الأحد 27 مايو 2018 م - ١١ رمضان ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / فأهلُ الدَّم.. يُسألون أكثر من غيرهم، عن الدَّم

فأهلُ الدَّم.. يُسألون أكثر من غيرهم، عن الدَّم

علي عقلة عرسان

” العدوان الأميركي الذي جرى شرق نهر الفُرات، كانت روسيا على اطلاع به قبل بدئه، وفي أثنائه، وبعده.. كما قال الأميركيون، لم يُمنَع حدوثه.. والعدوان الإسرائيلي المستمر على سورية، لا يتم ردعه، ولا شجبه، وربما كان ضمن تفاصيل التنسيق المعلن، بحيث لا تصطدم قوة روسية مع قوة جوية “إسرائيلية”، أو أميركية.. والكل يحترم تعهداته، ويعمل لتحقيق أهدافه، ورعاية مصالحه.. على حساب حياتنا، ودمنا، ومصالحنا، ومستقبلنا.. ”

في سورية، الوطن العزيز الذبيح، في سورية “الجرح والسكين”، في سورية الأم التي لا يمكن استبدالها، حيث الأم لا تُستبدَل… في سورية حرب ضروس، مستمرة منذ نيِّفٍ وسبع سنوات، أفنت وأنهكت وأعنت.. في سورية كارثة يُراد لها أن تستمر، بهدف القضاء على البلد والشعب، على الإدارة والسيادة والقيم، وعلى الانتماء والدور التاريخي لبلد وشعب هما روح الشام، والشام جلّ روح الأمة. في الشمال الشرقي من أعز البلاد هذه، تُقام “إسرائيل الثانية”، وفي الجنوب الغربي منها، “إسرائيل الأولى”، ومن تينك، وغيرهما، تتوالى الاعتداءات والتحديات، ويتم العمل على قضم جغرافية الوطن، ويقيم الإرهاب الأميركي العتيد، والاحتلال العنصري الصهيوني المجرم، وعملاؤهما وأدواتهما، ومن يُسمّون “حلفاء لهما”، ممن قال رئيس الجمهورية عنهم “إنهم خوَنة”، خانوا بلدهم… يقيمون هناك قواعد عسكرية، وقوة عنصرية مسلحة معادية لسورية، تستهدف سيادتها، ووحدتها،”أرضاً وشعباً”، ومصالحها، وهويتها، ودورها القومي، والعرب والمسلمين فيها.. ويتم في تلك البقاع، إنشاء كيانات لعملاء ولعنصرين صهاينة ومتصهينين، على الأرض السورية.. تعمل وتترسخ وتقوى، برعاية أميركية، وبدعم غير محدود من تلك الدولة العظمى، الراعية للإرهاب في العالم، والمستثمرة فيه، والغازية لبلدان الآخرين، باسم محاربته، وما هي إلا حاضنته والمستثمرة فيه.. الدولة المتبنِّية للعنصرية البغيضة نهجاً منذ إنشائها، والمعادية لتطلعات الشعوب منذ امتلاكها للقوة، وانتشارها خارج حدودها:”الولايات المتحدة الأميركية.”. وفي سورية، الوطن العزيز الذبيح، مدنٌ وبلداتٌ وقرى مدمَّرَة، وأطفال بلا مستقبل، وحربٌ تدفن الأسر والآمال تحت ركامها.. حربٌ في الشمال، “عفرين وإدلب”، وحربٌ في الغوطة الشرقية، ومعارك متنقلة في أماكن كثيرة من جغرافيتها.. وكل ضحايا هذه الحروب من السوريين.. من السوريين، من السوريين.. سواء أسقطوا بأيدي بعضهم بعضاً، أو بأيدي أعدائهم وأصدقائهم، وحلفاء لكل فريق منهم من كل لون، وحدب، وصوب.. تتعدد الأسباب والأساليب والقتل واحد، ويتعدد القَتَلة، والضحية واحدة :”سورية الوطن، والدولة، والشعب، والأمل”.
في يوم الأربعاء ٧/٢/٢٠١٨ أطلقت طائرات “إسرائيلية”، من الأجواء اللبنانية، عدة صواريخ، حوالي الساعة 03:42 حسب التوقيت المحلي، على “جُمرايا”، شمال غرب دمشق. وسبق أن تعرض هذا الموقع للقصف في ديسمبر ٢٠١٧.. وقبل ذلك أيضاً، لا سيما مركز البحوث فيها. وقالت القوات الجوية العنصرية الإسرائيلية المعتدية، إنها ضربت أهدافاً في سورية، منذ بدء الحرب، نحو 100مرة.”، مبدية استعداداً لاستمرار العدوان، واستهداف البلاد.
وفي يوم الخميس ٨/٢/٢٠١٨ قتلَ الأميركيون ١٠٠ من السوريين، ممن سموهم “الموالين للنظام”، بقصف من طائراتهم، كما قالوا هم وقدروا، في بيان جاء فيه:”.. نفذ التحالف ضربات ضد القوات المهاجِمة، دفاعاً عن التحالف والقوات الشريكة-أي المسلحين الأكراد -ورداً على العمل العدواني الذي استهدف شركاء في مهمة التحالف الدولي لهزيمة داعش… وكانت روسيا على اطلاع به، قبل بدئه، وفي أثنائه، وبعده..”.. ولم يكن هذا أول عدوان، ولا أول افتراء، فتلك القوى الشريرة تعمل وتقتل وتدمر، منذ بداية الأزمة/الحرب/الكترثة.. ولا تكترث بما يحصل للشعب والبلاد.
وكالعادة، احتجت وزارة الخارجية والمغتربين في سورية، على هذا الفعل الذي وصفته بالهمجي، فقالت في رسالة وجهتها إلى أمين عام الأمم المتحدة، ورئيس مجلس الأمن الدولي، بتاريخ ٨/٢/٢٠١٨ قالت:”في عدوان همجي جديد، وضمن إطار سياستها العدوانية ضد الجمهورية العربية السورية، ارتكبت قوات “التحالف الدولي”التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية، فجر اليوم الخميس 8-2-2018- مجزرة وحشية، بحق قوات شعبية سورية، كانت تتصدى لتنظيم “داعش”الإرهابي، الذي لا يزال يحتفظ بتواجده تحت حماية ما يسمى قوات “التحالف”، والميليشيات العميلة لها، بين قريتي خَشام والطابية، في ريف دير الزور الشمالي الشرقي.. حيث قامت الطائرات الأميركية، باستهداف قوات شعبية، كانت في حالة اشتباك مع عناصر تنظيم “داعش”الإرهابي، ما تسبب بوقوع عشرات الشهداء والجرحى من هذه القوات، وإلحاق أضرار كبيرة بالمنطقة.
إن هذا العدوان، يكشف مرة أخرى، وبما لا يدع مجالاً للشك، الوظيفة الحقيقية لهذا التحالف، والدور الذي تلعبه واشنطن، في دعم تنظيم داعش الإرهابي، كما فعلت سابقا، عندما استهدفت، بهجمات جوية، مواقعَ الجيش العربي السوري في جبل الثَّرْدَة قرب دير الزور بتاريخ 17-9-2016-ومكنت بذلك تنظيم داعش الإرهابي من التقدم، واحتلال تلك المواقع.. ناهيك عن تدمير هذا التحالف المتعمَّد، لنحو 90 بالمئة من مدينة الرقة السورية، بموجب تقارير الأمم المتحدة، تحت ذرائع كاذبة، حيث مازال المدنيون الأبرياء تحت ركام المدينة المهدمة. إضافة إلى استهداف البُنى التحتية السورية في محافظات أخرى دون رحمة، أو وجود أيّ مبرر.”./انتهى الاقتباس من البيان. إن الكل يدرك أن التحالف الأميركي- الصهيوني مع الأكراد، كان وما يزال لإحداث انفصال، وتكوين دولة على حساب دول في المنطقة، يحركها الأميركيون والصهاينة كما يشاؤون، ويستهدفون من خلالها أمن المنطقة ودولها، ويزرعون هناك قواعدهم، وينهبون خيرات المنطقة وثرواتها، لا سيما النفطية منها، ويقيمون مواقع استراتيجية.. وقد كان ذلك الهدف أكثر من واضح، ومعلن تماماً، لا سيما من جانب الأحزاب والقوات الكردية التي تخوض الحرب تحت الراية الأميركية.. ولم يكن”قتال الأكراد”، بدعم أميركي – إسرائيلي تام، وتسليح متطور وشامل، وتدريب مستمر، إلا لتفريغ الأرض في شرق الفرات وشمال سورية، من سكانها العرب والتركمان وسواهم، بهدف إقامة كيان كردي خاص، انفصالي، على حساب سورية، بوصفه جزءاً من مشروع أوسع، لاحظنا كيف “رفع رأسه في العراق، “لكنه فشل هناك، وذاك فشل مؤقت، فالعمل مستمر لإقامة دولة على حساب دول المنطقة.. والتركيز الآن على سورية، حيث تبدو حلقة ضعيفة الآن، بعد كل ويلات الحرب فيها.
الأميركيون يريدون إدارة الصراع حتى نهاية المنطقة كلها، وهم لا يريدون أن تقف الحرب في سورية، ويعملون على تقسيم هذه البلاد.. والروس يعرفون ذلك، وقد قال الوزير لافروف في ٧/٢/٢٠١٨:”يبدو جلياً، أن الأميركيين اعتمدوا طريقة لتقسيم هذه الدولة-أي سورية – ولذلك نكثوا بالعهود التي قطعوها لنا، بأن هدف تواجدهم الوحيد في سوريا، هو هزيمة داعش.. لكن الأميركيين راحوا يعلنون في الآونة الأخيرة، أن تواجدهم في سوريا سيستمر، حتى يتأكدوا من بدء عملية التسوية السياسية، التي يجب أن تنتهي بتغيير النظام في دمشق… توجد خطط للتقسيم الفعلي لسوريا، ونحن نعلم ذلك، وسنسأل الزملاء الأميركيين: كيف يتصورون ذلك”؟!./عن الوكالة باسم إدوارد سافين -انتهى المقتبس من كلام الوزير لافروف.. ونتوقف، شبه ذاهلين، عند الجملة الأخيرة، أو صيغة السؤال الذي سيطرحه الروس على الأميركيين:”كيف يتصورون ذلك”؟! ولمن يريد أن يقرأ في هذه الجملة قراءات متعددة، سيجد بغيته، وربما يجد ما يحيّره. إن روسيا تعترض على تقسيم سورية، ولها تعاطف مع الأكراد وربما مع مشروعهم، ولكن بحدود أدنى مما يريدون .. وهي لا تملك كل شيئ، وعليها أن تراعي حلفاء، وهناك “شركاء سياسيين لها على الأرض؟!”، إنها تحتج، وتستخدم حق النقض “الفيتو”بوجه أولئك الشركاء، وهم يَحتَجُّون عليها.. وكل منهم لا يستغني عن التعاون مع الآخر.. فالعالم واسع، والمشكلات والمصالح والمسؤوليات متشابكة، ومتداخلة.. ولا يريد أيٌّ من العملاقين، كما لا يريد أحد في المنطقة أو في العالم، أن يتصادما بغير الكلام.. ولكن أين الحل، وأين نحن في هذه الدوامة التي يسيل فيها دمنا، كلما كان اختلاف، وأينما كانت لتلك القوى الكبري مصالح متضادة، وصراعات، واستراتيجيات على مستوى إقليمي وعالمي.؟!
العدوان الأميركي الذي جرى شرق نهر الفُرات، كانت روسيا على اطلاع به قبل بدئه، وفي أثنائه، وبعده.. كما قال الأميركيون، لم يُمنَع حدوثه.. والعدوان الإسرائيلي المستمر على سورية، لا يتم ردعه، ولا شجبه، وربما كان ضمن تفاصيل التنسيق المعلن، بحيث لا تصطدم قوة روسية مع قوة جوية “إسرائيلية”، أو أميركية.. والكل يحترم تعهداته، ويعمل لتحقيق أهدافه، ورعاية مصالحه.. على حساب حياتنا، ودمنا، ومصالحنا، ومستقبلنا.. ونحن، الجرح والسكين، والضحية وأذرع الجِلَاد، وليس الجَلَّاد.. لا نكاد نملك من أمرنا شيئاً يذكر؟!ومجلس الأمن الدولي لا أمن ولا سلم.. بئرٌ مُعَطَّلة، وقصرٌ مَشيد.. فمن نحن، وأين نحن، وكيف نصد عنا العدوان، وتقسيم بلادنا، والصراعات الدولية بنا، وفي أرضنا، تلك التي يدفع ثمنها شعبنا ووطننا؟!وكيف الخلاص من وباء سياسات تفتك بالأبرياء وبالشعوب والبلدان، فتك الوباء؟!
في الطرف الغربي من بلاد الشام الكُبرى، في لبنان، تهديد صهيوني جديد، لسنا بمعزل عنه، ولن نكون. ولكن: تُرى من نكون فيه؟!وهو صراع مع عدونا، ومن يستهدفنا جميعاً منذ عقود طويلة من الزمن؟!.. العدو الصهيوني يبني “غيتو”في أرضنا، وهو لا يستطيع أن يعيش إلا في غيتو.. لكن ذاك في أرضنا، يتم على حسابنا، ويستهدفنا، ويحاصرنا بشكل ما، بوصفنا أصحاب أرض، وحق، وقضية.. ليس الجدار الصهيوني، بطول ستة أمتار، وعلى امتداد الحدود، كما هو مرسوم له، ليس هو فقط ما يستهدف لبنان، بل هناك مصالح وثروات، إضافة للتهديد، وقضم الأرض فالمنطقة المُسماة “التاسعة”في البحر الأبيض المتوسط، هي حقول نفط وغاز، يريد كيان الإرهاب العنصري الصهيوني الاستحواذ عليها، ليستثمر فيها.. وهي من حق لبنان، في المياه الإقليمية المقابلة لحدوده.. وقد قرر الدفاع عن مصالحه، وعن أرضه التي يريد العدو المحتل أن يقيم فيها الجدار العنصري.. ولأول مرة يتفق اللبنانيون كلهم، على مواجهة أطماع “إسرائيل”، من دون هوامش اختلاف فيما بينهم.. والعدو يستنفر قواه، وقد تقع الحرب.. وقد قام الإرهابي نتنياهو، وبعض أركان “دولته”، بجولة استفزازية في المنطقة الحدودية، قال في ختامها، مهدِّداً:”نحن مستعدون لكل سيناريو، وأنا لا أقترح على أحد أن يجربنا. أثار انطباعي جداً العمل الكبير الذي يقوم به الجيش الإسرائيلي هنا، لحماية حدودنا وحماية دولتنا”.. وقال الوزير اسرائيل كاتس في ختام الجولة “.. الجيش الإسرائيلي جاهز جداً للمهام، وفي حالة المواجهة، سيضرب حزب الله ضربة قاضية، ولبنان كله سيهدَّم، وسيعود سنوات عديدة إلى الوراء”.. ومما يتذرع به الصهاينة، مما قاله نتنياهو، ويروجونه عالمياً، لتسويغ العدوان:”.. يوجد في لبنان مصانع للصواريخ الدقيقة تهدد إسرائيل في مراحل الإنشاء. وتهديد السلاح الدقيق من لبنان هو تهديد خطير، ليست دولة إسرائيل مستعدة لأن تقبل به.”/المصدر السياسي-العدد ٨٩٠٢ في -٧/٢/٢٠١٨//.. فما الذي سيكون عليه الموقف، في سورية حال وقوع العدوان، والجولان مستَهدف، وقسم منه محتل، وسورية جار لبنان، تتأثر بما يجري فيه، ويتأثر بما يجري فيها، وقد تحقق ذلك، وتأكد، على مدى زمن الصراع العربي -الصهيوني، بالتزامن، والتبادل.. فكل من القطرين بعدٌ استراتيجيّ واجتماعيّ للآخر، والجرح هناك جرح هنا، والعدو واحد، والاستهداف للقطرين، شئنا أم أبينا، إذ لا فصل بينهما بالمعنى التام..؟!إن العالم المنافق، وذاك المتحالف مع “إسرائيل”، والمتعاطف معها، وعلى رأس دوله الولايات المتحدة الأميركية، برئاسة ترامب، ومن خلفه نائبه الصهيوني العنصري مايكل بينيس.. لن يرى تهديد “إسرائيل”، ولا جرائمها، ولا تهديدها المكشوف الموصوف المُعلَن.. وسيقول، كالعادة:”من حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها”؟!ولن يرى، وحتى لن يسأل نفسه مجرد سؤال، شأنه في ذلك شأن المعتدي الإرهابي الصهيوني ذاته، ذاك الذي لا يرى في كل معامل السلاح بأنواعه،والمفاعلات النووية، والأسلحة النووية والكيمياوية والجرثومية الموجودة في كيان العدوان والإرهاب “إسرائيل”.. لا يرى فيها، ولا في تطويرها واستخدامها، خطراً على الآخرين في المنطقة، فهم “عرب ومسلمون؟!”.. هكذا يفكر، ويعمل، ويقدر، العقل العنصري الإجرامي، لا سيما الصهيوني منه ، الذي هو الإرهاب الخالص ، والعدوان المحض ، الذي يتفتق عن أنواع من الذرائع ، والأساليب ، والممارسات ، ليرتكب الإبادة الجماعية ، وجرائم الحرب ، وكل الفظاعات بوحشية موصوفة.. وهو مطمئن ، حيث يشعر بأنه محميّ، وأنه فوق المساءلة والقانون.؟!
إن كل ذلك الوضع الذي نحن فيه، والذي نشرف عليه، ويقترب منا خطره الأشد، مما شهدناه من الشدائد.. ينبغى أن نضعه أمام أنظارنا ونفكر بكيفية مواجهته، والخروج من كوارثه.. وتلك مسؤولية الجميع، لكنها مسؤولية المسؤولين، بالدرجة الأولى، فأهل الدم يُسألون، قبل غيرهم، وأكثر من غيرهم، عن الدم.

إلى الأعلى