الخميس 19 يوليو 2018 م - ٦ ذي القعدة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / السلطنة اختارت الدبلوماسية النبيلة .. للتعاطي مع أزمات المنطقة

السلطنة اختارت الدبلوماسية النبيلة .. للتعاطي مع أزمات المنطقة

محمد عبد الصادق

” لقد رحبت السلطنة بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي واستقبلته استقبالا حافلا يليق بمكانة مصر ورئيس مصر في قلوب أشقائهم العمانيين والمنزلة الخاصة للدولة المصرية لدى جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ أعزه الله ـ الذي طالما أكد في أكثر من مناسبة على دور مصر المحوري والتاريخي في الدفاع عن الأمن القومي العربي عامة وأمن واستقرار منطقة الخليج.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جمعني لقاء ومجموعة من الزملاء الإعلاميين مع سفير مصر الجديد في السلطنة السفير محمد غنيم الذي تولى مهام منصبه قبل أيام قليلة من زيارة الدولة الناجحة التي قام بها الرئيس عبدالفتاح السيسي لسلطنة عمان ضيفا على أخيه حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ كان التعارف هو الهدف المعلن للقاء وكذلك التعرف على ما دار خلال الزيارة التي استمرت ثلاثة أيام وإطلاعنا على أهم النتائج التي أسفرت عنها, ومدى حقيقة المبادرات والوساطات لحل الأزمات المتعددة التي تحيط بالمنطقة , كما دار الحديث عن الجانب الاقتصادي من الزيارة وأهم القضايا التي حازت اهتمام البلدين.
سألت السفير عن السبب ـ من وجهة نظره ـ في تأخر الزيارات على مستوى القمة بين السلطنة ومصر لمدة تسع سنوات ( كانت آخر زيارة للرئيس المصري الأسبق حسني مبارك للسطنة في مارس 2009م) رغم العلاقات الجيدة التي تربط الدولتين والشعبين .. أجابني السفير غنيم دون تردد أن عمان تمتلك مدرسة دبلوماسية رزينة تتعامل بنبل وحكمة مع محيطها العربي والإقليمي وعندما حان الوقت المناسب للبلدين تمت الزيارة وخرجت بالشكل الذي شهدناه من تآلف وود وتأكيد على دفء العلاقات بين البلدين.
عدت بذاكرتي لسبع سنوات مضت على الأحداث التي شهدتها مصر, وتذكرت موقف السلطنة منها, وحرصها على عدم التدخل في الشأن الداخلي المصري بأي شكل من الأشكال وسعيها أن تهدأ الأمور وتستقر الأوضاع السياسية, وتتعافى مصر من آثار الربيع العربي الذي صاحبه أحداث جسام تسببت في حالة من السيولة والارتباك في علاقات مصر الخارجية على المستوى العربي والإقليمي والدولي , عملت السلطنة خلال تلك الفترة على مد يد المساعدة قدر استطاعتها والسعي لما فيه خير ومصلحة الشعب المصري دون أغراض أو أطماع أو تأييد طرف ضد طرف آخر, ولكنها انحازت للدولة المصرية وتماسك مؤسساتها ولإرادة الشعب المصري في تقرير مصيره واختيار مستقبله.
لقد رحبت السلطنة بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي واستقبلته استقبالا حافلا يليق بمكانة مصر ورئيس مصر في قلوب أشقائهم العمانيين والمنزلة الخاصة للدولة المصرية لدى جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ أعزه الله ـ الذي طالما أكد في أكثر من مناسبة على دور مصر المحوري والتاريخي في الدفاع عن الأمن القومي العربي عامة وأمن واستقرار منطقة الخليج.
هذه الدبلوماسية النبيلة التي تضع الأخلاق قبل المصالح كانت اختيارا ومنهجا للسياسة الخارجية العمانية للتعاطي مع الأزمات المتعددة التي تحيق بالمنطقة, ففي الأزمة السورية كان الموقف العماني واضحا بالانحياز للدولة السورية وظلت السفارة العمانية تفتح أبوابها في دمشق رافضة الضغوط من جميع الاتجاهات لقطع العلاقات مع الشقيقة سوريا ورافضة التورط في آتون الفتن والمكائد التي زادت الوضع اشتعالا وأسالت الدم السوري دون مبرر ونشرت الخراب والدمار في أجزاء عزيزة من الأرض السورية, وجعلت شبح التقسيم والتدخل الخارجي يهدد سوريا والسوريين ويدفعهم لترك ديارهم واللجوء خارج بلدهم بدلا من أن يعيشوا كراما آمنين على ترابهم الوطني كما عاشوا آلاف السنين.
وبعد مرور سبع سنوات من الصراع , تبين صواب وجهة النظر العمانية وخطأ المراهنة على استبدال دول بجماعات وميليشيات ومنظمات إرهابية وعاد كثير من المتورطين لصوابهم وغيروا مواقفهم تجاه الدولة السورية وفشلت مشاريع التقسيم والاستقواء بالأجنبي وانهزمت الجماعات الإرهابية التي أرادوا اعتمادها بديلا عن الدولة والمؤسسات الوطنية السورية.
ورفضت السلطنة الانجرار للمستنقع اليمني, والتورط في النزاع الداخلي بين الفرقاء أو الانحياز لطرف في صراعه مع الأطراف الأخرى, ودعت منذ اللحظة الأولى لاندلاع الأزمة لجلوس اليمنيين على طاولة الحوار لحل خلافاتهم ونبذ العنف وتجنب إسالة الدماء. وأعلنت السلطنة منذ الوهلة الأولى رفضها لاستعمال القوة المسلحة في اليمن وتأكيدها أن الحرب لن تحسم الصراع, بل ستزيد الأمور تعقيدا وأن كل الأطراف التي حملت السلاح ضد بني جلدتها هم في النهاية خاسرون, لأن الحرب لن تجلب إلا مزيدا من الشقاق والدمار والخراب وسقوط الضحايا الأبرياء.
وتجلى الموقف العماني النبيل في استقبال آلاف اليمنيين على أراضيها وعلاج الجرحى والمصابين وإرسال المساعدات الإنسانية للمناطق اليمنية التي تفشت فيها المجاعة وانتشرت الأوبئة والأمراض بعد سنوات من العنف والحرب العبثية التي فتحت الطريق لمزيد من الانقسام بين أبناء البلد الواحد ولن تحل الأزمة التي طال أمدها إلاّ بالاستماع لصوت العقل وتلبية دعوة السلطنة لجلوس جميع الأطراف اليمنية على طاولة الحوار والبحث عن مخرج منطقي للأزمة عن طريق المفاوضات يعيد لليمن هدوءه واستقراره .
وعندما نشب الصراع في ليبيا, تداعت كثير من الدول من كل صوب وحدب, للتدخل في الشأن الداخلي الليبي طمعا في ثرواتها أو لوضع قدم لها في هذا البلد الذي يحتل موقعا استراتيجيا مميزا على ساحل البحر المتوسط واستمالت كل دولة فصيلا ليبيا ليعمل وفق أجندتها, مما أطال أمد الصراع وأسال كثيرا من الدماء وتسبب في تدمير البنية التحتية للدولة الليبية, وسط كل هذه الأطماع فتحت السلطنة ذراعيها لاستقبال الأسر الليبية المكلومة التي فقدت عوائلها, وسعت مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية للتوصل لحل للأزمة الليبية عن طريق الحوار , واستضافت السلطنة اجتماعات الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور الليبي في مدينة صلالة تحت رعاية الأمم المتحدة ودعت الأطراف الليبية المتصارعة التي رحبت جميعها بالوساطة العمانية لحل الأزمة واستضافة الاجتماع , ثقة منها في نزاهة الموقف العماني ونأيه عن الأغراض والهوى, وارتضوا كتابة المسودة التأسيسية للدستور الليبي على أرض عمان وشارك في هذه الاجتماعات ممثلون للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية , ورفضت السلطنة المشاركة حتى لا تتهم مستقبلا بالميل لأحد الأطراف دون آخر رغم ترحيب جميع الأطراف وإلحاحها بمشاركة الوفد العماني.
هذا هو النهج النبيل لسلطنة عمان الذي خطه قائد مسيرة نهضتها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ منذ بزوغ فجر النهضة عام 1970م .. نهج التعاون والصداقة والسلام والحوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

إلى الأعلى