الثلاثاء 26 مارس 2019 م - ١٩ رجب ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / من شرفة محطة الرمل

من شرفة محطة الرمل

إهداء إلى :
الفتاة التي كانت تبيع حقائب الأجهزة الإلكترونية في محل متواضع في سموحة وكانت تردد لمن يدخل المحل أنها ترغب عميقاً في الانضمام للقوات المسلحة.
سائق “أوبر “الذي قال: أن ريا وسكينة تم تشويه قصتهما من قبل الدراما وأن واقعها يختلف تماماً عن ما تحكيه المسلسلات وأن بيتهما في المدينة مازال قائماً!
الشخص الذي أخبرني أن مطعم ” قدورة” الشهير غالي جداً لدرجة قد لا أملك ثمن قيمة فاتورته !
قلبي الذي قادني بحثاً عن تفاصيل ذاكرة لا تعنيني في هـذه المدينة.

إن تقرر السفر قبل سويعات من موعد سفرك، هذا ليس بالشيء الجديد أو الغريب على من اعتادوا أن يسافروا بمفردهم كثيراً، فكل ما تحتاجه لتفعل ذلك هو كتابة قائمة محددة بمستلزمات حقيبة السفر محفوظة في برنامج “نوت” في هاتفك لتسخدمها في كل مرة تقرر السفر المفاجيء، فالقائمة نفسها هي أساس احتياجاتك في كل سفر مع مراعاة احتياجات الفصول.
وعدا ذلك فهي لم تكن المرة الأولى التي أزور فيها مدينة الإسكندرية،فقد زرتها مرتان قبل ذلك في أعوام متباعدة،لكنها المرة الأولى التي اقصدها في ذهابي لمصر فقد غادرت بلدي وأنا لا أود أن أقضي في القاهرة غير ليلتين أزور فيهما معارفي هناك ثم اتجه إلى عروس البحر الأبيض المتوسط،طبعاً بلا خطط ولابرنامج للرحلة تم تحضيره فقط عبارة واحدة سمعتها تتكرر كثيراً من مصريين وعرب تتلخص في أنه لايوجد شتاء بجمال شتاء الإسكندرية، وإن هـذه المدينة شتاءها أكثر جمالاً من صيفها الذي يجعل شهرتها تفوق الوصف كمصيف.
ولأنها لم تكن الزيارة الأولى للإسكندرية،فأنا اتذكر أن المرة الأولي كانت في عام ٢٠١٠م عبر الذهاب بالقطار من محطة مصر في القاهرة إلى محطة سيدي جابر في الإسكندرية يوم أن أغرتني فكرة أن القطار يمر على عدد من المدن التي قد سمعت أسمائها في المسلسلات المصرية ومنها دمنهور وطنطا ! طبعاً كل ما حظيت برؤيته هو لافتات بأسماء تلك المدن في المحطات التي مررنا بها وبشر يتدافعون لركوب القطار فور توقفه في قراهم،وتلك المرأة التي كانت تهتم ببطاتها وتنتظر أمام المحطة،كأنها لاتنتظر قدوم القطار بل تستوطن في ذلك المكان منتظرة أن تبيع بطاتها ثم تبتاع بثمنها الطعام لأبنائها الذين ينتظرون مقدمها للبيت في كل مساء! هكـذا قالت لي خيالاتي الدرامية يومها رغم السؤال الذي ألح طويلاً: من هذا الذي سيشتري بطة حية تزعجه بصوتها الحاد وهو يستقل قطاراً أو يغادره ؟!
تلك الرحلة كانت مزدحمة بالوجوه والتفاصيل والأصوات،ومثلي لا يطيق زحمة الأصوات العالية،والعشوائية التي حاصرتني في كل دخول للركاب المنتظرين لساعات طويلة لعربة القطار،ورغم أني يومها سافرت في كراسي الدرجة الأولى لكني لا أنسى زحمة الدخول للمحطة والخروج منها مع حقيبة سفري وخوفي من حوادث السرقات التي كادت أن تحدث معي عدة مرات لولا ستر الله وهذا يحدث كثيراُ في أغلب دول العالم المزدحمة، كما أني قد أصبحت أقلق من الحوادث المتكررة للقطارات لـذا جاءت المرة الثانية التي فكرت في الذهاب ليوم واحد عبر استئجار سيارة أجرة تذهب بي للإسكندرية وتعود بي في ذات اليوم، قلت لنفسي : سأكل وجبة سمك من أحد المطاعم المصطفة بسلام على كورنيش الإسكندرية وأشتم رائحة البحر ثم أعود قبل الليل وقد كان.
هذه المرة والتي تعد الثالثة صحوت من نومي في القاهرة في غرفتي رقم ٣٦٣٤ في فندق جراند نايل تاور المطلة على النيل بإطلالة ساحرة تجعلك لا تود مغادرة الفندق، جهزت حقيبة سفري وأنهيت اجراءات المغادرة وطلبت سيارة أجرة من شركة “أوبر” تلك الخدمة التي أصبحت استمتع باستخدامها في كل مرة أذهب لمصر حيث أن السائق لا يتحدث معك نهائياً إلا إذا سألته عن شيء ما ولا يتحكم في الأسعار بناءً على تقديره لدرجة ثرائك أو مستوى الجهة التي تقصدها أو التي خرجت منها أو جنسيتك،هو فقط يفعًل العداد في التطبيق ثم يخبرك بهدوء في نهاية رحلتك قيمة الرحلة بناءً على مايظهر في العداد فتنقده حقه وتنصرف وتقيمه إن وددت ذلك في تطبيق Uber بإعطائه خمس نجوم أو أقل بحسب رضاك عن خدمته.
وصلت سيارة الأجرة وانطلقت إلى الإسكندرية وفي يدي رواية أعتزم انهائها في الطريق، وبعد ساعتين ونصف وصلت للإسكندرية ودفعت للسائق ما يعادل 15 ريالاً عمانياً ووجدتني في فندق جميل حجزته قبل وصولي بساعة عبر موقع “بوكنج”، وقد حجزته اعتماداً على صوره ومنطقية سعره وعدد نجومه فمن تجارب السفر الكثيرة تعلمت أن لا أحجز في فندق تقل نجومه عن ٤ ولذلك أسباب قد أسردها يوماً.
كنت قلقة من أن يصدمني وضع الفندق ويحيل تجربتي في الإسكندرية إلى خيبة لا استطيع الحديث عنها وأنا التي جئت لأستمتع وأتخفف من كل الضغوط الحياتية، لكنني عندما وصلت ورأيت موقع الفندق وشكله وغرفتي قلت لنفسي: للمرة الأولى أشعر أن حظي جميل جداً، فقد كان الفندق يطل على محطة الرمل التي تضم بين جنباتها ترام “القطارات التي تنقل الركاب في منطقة مركز المدينة” كذلك كانت المحلات تحيط بالفندق من كل الاتجاهات، بالإضافة إلى البحر الذي يحتاج منك خمس دقائق مشي حتى تجد نفسك تشتم عليل احتضانه، كل شيء كان جميلاً لدرجة سألت نفسي : هل هنالك من دعا لي يومها بالتوفيق؟
الفندق كان مبنياً على النمط اليوناني وكل غرفة من غرفه تشعرك أنك مقيم في أحد القصور الكلاسيكية الفخمة التي شاهدتها في المسلسلات المصرية التي تتناول مرحلة الحكم الملكي في مصر، وأكمل المشهد ذلك المصعد الكلاسيكي البسيط الذي لابد أن تغلق بابه الحديدي حتى يطير بك إلى الأعلى وهنا كانت صدمتي الأولى عندما ضغطت على أزراره عدة مرات و لم يستجب حتى عرفت بعدها أن بابه الحديدي المفتوح هو من يعيقه ليقوم بعمله ! كل ذلك كانت تفاصيل لم أشاهدها من قبل ولا حتى في أحسن حالات خيالاتي !
شكل الفندق اليوناني الذي حقق لي حلماً بنوافـذه التي تحتوى على شرفات يغلقها ” شيش ” أزرق من الخارج رأيته كثيراً في المسلسلات المصرية المصورة في حارات شعبية وحلمت أن أعيش في شقة فيها شرفة مماثلة وقد كان أن حقق لي هذا الفندق حلمي!

لم ألحق أن أغلق عيناي من الدهشة والسعادة حتى سمعت صوت أم كلثوم يتسرب لشرفتي من شرفة مجاورة وكأن أحدهم قد قرر أن يتحايل على الإزعاج المتواصل المنبعث من أبواق السيارات بأن يسمع صوتاً عذباً يقربه لروحه.
كل شيء كان مبهراً لدرجة أني وددت أن أقضي كل إجازتي مطلة على الحياة من شرفة غرفة ٣١٨ في الفندق لكن فضولي لمعرفة المدينة التي قرأت عنها في روايات كثيرة آخرها رواية يهود الإسكندرية لمصطفى نصر دفعتني لوداع الشرفة والمشي خارج الفندق والفرحة تملأ قلبي كأني وجدت مدينة أحلامي!
كنت أقف مبهورة أمام تفاصيل المكان ورائحة البحر المنسابة بالقرب من شارع سعد زغلول وفي غمرة سرحاني في البشر ومحاولة عدم إظهار أني سائحة بدأ المطر يهطل وكان ذلك أقصى ما قد أتمناه كي يكتمل مشهد المدينة التي حلمت بأن أكون يوماً جزءًا من لوحة شتائها غير المتكرر.
شاهدت البشر يبحثون عن أسقف تحميهم من انسكاب المطر الذي يطلقون عليه الشتاء حيث يقولون عندما تمطر “شتت السماء ” باللهجة الإسكندرانية الجميلة، وحدي أنا الخارجة من نوبة زكام حادة أفقدتني صوتي لم أكن أكترث بالبلل جراء تدفق المطر ولا بنظرة الآخرين المستهجنة لمواصلة المشي مع غزارة المطر وكأني لا تعنيني صحتي ولا معطفي المبلل ولا شيء آخر غير سعادتي وقدري الذي ساقني للمدينة في هذا اليوم.
خلال وجودي في الإسكندرية الذي امتد لخمسة أيام لم تتوقف السماء مساءً وظهراً عن هداياها المتمثل في مطر عذب تود أن لا يغادرك تدفقه، كنت أمشي وكأني أتوق لجو مثل هذا منذ زمن، وفي غمرة كل هذا زرت أماكن كثيرة في المدينة مثل المعمورة والمنتزه وأبوقير والمندرة وتوقفت لاشتري الاكسسوارات النحاسية المعدة في مصانع مصرية من سوق “زنقة الستات” الضيق جداً والذي قد لا يتسع لمرور أكثر من شخصين متجاورين في نفس اللحظة.
تعلمت كلمات اسكندرانية كثيرة من شاكلة “ايووووه ياجدعان” واستخدامهم كلمة فلافل بدلاً من طعمية المستخدمة في القاهرة وطماطم بدلاً من “أوطة” القاهرية وطريقة نطق الأفعال الماضية بعد ضمير المتكلم والتي غالباً يتم فتحها في آخر الكلمة بدلاً من ضمها كما هي القاعدة في اللغة العربية.
زرت مطاعم أسماك كثيرة وتناولت أسماكاً بمختلف الأشكال والأنواع وطرق الطهي واذكر أني قصدت مطعم قدورة الشهير في أول يوم بعد أن سمعت عنه الكثير من شهادات الإشادة وكنت يومها لا أحمل معي في حقيبتي غير مايعادل ٢٠ ريالاً عمانياً لأن التجارب علمتني أن أضع محفظتي التي تحتوي على أغلب نقودي وبطاقاتي البنكية في خزانة غرفتي في الفندق حتى إذا تعرضت لسرقة تكون خسائري بسيطة .
المهم أني عندما اتجهت للمطعم أخبرني سائق ” أوبر ” بعد أن سألته عن أسعار المطعم قال : المطعم غالٍ جداً والأفضل أن تذهبي لغيره فهو يعتمد على شهرته ليرفع أسعاره وهناك مطاعم أقل شهرة لكن طبخها أفضل وأسعارها رخيصة، ظل ينبهني لهذا حتى شعرت بعدها وأنا أتناول عشائي في المطعم أن المبلغ الذي في حوزتي لن يكفي وأنهم سيطلبون مني أن أغسل الصحون لكي أسدد ما تبقى كما كنت أشاهد ذلك في الأفلام المصرية، وظللت أفكر فيما لو أحضروا الشرطة كيف سأخبرهم أني أحتاج الذهاب للفندق فقط لإحضار المبلغ المتبقي، وماذا لو شكوا في صدقي ولم يمنحوني تلك الفرصة ؟
ظلت هذه الخيالات تأخذ من تفكيري الكثير حتى ذهبت لأحاسب وطلع أن قيمة فاتورتي التي طلبت فيها سمكة “بوري” كاملة وأرز وسلطات وعصير، كانت بما يعادل ريالين ونصف فقط !!.

في الإسكندرية أغلب محلات الصرافة التي ذهبت إليها في منطقة محطة الرمل كانت لا تقبل الريال العماني وكنت في حاجة ماسة للعملة المصرية بعد أن انتبهت أن مالدي لايكفي غير ليلة واحدة قادمة فبدأت أبحث في محلات الصرافة الكثيرة المنتشرة في محطة الرمل وتقريباً أغلبها وجهتني للذهاب لأحد البنوك المصرية العريقة في الإسكندرية لصرف ريالاتي وكانت المفاجأة عندما وجدت أن رقم معاملتي هو ٦٤٢ بسبب أن ذلك اليوم هو يوم نزول الرواتب إذ شاهدت عدداً هائلاً من البشر ينتظرون دورهم فهربت من المكان وحمدت الله على نعمة بنك مسقط وصفوف طوابيره القليلة!.
شاءت الصدفة البحتة وحبي الشديد للسحلب بالمكسرات المصري الطابع أن أكون في أحد الكافيهات في وقت مباراة لليفربول وكنت أعرف أن لاعب المنتخب المصري محمد صلاح يلعب في هذا النادي لكنني لم أتوقع ما شاهدت من اهتمام من المصريين بمتابعة مبارياته بهذا الحماس، والشتم المتواصل للحكام في كل مرة كان ليفربول سيسجل هدفاً ثم لا يحدث ذلك، ولفتني تحليل المباريات بين المتابعين و كأنهم محللون رياضيون في القنوات الرياضية المتخصصة، كذاك الشوارع كانت ساكنة جداً خلال المباراة والكافيهات تضع في واجهتها علم مصر وكأن من يلعب هو منتخب مصر وليس فقط لاعباً مصرياً في نادي انجليزي !
المشروبات في الإسكندرية كما في عموم مصر من أجمل الأشياء التي ترافق رحلتك مثل السحلب والقرفة باللبن والسوبيا والقصب والمانجو ولن تنسى أن تمر بمحل الشيخ وفيق لتزيد السعرات الحرارية التي كنت قد خسرتها بتناول أشياء تعرف أن كمية السكر فيها عالية لكنك ستستمع بها وتعد نفسك أن تخسرها بأن تبدأ في الرياضة عندما تعود لبلدك، ستتوقف كثيراً عند تفتن المحل في إضافة الأيس كريم لطبق ” الرز بلبن ” والمكسرات، وستستغرب من الازدحام الكبير الذي يجعلك لاتستطيع الدخول للمحل فور وصولك بل تنتظر طابوراً ممتدا أمام المحل حتى يفرغ من بالداخل من التمتع بلذة أطباق “الشيخ وفيق”.
مرت الليالي الخمس وأنا أمشي في الشوارع والمطر المنعش ينساب وأنا مكتفية بمعطفي ولا أبحث عن مظلة ولاسقف لأحتمي به وكل ما أفعله مواصلة استمتاعي بالشتاء وسماع عبارة “شتت يامعلم ” في كل مرة يهطل المطر!
قادني لهذه المدينة مقولة أن الاسكندرية تكون في أجمل حالاتها في الشتاء، وأنا احتجت ٥ ليالي كي أعشق هذه المدينة وأعقد معها موعداً دائماً وأكتشف أن قلبي هو من قادني لأصلها في اليوم الذي أمطرت فيه بعد توقف دام فترة بحسب حديث سائق أجرة “أوبر”!.

تونس المحروقية
كاتبة وصحفية عمانية

إلى الأعلى