام

من جديد يضعنا الفيلم أمام حرب فيتنام، حيث تقوم صحيفة نيويورك تايمز بنشر دراسة للبنتاجون “وزارة الدفاع الاميركية” ترصد 3 عقود من تورط الولايات المتحدة في تلك الحرب التي راح ضحيتها الآلاف. تم إعتبار هذا التسريب خرق أمني مدمر، بينما رأه بن تقدم كبير للتايمز، وتراجع لصحيفته التي أولت حينها إهتمام بتغطية حفل زفاف إبنة الرئيس نيكسون.
بعد معاقبة التايمز بمنعها من نشر أي وثائق عن حرب فيتنام، يعتزم بن إستكمال المسيرة بنشر الاجزاء المتبقية من الدراسة التي تتكون من 47 جزء يحصل عليها بن باجديكيان عن طريق إلزبرج الذي يعمل حاليا في مركز الدراسات والأبحاث، والذي يقرر كشف أكاذيب الادارة الاميركية كونهم عالقين في تلك الحرب.

لنقوم بالنشر

في تصاعد مستمر لأحداث العمل، يصاحبه موسيقى متوترة لجون ويليامز، نصبح في خضم مواجهتين، احداها داخلية وسط العاملين بالمؤسسة الذين ينقسموا بين مؤيد للنشر ورافض، بينما تأتي المواجهة الاخرى مع إدارة نيكسون التي يعلم المستشارين القانونيين للصحيفة بأنها ستعاقب الجميع بالسجن.
في تلك الاثناء تجيز جراهام النشر، وتكرر على مسامعنا “لنقوم بالنشر”، لتكسب بذلك تحديا كبيرا تكتسب عن طريقه مكانة كبيرة بين العاملين وتثبت شجاعتها وجدارتها لقيادة صحيفة كبيرة كواشنطن بوست جعلتها نموذجا يحتذى به إعلاميا.
في الأخير يتم إصدار أمر قضائي تقوم الصحف بموجبه بنشر الوثائق، وذلك من منطلق رأي العدالة الذي يقر أن:” الآباء المؤسسين ـ في اشارة الى اميركا ـ أعطوا الحرية الاعلامية الحماية التي لابد وأن تحصل عليها لتقوم بدورها الجوهري في ديمقراطيتنا، فالإعلام يقود ولا يتم قيادته “.
إشارة سريعة لـ”فضيحة ووترجيت” في نهاية الشريط، وقد سبق أن وظفها المخرج
في لقطة إيحائية رائعة، حينما أعطى بن الامر بالطباعة، تتسبب الآلات بإهتزاز مكاتب الموظفين بشدة بينهم باجديكيان، وكأن سبيلبرج يقول ذلك هو بداية الزلزال الذي سيعصف بالرئيس نيكسون، سيستقيل اثر الفضيحة عام 1974م.
ذا بوست.. معركة ملحمية تاريخية تسللت من بين أروقة الصحافة لتصل الى كافة العالم، وبرغم رواق مثل هذه النوعية من الافلام لفئة معينة ربما تكون قليلة،الا انه سيظل عملا قويا يحمل بين طياته رسالة هامة للجمهور عن حرية الصحافة ودورها في تنوير الرأي العام، وإيصال الحقائق كاملة للجمهور.
توقيت ماكر من سبيلبرج لعرض عمله الذي تعمد إنجازه في 7 شهور فقط، ليلحق بركب منافسيه في سباق الأوسكار، ينتهز فيه حالة الانتقاد العامة لقرارات الرئيس الاميركي الحالي، فهو سبق أن أعلن معاداته لسياسيات ادارة ترامب، ودعمه للإعلامية الشهيرة أوبرا وينفري كرئيس قادم.
العمل ينتصر للمرأة أيضا بجانب إحتفاءه بالصحافة النزيهة، وذلك من خلال جراهام التي تحدت جميع القيود إلى أن أعلنت لحظة انتصارها من خلال القرار الذي قلب الطاولة على الادارة الاميركية انذاك. وفي الاخير ستبقى مثل هذه الأعمال مكانا “أرحب” لفئة السينمائيين، للتعبير عن وجهة نظرهم تجاه قضية ما، فمريل ستريب الذي وصفها الرئيس ترامب بـ”ممثلة مبالغ في تقديرها”، لديها مكتبة ذاخرة بالاعمال “السجالية” الحادة، أضف اليها هذا العمل الاخير.

رؤية : طارق علي سرحان
Mr.tarek3010@hotmail.com

إلى الأعلى