الثلاثاء 12 نوفمبر 2019 م - ١٥ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: احتلال إلى الأبد

باختصار: احتلال إلى الأبد

زهير ماجد

كثيرة هي المصطلحات الدبلوماسية والسياسية التي يفهمها الدبلوماسيون والسياسيون المحترفون ويعلمون بها أو تكون عونا لبصيرتهم. فماذا بالتالي يفهم من تصريح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف من أن الأميركي في شمال سوريا قد يبقى إلى الأبد.
هل هي تحريض؟ أو تخويف؟ أم إنذار؟ أم ماذا؟ .. وهل يمكن لمسؤول دولة بحجم روسيا أن يقول كلاما يريد من خلاله إيصال رسالة إلى من يهمه الأمر، أو تقديم قراءة محملة بالعناوين.
جملة لافروف قراءة في واقع موجود .. لكنه قفزة إلى أمام، للاطلالة على ما قد يحصل وتعبئة المناخ اللازم ضده. لا يمكن لهذا المسؤول الكبير والعارف والذي يجلس فوق كنز من المعلومات التي لا تتوقف أن يقول الكلام عبثا أو هوائيا.
قد يرى المسؤول الروسي أن خطط الأميركي في شمال سوريا تقرأ بهذا الاستنتاج .. لا بد بالتالي من رفع وتيرة الإنذار منها السياسي ومنها العسكري، ومنها توجيه الكلام المباشر للأميركي..
اللافت أن أحد سياسيي تركيا ويدعى دولة بهشتلي حذر الأميركي من أن فيتنام جديدة تنتظرهم في سوريا (طبعا ينسى أن قوات تركية تحتل أراضي سورية أيضا) .. وهذا مثير بحد ذاته.
القيادة السورية الواعية تماما للوجود الأميركي على أراضيها، أدهى من أن تقول الآن ما سوف يتم فعله في مواجهة هذا الوجود الاحتلالي. لكنها بالتأكيد حاضرة تماما لإقرار التعامل الطبيعي معه، ولا شك أن الأميركي المجرب والخبير بردود فعل الدول على احتلاله لأراضيها، تعد العدة للصراع من أجل الوجود إن هو بقي إلى الأبد كما يعتقد الروسي أو هي مرحلة لها ما لها في آفاقها القريبة والبعيدة.
في كل الأحوال، نحن أمام صمت له عيون بصاصة، وعقل مدبر وقرارات جريئة من قبل القيادة السورية، ومثلما خاضت حربا لا هوادة فيها كل تلك السنين، ومرت بكل المخاطر والتعقيدات، ولا بد أن نقرأ يوما مذكرات حولها وعنها مما يثير العجب، فهي مستعدة لخوض الجزء الأخطر من المؤامرة على سوريا بما تتطلبه مرحلتها من صراع خاص، قد يكون شكلا من حرب فيتنامية كما يقول المسؤول التركي.
المسرح يتحضر للصراع المقبل مع الأميركي .. وفي حساب بسيط لمتطلباته، سوف يثبت أن تجربة المقاومة العراقية كانت أرقى ما مثل مرحلة الصراع ضده. فهل مثلا استفاد الأميركي من تلك المرحلة ووضع لها مضاداتها؟ أم أن الحرب ضده مهما كان متنبها لها وعاقدا العزم على خوضها ستظل مفاجآتها غير محسوبة في حساباته، وبالتالي عليه أن يتحمل ما سوف ينتج من أشكال صادمة بوجهه.
أحد الفاهمين لطبيعة الحرب على سوريا، أكد أن في الحسابات الدقيقة لها، وضعنا دائما في الاعتبار تصورا لما قد يقدم عليه الأميركي الذي لن يخرج من سوريا إلا وله حصته الأبرز والأكبر، إضافة إلى تأمينه شروط إسرائيل أيضا. يضيف لقد توقعنا ردود الفعل الأميركية ضمن حساباتنا، وها قد قدم لنا ما توقعناه وعبر خيار كردي نعرف أنه تم فرضه بالقوة على الأكراد الذين يعرفون ما يسعى إليه الأميركي من مصالح خاصة، سوف يرميهم بعدها عند تحقيقها.
جملة لافروف إذن لم تقل في فراغ، هي استباق لحركة في تاريخ صراع طويل .. بل هي مقدمة لافتراض ما قد يجب التهيؤ له في حال كان في رأس الأميركي جنون البقاء إلى الأبد.

إلى الأعلى