الثلاثاء 19 يونيو 2018 م - ٥ شوال ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / نظرية التعاون الايجابي في الفلسفة السلطانية للعلاقات العمانية – الخليجية

نظرية التعاون الايجابي في الفلسفة السلطانية للعلاقات العمانية – الخليجية

محمد بن سعيد الفطيسي

”.. ان مجلس التعاون هو ملتقى خليجي اخوي للتشاور والتفاهم وتبادل الآراء والأفكار والتعاون والتنسيق ما بين دوله حيال مصالحهم والتحديات التي تعيق تقدمهم, بما يؤدي في نهاية المطاف إلى وحدة النظر والرأي والتوجه القائم والقادم, وهو ما اكده جلالته ـ اعزه الله ـ بقوله: ان (الرؤية العمانية هي الاسم نفسه للمجلس, المجلس هو للتعاون, وهو ليس اتحاد , …. انما يتطور بعد ذلك إلى شيء اسمه وحدة).”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

انطلقت العلاقات العمانية الخليجية منذ بواكير النهضة المباركة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم “اعزه الله” من فلسفة سياسية واضحة المعالم, تتحرك بناء على منهج راسخ من المبادئ والقيم واخلاقيات السياسة الخارجية, وحافظت عليها كما هي رغم تقلبات الأنظمة العالمية وصراع المصالح الجيوسياسية والفوضى المتصاعدة في العلاقات الدولية بسبب تلك المتغيرات والتحولات العابرة للحدود الوطنية في بيئة اقليمية شديدة التعقيد والاضطراب.
وان كان من استثناء يحسب لنموذج السياسات العمانية التي تحرك العلاقات مع مختلف دول العالم بوجه عام, ومع الأشقاء في الدول الخليجية على وجه الخصوص فهو تلك المقدرة على صناعة التوازنات السياسية والتي يقصد بها : مواءمة المصالح السياسية المادية مع الأخلاق السياسية المثالية في البيئة الدولية. والتي حافظت عليها السلطنة بكل حياد وتعاون ايجابي وروح اخوية بالرغم من اختلاف وجهات النظر وتضارب المصالح واختلاف وجهات النظر حول بعض القضايا ذات الارتباط المشترك على الساحة الاقليمية او الدولية.
ويعد الفكر السياسي العماني. والذي ينطلق بدوره من رؤية وفلسفة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ الموجه للعلاقات العمانية – الخليجية من النماذج السياسية الناضجة والتي يحتذى بها في بناء علاقات دولية نموذجية. ويجد الباحث ان هذا الفكر ليس وليد اللحظة او ضرورات او متطلبات المحيط الاقليمي أو يقتصر على العلاقات العمانية الخليجية. او ينبع من مرئيات مؤقتة بعيدا عن المنهج والرؤية المستقبلية. بل هو امتداد لمنهج وفكر سياسي تاريخي وعالمي تتعامل به السلطنة العمانية مع جل العلاقات والسياسات الدولية انطلاقا من ثوابت ومبادئ السياسة الخارجية العمانية.
الا ان العلاقات العمانية – الخليجية بالطبع تأخذ طابعا استثنائيا لاعتبارات عديدة ومختلفة يقع على رأسها روابط الدين والدم وعوامل تقارب الجغرافيا والتاريخ المشترك, وتعززها المصالح سواء من الناحية السياسية او الأمنية او الاجتماعية والاقتصادية, وهو ما يجعل من متطلبات التعاطي معها ومحددات توجيهها تأخذ طابعا غير تقليدي بكل المقاييس, فليس من المقبول أو المعقول ان تعيش كفرد بين اسرة دون ان تضع في حساباتك مصالح أفرادها أو مراعاة ظروفهم ومتطلباتهم واختلاف افكارهم وتوجهاتهم بقدر الممكن والمستطاع, وكذلك دون ان تكون لك القدرة على تحمل اختلافاتهم وخلافاتهم وحتى تضارب مصالحهم معك.
والباحث في تاريخ تطور العلاقات العمانية الخليجية وكذلك في تلك المرئيات والسياسات التي تعاملت بها سلطنة عمان مع الاشقاء في دول مجلس التعاون الخليجية يلحظ انها ترتكز على اسس ومبادئ غاية في الثبات والرسوخ والتوازن العقلاني والأخلاقي والنظرة الإيجابية. وفي الحدود الممكن تحقيقها دون مغالاة او تفريط في الأهداف والأماني. وفي هذا السياق يقول جلالته ـ اعزه الله ـ ( …. اما بالنسبة لمنطقة الخليج وشعبها فنحن جيران وشعبنا شعب واحد , ولن ندخر أي وسع للمساعدة أو المساندة في حدود ما يمكن القيام به من اجل المصلحة العامة).
على ضوء ذلك يمكن التأكيد على ان ابرز تلك الثوابت التي تحرك وتوجه العلاقات العمانية الخليجية هو (البناء على الإيجابيات وعلى الموضوعات المتفق عليها, اما القضايا الخلافية فكانت تترك للتطورات والمعطيات مع الاستمرار في تدارسها حتى يمكن التوصل الى توافق بين الاطراف المختلفة) حولها. وهو ما اكده الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية العمانية في لقاء له مع الوفد الاعلامي الإيراني في مسقط بتاريخ 12/11/1989م بقوله (لذلك اذا توجد مشكلة في مجلس التعاون ليس عليها اجماع تؤجل إلى ظروف افضل).
بالتالي فإن (عمان لا تخطو خطوة ما لم تكن تلك الخطوة محسوبة ومدروسة بعناية من حيث ايجابياتها وسلبياتها, وملاحظة مؤشر محصلة الايجابيات والسلبيات إلى أي اتجاه يميل, فإذا مال ذلك المؤشر نحو الإيجابيات فإن فلسفة النهضة العمانية تدعو إلى تنفيذ تلك الخطوة, واما اذا مال المؤشر إلى السلبيات فإن الفلسفة تدعو إلى رفضها وتعديلها ان امكن. بحيث تميل إلى مؤشراتها في حال التنفيذ لصالح الإيجابيات, فليس في عالم السياسة شر مطلق على طول الخط, ولا خير مطلق على طول الخط, بل لا بد من تداخل الأمرين).
يضاف إلى ذلك عدم المغالاة في العواطف أو الاندفاع والتسرع في التعاطي مع فكرة التعاون دون تدرج. انطلاقا من عقلانية السياسة وواقعية العلاقات الدولية, ونظرية المعطيات الإيجابية في الفكر السياسي وفلسفة التعاون لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس “اعزه الله” (فالخوف يكمن في ان يؤدي ذلك إلى احباط الآمال والاماني, وان كان ذلك لا يعني اغفال ان هناك امكانيات كثيرة لتوسيع مجالات التعاون وتطوير التجربة بما يؤدي في مرحلة لاحقة الى تحقيق مستويات متقدمة من التوحد او الاندماج الكامل ).
وهو ما يؤكده النظام الاساسي للمجلس والذي يشير الى هذا الاتجاه بكل وضوح وصراحة. حيث يستهدف المجلس تقوية اوجه التعاون وتوثيق عرى الروابط في ما بين دوله (استكمالا لما بداته من جهود في مختلف المجالات الحيوية التي تهم شعوبها وتحقيق طموحاتها نحو مستقبل افضل وصولا إلى وحدة دولها ). وهو ما عني من ناحية اخرى ان اماني الوحدة والتعاون لا تعني حرق المراحل او تجاوز قاعدة اختلاف المصالح وتدرج اهميتها وأولوياتها بالنسبة لكل دولة . أو تجاوز فكرة التعاون والوحدة إلى ابعد من ذلك دون تريث وعقلنة للخطوات والتوجهات والطموحات في حدود الإمكانيات المتاحة لكل دولة على حدة. وهو ما قصدة جلالته بقوله (…. في حدود ما يمكن القيام به من اجل المصلحة العامة).
وبالتالي فإن مجلس التعاون هو ملتقى خليجي اخوي للتشاور والتفاهم وتبادل الآراء والافكار والتعاون والتنسيق ما بين دوله حيال مصالحهم والتحديات التي تعيق تقدمهم, بما يؤدي في نهاية المطاف إلى وحدة النظر والرأي والتوجه القائم والقادم, وهو ما اكده جلالته “اعزه الله ” بقوله : ان (الرؤية العمانية هي الاسم نفسه للمجلس, المجلس هو للتعاون , وهو ليس اتحاد , …. انما يتطور بعد ذلك إلى شيء اسمه وحدة).
لذا رفض جلالته النظر إلى هذا المجلس على اساس انه (تجمع انظمة سياسية بقدر ما هو تجمع ارادات سياسية تبحث عن التعاون وتسعى إلى اقامته ….- أو يعكس انطباعا غير إيجابي أو – يؤدي إلى تفسير هذا النشوء على خلفية اقامة حلف عسكري مضاد – أو – تحويل المجلس إلى منظمة اقليمية أو شبه اقليمية تمارس من خلالها بعض الدول الأعضاء نفوذا على دول الجوار وعدم استخدام الأوضاع والترتيبات الجماعية ذريعة للانتقاص من السيادة الوطنية للدول الأعضاء أو التعدي عليها) أو التدخل في شؤونها الداخلية.
وفي هذا السياق تحديدا قال جلالته ـ حفظه الله ـ في رد على سؤال وجه إليه حول احتمال فتح حوار بين دول الخليج والاتحاد السوفيتي واقامة علاقات طبيعية معه مع بدايات قيام المجلس. (ان الحوار مع موسكو والعلاقات معها ليست مسألة جماعية تخص مجلس التعاون, لأن المجلس ليس تكتلا سياسيا. فكل دولة لها سياساتها الخاصة تمارسها منفردة حسب مقتضيات مصلحتها الوطنية). وهذا الأمر بكل تأكيد لا يتعارض أبدا مع سياسات المجلس ولا مع نظامه الأساسي من جهة, كما انه لا يتعارض كذلك وبشكل مطلق مع فكرة التعاون المشترك بين دوله. وهو ما اكده جلالته ـ اعزه الله ـ بقوله: (قبل ان يكون هذا المجلس كانت للدول الست – الأعضاء فيه – سياسات وعلاقات منفردة مع عدة دول في العالم, وعلاقات عمان مع اي دولة ولدت قبل تكوين المجلس, ولكن ليست هناك قواعد أو التزامات في هذه العلاقات تضر السيادة العمانية أو سيادة المنطقة لأن ذلك غير وارد).
والمتمعن في رؤية جلالته “حفظه الله” نحو فكرة التعاون بين قيادات المجلس على اعتبار انها تجمع إيجابي للإرادات السياسية الهادفة لتحقيق طموحات الأوطان والشعوب وليس تجمع للأنظمة. يجد انها ـ اي تلك الرؤية ـ تتلمس الجانب النفسي لاحتمالات التفكير سلبا في فكرة التعاون والتجمع, وتراعي ردود الأفعال الإقليمية والدولية لبقية اطراف المنظومة الدولية حياله, خصوصا ان فكرة قيامه جاءت في فترة زمنية عصيبة ومليئة بالاضطرابات والفوضى. اما من جهة اخرى, فأراد له جلالته كعضو يمثل بلدا بحجم عمان في هذه المنظومة ان يكون هذا التعاون بين قياداته املا لمستقبل شعوبه. (شعوب المنطقة التي تنظر إلى العلاقات القوية بين زعمائها بأنها تجسيد لمشاعرها وامالها) ومن هذا المنطلق تحددت واستمرت نظرية التعاون الإيجابي في الفلسفة السلطانية للعلاقات العمانية – الخليجية حتى يومنا هذا.

إلى الأعلى