الجمعة 22 يونيو 2018 م - ٨ شوال ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / صديقي الهندي .. يا بختك!

صديقي الهندي .. يا بختك!

” ..خلال سجالات ونقاشات طويلة مع أصدقائي الهنود وصلت لوجهة نظر راسخة، أن بناء الأوطان الذي لا يستمد جوهره من بناء الشعوب لن يحقق تقدما ملموسا، وأن التنمية الحقيقية لابد أن يكون رهانها على تنمية المواطن، فالعنصر البشري هو ما جعل كوكب اليابان الصديق كما يسمونه في مصر أكثر تقدما منا بسنوات ضوئية، ”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قادني حظي السيئ الناتج عن لقاء جمعني بأحد الأصدقاء كان مكانه بقرب المجمع الرياضي في بوشر، حيث هالني ما رأيت من استقبال حافل من الجالية الهندية لرئيس وزراء جمهورية الهند ناريندرا مودي، فلن أبالغ عندما أقول إن الجالية الهندية بجميع طوائفها ذات ألوان الطيف الإثنية والدينية والمذهبية والجغرافية والطبقية…..، قد مثلت خلال لقاء رئيس الوزراء، وقامت بالاحتفاء به أيما احتفاء، فقادني الفضول لاسأل أحد المشاركين في هذا اللقاء عن اسباب ترحيب الجالية الهندية به، جاءتني الإجابة من أحد القادمين للمشاركة بمعية أسرته، ليؤكد لي أن مودي يستحق الاحتفال من كافة أطياف الجالية الهندية، وحدثني عن الخطوات الاقتصادية التي اتخذها، وشراسته في مواجهة الفساد، واهتمامه بملفات الصحة والتعليم … وغيرها من الصفات، لكن أكثر ما استوقفني في حديثه هو تأكيد محدثي على أن مودي يكفيه أنه بدأ زيارته بلقاء الجالية الهندية، وهو ما يعني اهتمامه الرئيسي بالمواطن سواء كان داخل الهند أو خارجها.
بعد هذا الحديث القصير مع صديقي الهندي الذي لا أعرفه، نظرت لمضيفي، وعيناه تراوغ الكلمات التي لم تخرج من فمي بعد، لكنه يحاول الإفلات منها تجنبا إلى مقارنة ستقضي بكل تأكيد على شعاراته الوطنية الفارغة، وأفكاره الغريبة عن بناء الأوطان وضرورة الحفاظ عليها، وما يؤمن به من مبادئ تتحدث عن حماية الوطن ، حتى وإن تدهور وضع المواطن أو تم التضحية به، فوجدت نفسي أشفق عليه من الخوض في هذا الحديث وغيرنا مسار حديثنا في أي شيء وكل شيء بدءا من تألق محمد صلاح مع ليفربول، وحتى وصفات الأكل المصرية، إلا الحديث عن هذا النموذج الهندي المشرق.
إن الإعجاب بالتجربة الهندية عموما، ليس بسبب زيارة مودي للسلطنة بالتأكيد، ولا بسبب أنها تمثل أعجوبة الازمان، فالهند لا تزال لديها كثير من المشاكل على المستوى التنموي والاجتماعي أيضا، لكنه يعود عبر ما أراه أو اسمعه من الزملاء والأصدقاء من جمهورية الهند عن الاهتمام بالانسان والمواطن الهندي، خاصة وأن التجربة الهندية بدأت مع التجربة التحررية المصرية والعربية عموما ، فهناك تشابه كبير بين الدولتين على صعيد التاريخ والنضال من أجل التحرر الوطني، بالاضافة إلى أن لديهما كثافة كبيرة في العنصر البشري، وإرث ثقيل من زمن الاحتلال من الجهل والفقر والمرض، وكان الزعيم الهندي نهرو أحد أصدقاء الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، وعلاقة الهند ومصر في إنشاء مجموعة عدم الانحياز لها من الذكريات الكثيرة، والبرنامج المصري الهندي للصواريخ، وغيرها من العلاقات المشتركة الهندية المصرية، وأتذكر كلمات أحد المؤرخين المصريين حول هذه الفترة وهذه العلاقة: (عندما بلغ النمو الاقتصادي المصري 9% سنويا، كانت الهند هي من تسعى إلى الاقتداء بالتجربة المصرية في مجال التنمية).
ولعل هذه المقارنة بين الهند ومصر، هي جوهر إجابة عدة أسئلة يسألها المصريون في الأربعين عاما الأخيرة أو قل الخمسة وستين عاما بعد الجلاء، أسئلة من كثرة تكرارها أضحت وجودية، وعبثية ليس لها إجابات عند الكثير منا، لكن إجابتها الحقيقية هي الهند، فالهند دولة خرجت من احتلال طويل، ليس لديها بنية أساسية غير الذي أنشأها الاحتلال لتسهيل تجارته، وليس لديها نظام تعليمي حقيقي يستوعب هذه الكثافة السكانية الكبيرة ـ برغم وجود نظام تعليمي ذي جودة للأغنياء فقط (كما كان الحال في مصر) ـ، وليس لديها أنظمة ديمقراطية حقيقية تستوعب الرأي الشعبي، وتدهور كبير في حالة الصحة العامة للمواطنين (كما كان الحال في مصر)، وكانت مشكلتها تزيد عن مصر في معضلة الطائفية والتناحر الديني والعرقي الموجود لديها بفعل التعدد الديني والمهبي والعرقي الذي تستوعبه الهند.
ومع انطلاقة التحرر انطلقت مصر بقوة نحو تعزيز مكانتها، وتقدم أسرع كثيرا من الهند، بفضل اعتمادها على نظرية المستبد المستنير التي نادى بها الفيلسوف الانجليزي هوبز، فيما أصرت الهند على بناء نظام ديمقراطي حقيقي، يستوعب كافة ألوان الطيف الهندية، واعتمدت على سياسة تعليم تتيح العلم للمبدعين والمتفوقين ليكونو هم النواة لعملية تعليمية تشمل الدولة ككل، وبدأت في تصدير القوى العاملة لكافة بقاع الأرض، حتى يستوعبوا التقنيات الجديدة، ومن ثم يرجعون لبلدانهم لإقامة مشاريع صغيرة ومتوسطة تمتلك التقنيات الحديثة وتستطيع أن تنافس عالميا، وبرغم ما شهدته الهند من أحداث طائفية وحروب طويلة إلا أنها أصرت على الديمقراطية كطريق رئيسي، وتحملت في سبيله الكثير.
لذا وخلال سجالات ونقاشات طويلة مع أصدقائي الهنود وصلت لوجهة نظر راسخة، أن بناء الأوطان الذي لا يستمد جوهره من بناء الشعوب لن يحقق تقدما ملموسا، وأن التنمية الحقيقية لابد أن يكون رهانها على تنمية المواطن، فالعنصر البشري هو ما جعل كوكب اليابان الصديق كما يسمونه في مصر أكثر تقدما منا بسنوات ضوئية، فلا دولة قوية بدون شعب واع متعلم سليم بدنيا، ولا مكان حتى إقليمي لدولة ترزح رهينة الفقر والجهل والمرض، ولا تزال تعتمد في تسليحها على ما تنتجه العقول الغربية، فالوطن يعني مواطن، أما الشعارات الجوفاء التي مللنا منها، والتي تبرر الفساد والسلطوية فلن تجعل واقعنا أفضل حالا، بل إننا سوف يأتي علينا الزمان ونتحدث عن تجارب بدأت الآن، وسنظل كما يقول المصطلح العسكري محلك سر.

إبراهيم بدوي
Ibrahim badwy189@gmail.com

إلى الأعلى