الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 م - ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / السلام مع العرب “من وجهة نظر إسرائيلية”

السلام مع العرب “من وجهة نظر إسرائيلية”

محمد بن سعيد الفطيسي

” … لم أجد قضية سياسية عبر التاريخ شهدت كل هذا الكم الهائل من المماطلات والتسويف والخداع والأكاذيب الدولية كما شهدتها قضية الصراع العربي مع العدو الصهيوني، في وقت كانت فيه الحقائق على ارض الواقع واضحة لِمَن ( كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) منذ اليوم الأول لاختلاق إسرائيل في قلب الأمة الإسلامية وقلبها العربي…”
ــــــــــــــ
شد انتباهي مقال بصحيفة الشرق الأوسط تحت عنوان : الفلسطينيون والإسرائيليون.. سيناريوهات ما بعد السلام في عددها 13007 الصادر بتاريخ 9/7/2014م حيث بدأت مقالها بهذا التقديم: لا أحد في فلسطين أو إسرائيل يستطيع أن يرسم خريطة طريق واضحة، يمكن لها أن تجيب على الأقل عن سؤال واحد بسيط ، إذا ما كانت الأحداث على الأرض تتجه نحو حرب جديدة أو تهدئة طويلة.
والحقيقة أنه وبالرغم من جدوى السؤال ومشروعيته من الناحية التحليلية القائمة على الأرض ، ومحاولة البحث له عن إجابات استشرافية مستقبلية ممكنة، إلا ان للتاريخ كلمة وإجابة واضحة لا شك فيها ولا مراء في هذا الجانب، كلمة ربما لا تحتاج لكثير من البحث والتقصي لأنها موثقة على البشر والمدر، وإجابة صريحة وواضحة لأنها مكتوبة بلون الدم، وفي ملايين الكتب التي تزخر بها المكتبات العالمية عن السلام العربي مع الكيان الصهيوني.
إنها إجابة بسيطة جدا: فلا فرق بين حرب جديدة نحن على يقين تام بأنه سيتبعها هدنة مؤقتة ثم يتلوها حرب إرهابية مماثلة وهكذا، او تهدئة طويلة سرعان ما سيقطع حبلها بعدوان سافر جديد تحت ذريعة او أعذار واهية كما هو الحال دائما مع مستعمرة الخوف والإرهاب الصهيونية ؟!! فالمسألة ليست في حرب جديدة او تهدئة طويلة، بقدر ما هي رؤية ثابتة لمسألة الثابت والمتغير في الصراع العربي مع إسرائيل، او في رؤية إسرائيل كمستعمرة الى السلام مع العرب بوجه عام والفلسطينيين على وجه الخصوص، فالثابت كما أكده التاريخ منذ العام 1947 وحتى العام 2014م هو ان إسرائيل لا تؤمن بالسلام، أما المتغير فهو مجرد تكتيك صهيوني للضحك والاستهزاء على الشوارب والذقون العربية.
فعلى سبيل المثال لا الحصر وليس العام 2009 ببعيد، حيث كانت تلك الجملة التي أطلقها وزير الخارجية الإسرائيلي أفيجدور ليبرمان بتاريخ 8 / 10 / 2009م ، قبل اجتماعه مع المبعوث الاميركي للسلام في الشرق الأوسط السناتور جورج ميتشل، والتي قال فيها : ” من يقول إن من الممكن التوصل في السنوات القادمة لمعاهدة سلام شاملة ـ بالطبع الخطاب هنا موجه للعرب ـ، فهو ببساطة لا يفهم الواقع “انه ينشر أوهاما وفي النهاية يسبب الإحباط” ، وسجل بن جوريون في يومياته ملاحظة للدبلوماسي الإسرائيلي ـ وزير الخارجية الإسرائيلي السابق ـ ” أبا أيبان ” جاء فيها:” أن الهدنة – مع العرب – تكفينا ، فإذا سعينا وراء السلام سيطالبنا العرب بثمن يشمل الحدود أو اللاجئين أو كليهما”، وهو بذلك ـ أي ـ بن جوريون، يضع القاعدة الدبلوماسية الصهيونية المستقبلية لمن سيأتي بعده، في طريقة التعامل مع مفهوم السلام مع العرب.
وهكذا نتأكد من خلال ما سبق ذكره بان وجهة النظر الإسرائيلية تجاه السلام في الشرق الأوسط بشكل عام، ومن قضية الصراع مع العرب على وجه الخصوص منذ أكثر من نصف قرن، لم تتغير ولن تتغير، فقد عرفت تلك النظرة بالثبات في أسلوب المماطلة كأفضل إستراتيجية للحوار، حيث كانت طوال تلك السنين تتمحور حول البحث عن كل الطرق القانونية وغير القانونية لكسب أكبر قدر ممكن من الأرباح والفوائد السياسية والدبلوماسية والجغرافية من المباحثات واللقاءات والمؤتمرات وغيرها.
في وقت لم يحصل فيه الطرف الآخر “المفاوض العربي” وللأسف الشديد سوى على وعود كاذبة وشعارات جوفاء كانت تذر كالرماد في العيون “التي لم تقرأ التاريخ ولم تتعلم منه” وذلك بهدف قلب الوقائع والحقائق وخداع الذقون والشوارب العربية، والتي ما زالت إلى يومنا هذا تؤكد ـ من وجهة نظرها ـ إمكانية المشاركة وتقاسم الأرض والسلام مع العدو الصهيوني الإرهابي، والذي طالما اثبت عكس ذلك من خلال تصرفاته الإجرامية الإرهابية، بداية بموجات المجازر والتوسع ومرورا بالقتل والاعتقالات والاغتيالات وليس انتهاء بانتهاك المقدسات وتجريف المزروعات واستخدام الأسلحة المحرمة حتى الساعة.
والحقيقة أنني لم أجد قضية سياسية عبر التاريخ شهدت كل هذا الكم الهائل من المماطلات والتسويف والخداع والأكاذيب الدولية كما شهدتها قضية الصراع العربي مع العدو الصهيوني، في وقت كانت فيه الحقائق على ارض الواقع واضحة لِمَن ( كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) منذ اليوم الأول لاختلاق إسرائيل في قلب الأمة الإسلامية وقلبها العربي بقرار ظالم من هيئة الأمم المتحدة بتاريخ 29 نوفمبر 1947م.
ولوعدنا قليلا الى تاريخ الصراع مع هذه المستعمرة وكيانها الغاصب الإجرامي، والذي نتمنى ان يقرأه من مصادره الصحيحة كل سياسي ومؤرخ ودبلوماسي ومثقف وباحث وحاكم عربي، فانه يمكن حينها التعرف على الحقائق دون رتوش وديكورات، وسنستنبط أحكام السلام الواهم في محراب العدالة الدولية بشكل عام، والصهيوأميركية على وجه الخصوص دون زجاج ملون، فلربما يتعلم منه أبناء جلدتنا العرب طريقة الخروج بانتصار صغير، يحفظ لهم ولنا ماء الوجه والشرف يوما، حين تستذكر الأجيال العربية القادمة سلسلة الهزائم والانتكاسات التي كنا “نحن” من سيطلق علينا يوما “أجيال العار” مكون لها وجزء منها.
وليس ذلك نتاج نظرة ثقافية أو سياسية متعصبة أو متشائمة نحو السلام تحاول الدفع بهذه القضية إلى الأبواب المغلقة من الناحية السياسية، رغم ان ما يحدث على ارض الواقع يؤكد وبما لا يدع مجالا للشك بأننا وإلى الآن لم “ولن” نتوصل بعد بهذه الطريقة إلى مفاتيح تلك الأبواب التي أغلقتها إسرائيل منذ البداية، بل ولم تترك أي أمل لفتحها من جديد، في وقت يحاول البعض الآخر “المعتدلين الحالمين” الدفع بهذه القضية إلى الأمام، بقدر ما هي رؤية تحمل في طياتها ذلك القدر المتوازن من العقلانية والمنطقية والواقعية الباحثة عن الحقوق العربية الفلسطينية المسلوبة والمغتصبة باسم القوة والقانون الدولي الظالم، والتي لابد أن يتم الحصول عليها بعد كل تلك السنوات من تجرع ويلات الحرب والغربة التي يعيشها الشعب الفلسطيني الأعزل.
ختاما فإننا نطرح الأسئلة التالية على “المفاوض الرسمي العربي” فلعل ذلك يقرب وجهة النظر الأخرى من هذه القضية بعد كل تلك السنين من المفاوضات والشد والجذب: ما هو التقييم الاستراتيجي الذي يمكن أن يمنح لقضية الصراع العربي مع إسرائيل، ونستطيع من خلاله أن نضع علامات للنجاح والفشل في مسار واتجاهات مستقبل السلام في هذه القضية بعد مضي أكثر من 60 سنة من هذا الصراع؟ وهل هناك من تغيير يذكر في السياسة الإسرائيلية تجاه قضايا الوضع النهائي ـ القدس واللاجئين والحدود النهائية ـ مع مستعمرة الكيان الصهيوني، نستطيع ان نطلق عليها “ببصيص الأمل” لتحقيق السلام بعد كل هذه السنوات الطويلة؟.

إلى الأعلى