الخميس 15 نوفمبر 2018 م - ٧ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / قضايا / الإعلام العربي في محنة
الإعلام العربي في محنة

الإعلام العربي في محنة

أيمن حسين
مراسل الوطن

- الأجهزة الإعلامية تئن بين فكي “الحوكمة” والاستثمار”
- الفضائيات العربية “تتقزم” أمام رؤوس الأموال.. والإعلام الغربي “يتعملق”
- هبوط تأثير الإعلام الرسمي “نذير شؤم” أمام ذيوع صيت الإعلام متعدد الجنسيات

مقدمة:
في ظل التحديات التي تواجه الوطن العربي يحتاج الأمر إلى الإعلام الرسمي والحكومي بجانب الإعلام العربي الخاص لتوضيح حقيقة الأوضاع بالمنطقة بعيداً عن مزايدات الإعلام الغربي والإسرائيلي الزائف، ولا ينبغي أن نناقش قضية الإعلام العربي بعيداً عن أزمة سيطرة رأس المال على صناعة الإعلام في هذه المؤسسات العريقة التي لعبت دوراً كبيراً وتاريخياً طويلاً في الثقافة العربية بدءاً بالإذاعة ودورها العتيق وانتهاءً بالتليفزيونات الوطنية في عصرها الذهبي.

//صناعة الإعلام:
لا يمكن أن نختلف على أن الإعلام العربي يواجه محنة قاسية أمام متغيرات حادة جعلت الإعلام الغربي يتصدر أهم المقومات التي يقوم عليها بناء الدولة الحديثة وتلك معضلة أمام توجيه وصناعة القرارات وحشدها جماهيريا بأبواق الإعلام.
لقد أصبح الإعلام صاحب الدور الأكبر في صناعة القرار ووعي الشعوب وصناعة الأزمات ابتداء بكل أشكال الديكتاتورية وانتهاء بالثورات وتوابعها ورفض الاستعمار ودحره. وكان الإعلام العربي خاصة المصري الحكومي لفترات طويلة هو القوة الضاربة في العالم العربي ولم تكن هناك مراكز إعلامية منافسة لمصر في المنطقة كلها. وكانت الإذاعة المصرية صاحبة الدور الأكبر في تقديم الثقافة الجادة والفكر المتحرر والوعي المتجدد بل إنها كانت وراء انطلاق ثورات التحرر في كل الدول العربية بل الإفريقية من خلال الإذاعات الموجهة وإذاعة صوت العرب. ومن القاهرة انطلق الفن المصري يبني الوجدان العربي بالفن الراقي والإبداع الجميل بما في ذلك الغناء والسينما والمسرح والفكر والدين عبر النهج الصحيح من خلال رموز مصرية أدركت دورها ومسئوليتها بعيدا عن المزايدات والتشدد، وانتقلت بالتبعية إلى صور شتى من الإعلام العربي.

//نهضة عربية:
كان الإعلام العربي هو الكتيبة التي حملت دعوات القومية وقضايا التحرر الوطني والأمن القومي ونهضة الشعوب تزامنا مع نجاح انتفاضات أثمرت عن رحيل الاستعمار البغيض، ولا بد أن نعترف أن الإعلام المصري على وجه الخصوص قام بهذه المهمة بكفاءة نادرة واستطاع أن يجعل من صوت مصر صوتا لكل دعاة الحرية والأمن والكرامة.
كان هذا هو حال مؤسسات الإعلام العربي لفترات طويلة ومن هذه المباني الحكومية التابعة لوزارات الإعلام تخرجت أجيال من الإعلاميين في كل المجالات أمام تيارات من الوعي نهضت بهذه الأمة وحررتها من عصور الجهل والتخلف إلا أن الأشياء تغيرت أمام واقع جديد فرض نفسه حين فرطت الدول في هذه الأجهزة الخطيرة وتركتها تعاني ظروفا صعبة وقاسية رغم ثورة البترول التي خرجت كيانات إعلامية منافسة في أكثر من دولة عربية فرضت واقعا ماديا واقتصاديا وإعلاميا جديدا خاصا وانطلقت هذه الكيانات مع إمكانات مالية ضخمة غيرت تماما منظومة وخريطة القواعد والقيم في دنيا الإعلام حيث سيطر رأس المال على غالبية المؤسسات الإعلامية العربية وأصبح المال هدفا ولم تعد الرسالة الإعلامية أو الفكرية هي الهدف. ولكن السياسة بدأت تحرك كل شيء ومع سطوة المال وتحول الإعلام إلى تجارة زادت حدة المنافسة ليس من أجل تقديم إعلام أفضل ولكن من أجل نفوذ وأدوار أكبر.

//أموال مشبوهة:
كان رأس المال الغربي هو أقرب الطرق إلى استقطاب المواهب الإعلامية خاصة بالمنطقة العربية ولم يكن أمام الكيانات الجديدة الصاعدة غير أن تتجه إلى المؤسسات الإعلامية العربية العريقة لتستعين بها في كل مشروعاتها الجديدة وهنا خرجت حشود كبيرة من الإعلاميين العرب أمام إغراءات مالية رهيبة سرعان ما انتقلت معها حشود الفن العربي إلي الغرب ويومها بدأت رحلة الفنون التجارية ابتداء بسينما المقاولات المطموسة المعالم وانتهاء بسوق الغناء الخارج عن المألوف والقيم وما شهده من تغيرات حادة كلاما ولحنا وأصواتا وانتشارا. وكان غياب وانسحاب العنصر البشرى أهم وأخطر الخسائر التي تعرض لها الإعلام والفن العربي القومي والوطني. وبعد أن اتسعت دوائر الإعلام في العالم في ظل أرصدة ضخمة من الأموال الغربية بدأ القطاع الخاص العربي يتجه إلى هذا النوع من الأنشطة الإنتاجية وبدأ تجاربه ببطء شديد ولكن سرعان ما توسع في أنشطته ومجالاته ولم ينس أن يصطحب معه حشود الفنانين ليقدم صورة جديدة في الفن والإنتاج على أسس تجارية وليس إبداعية وهنا كانت هوجة المسلسلات التي بدأت على استحياء ثم تطورت لتصبح تجارة رائجة وأخذت معها الإنتاج السينمائي وكانت المفاجأة الأكبر هي حالة من الاندماج بين الإنتاج المصري والإنتاج العربي وفى هذه الفترة شهدت أسواق الفن تعاونا غير محدود في مجالات الإعلام والفن بما في ذلك الغناء والمسلسلات والبرامج وقد سيطرت لغة المال على كل هذه الأنشطة.

//رصيد الوعي:
وسحبت كل هذه الكيانات الجديدة المصرية الخاصة والعربية الكثير من رصيد الفنون والإعلام الأصيل والرصين بكل تاريخه وإنتاجه وقواه البشرية وقبل هذا كله شجعت آلة الإعلام الصهيونية على اختلال منظومة القيم التي كان يقوم عليها الإعلام والفن من حيث الهدف والرسالة ودرجة الوعي والمسئولية ومع هذا التحول ظهرت وسائل إعلام غربية تحمل أهدافا سياسية نجح بعضها في تغيير الكثير من الأفكار والقيم والمبادئ خاصة القنوات الإخبارية المغرضة التي لعبت دورا سيئا للغاية في تشويه منظومة الإعلام الرسالة والهدف أمام رصيد من الأموال الأجنبية المشبوهة .
وأمام منافسة ضارية ابتداء بالأموال وانتهاء بالتكنولوجيا الغربية ودرجة التطور وقبل هذا كله بالقوة البشرية التي صنعها الإعلام العربي القديم هاجرت الكوادر الوطنية تزامنا مع رحلة التراجع وأصبح الإعلام العربي يواجه تحديات ضخمة في الإنتاج والقوى العاملة وحجم الإنفاق لأنه لا يستطيع أن يجارى الكيانات الغربية والأجنبية والإسرائيلية المنافسة التي تملك الملايين من الدولارات ولديها قدرات غير عادية في شراء البشر بالمال.

//الإعلام الحكومي:
لم يكن الإعلام العربي ـ في العموم ـ قادرا على توفير الأموال التي تمنحه القدرة على المنافسة ولم يكن قادرا على استعادة قواه البشرية التي رحلت وفى نفس الوقت تشكلت كيانات غربية وأميركية وأجنبية ضخمة استطاعت أن تفرض سيطرتها على سوق الفن والإعلام والتوزيع وهنا بدأت رحلة الخسائر والديون وتراكم العناصر البشرية في الإعلام العربي خاصة الحكومي ومثال على ذلك ماسبيرو في قلب القاهرة.
إنه من الضروري أن تسعى الدول العربية لإنقاذ إعلامها قبل أن يزداد حجم خسائرها ونكساتها فيه دون طائل ويتضاعف حجم إنفاقها دون عائد خاصة أن الإعلام الحكومي العربي يقدم خدمات لقطاعات مهمة مثل الصحة والتعليم والثقافة والرياضة والمرور وكان ينبغي أن تتحمل هذه الخدمات جزءا من الأعباء المفروضة على مباني الإعلام العربي كـ(ماسبيرو) في قلب هوليود الشرق.
إن الأخطر من ذلك أن غالبية الدول العربية تركت الإعلام الحكومي غارقا في أزماته ولم تحاول أن تمد له يد الإنقاذ وذهبت في طريق آخر تماما لإنشاء مؤسسات إعلامية بديلة دفعت فيها مليارات الدولارات ولم تنجح هذه المؤسسات الجديدة في أن تكون البديل المناسب لغياب الإعلام الرسمي وكانت هناك دعوات مغرضة لبيع المباني الحكومية الإعلامية في بعض البلدان العربية.

//كنوز غارقة:
إن كنوز مباني الإعلام الرسمي العربي كـ (ماسبيرو) لا تقدر بثمن ويكفي أن نتحدث عن مكاتب الإذاعة في عشرات السنين وما تحتويه من البرامج والتسجيلات واللقاءات مع رموز الثقافة المصرية والعربية في عصرها الذهبي حيث إن رصيد الإذاعة المصرية لا يوجد في أي مكان آخر في الفن والفكر والإبداع.
وبجانب الإذاعة هناك مكاتب التليفزيونات العربية وماسبيرو المصري وهي تضم أعدادا كبيرة من الأعمال الفنية في المسرح والسينما والغناء والأحداث السياسية الضخمة واللقاءات الدولية والأنشطة الرياضية والتاريخ والشخصيات وهذه الثروة لا تقدر بثمن ويمكن أن تكون استثمارا في أنشطة مهمة. ومن الممكن أن يتم صياغة تعاون مثمر بين الإعلام الرسمي العربي والإعلام الخاص بكل ما لدى الإعلام الحكومي بالمنطقة من الكنوز مع الفضائيات الخاصة بحيث تستعين هذه القنوات بما لدى التليفزيونات العربية من كنوز تاريخية وفي نفس الوقت تقدم له ما لديها من الأعمال الجديدة بل إن إنتاج أعمال وبرامج مشتركة يمكن أن يحقق نتائج طيبة.

//أزمات واضحة:
إن أزمة الإعلام الرسمي العربي وأزمة ماسبيرو في قلب القاهرة الآن لا تنفصل أبداً عن أزمة الإعلام بالمنطقة من هول الإعلام الأجنبي والأميركي القادم بقوة من حيث الدور والمسئولية وعلى الدول العربية أن تحاول إنقاذ صروحها الكبيرة ابتداء بقضية تسوية الأوضاع وانتهاء بأزمات القوى العاملة ولكن قبل هذا كله فإن الإعلام الحكومي بالمنطقة يحتاج إلى نهضة كاملة يستعيد فيها دوره وتأثيره ونفوذه وقد بدأ بالفعل يمضى في هذا الطريق وهذا يتطلب عملية تحديث لإمكانيات المباني العتيقة في كل شيء ابتداء بالإستديوهات وانتهاء بالقدرات البشرية.

//الخلاصة:
رغم وجود مئات الفضائيات والإذاعات العربية فإن الإعلام الغربي والأميركي يطغي ويفتقد الدور والمسئولية لكنه ذو تأثير ملموس على شعوب ومجتمعات الوطن العربي بشكل مريب وخطير وهذا يتزامن للأسف الشديد مع فشل الإعلام الرسمي والخاص العربي في أن يكون البديل بل إن الإعلام الخاص بالمنطقة يمارس الآن أدوارا سلبية شوهت الكثير من الصور وكانت وراء الكثير من الأزمات ولهذا فإن أي دعوة للتفريط في الإعلام الحكومي العربي خاصة ماسبيرو دعوة مغرضة والحل أن تنقذ هذه الكيانات العريقة لأن الإعلام المصري والعربي عانى كثيرا من المحن في ظل تراجع دوره أمام طوفان الأمركة والإعلام الغربي والإسرائيلي.

إلى الأعلى