السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / تصعيد الإرهاب

تصعيد الإرهاب

” كتب كثيرون تحليلات حول ما يجري في فلسطين، هذا بينما القصف مستمر والدماء تسيل، لكن أحدا لم يربط بين العدوان الإسرائيلي وخلاصة تبدو واضحة في الأفق: تراجع السياسة أمام التطرف والعنصرية، وصعود للمتشددين في اسرائيل مقابل تقوية شوكة حماس التي ضعفت بلا شك بانهيار حكم الإخوان في مصر وتراجع دورهم في سوريا.”
ـــــــــــــــــــــــ
من الصعب تصور أن الهجوم البربري الإسرائيلي على الفلسطينيين في غزة لا علاقة له بكل ما يجري في الإقليم من تطورات، أو أنه مجرد رد فعل على حادث أو صاروخ أطلق من غزة. بداية، لا تحتاج اسرائيل بعدوانيتها وتسامح العالم مع عنصريتها لمبرر لتكرر العدوان على الفلسطينيين في غزة أو غيرها، فهي لم تتوقف يوما عن قتلهم واعتقالهم ومصادرة اراضيهم وهدم بيوتهم وحرق زرعهم .. إلى آخر الممارسات العنصرية التي ترقى في كثير من الأحيان إلى التطهير العرقي. أما اختفاء المستوطنين الثلاثة، الذين عثر عليهم قتلى فيما بعد، وبعد ذلك حرق المستوطنين للفتى الفلسطيني محمد خضير حيا لا يعتد به سببا.
هناك أسباب عديدة، أولها وأهمها أن أسهل ما يمكن لدى الاسرائيليين هو قتل العرب ـ كما قال كاتب منهم هو جدعون ليفي في مقال في صحيفة هآرتس. فضرب غزة لا يستهدف عقاب حماس ـ وبالمناسبة كل فصائل المقاومة الفلسطينية تعمل في غزة ضد العدوان من سرايا القدس (حركة الجهاد الإسلامي) إلى شهداء الأقصى (حركة فتح) إلى بقية الفصائل من الجبهتين الشعبية والديمقراطية وغيرها. وإنما هو استسهال للعقاب الجماعي لتحقيق أكثر من هدف، أولها لعل العرب يخافون ويخضعون وهم يرون أن لا أحد في العالم يهتم بقتل نسائهم واطفالهم وشيوخهم. أما السبب الذي يبدو على السطح فهو محاولة اسرائيل إفساد المصالحة الفلسطينية بين السلطة في الضفة وحماس في غزة، خاصة وأن المصالحة تعززت عمليا بفشل وزير الخارجية الأميركي جون كيري في إطلاق جولة مفاوضات جديدة بين الفلسطينيين والاسرائيليين.
وبغض النظر عن الموقف من السلطة الفلسطينية، إلا أن انزعاج اسرائيل من المصالحة ليس حرصا على السلطة ورئيسها محمود عباس، بل في الأغلب ربما يكون محمود عباس والسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير وغيرها الخاسر النهائي من الحرب على غزة بينما تخرج حماس أقوى مما كانت عليه. فمنذ ترك الاحتلال الاسرائيلي غزة ـ والحقيقة أنه لم يحتلها فعليا أبدا، لكن كان القطاع قانونيا على الأقل تحت الاحتلال ـ قبل ثماني سنوات وهي لا تريد أي “وصل” بين القطاع والضفة، حتى لا تكون هناك كتلة فلسطينية متماسكة تواجهها ـ ولو حتى في مفاوضات. وبعد ثماني سنوات من حكم نتنياهو، يشهد الداخل الاسرائيلي تصاعدا لليمين المتطرف تمكن من تمرير “يهودية الدولة”. ويعلو نجم المتطرفين والمتعصبين أكثر مع هذا الجمود، حتى رغم استمرار الاستيطان. ويعرف عن نتنياهو في فترتي حكمه السابقتين أنه الأكثر ترددا للدخول في حرب ـ ليس لأنه مسالم لا سمح الله ـ ولكن لأنه يحسب العواقب ولا يريد تحمل تبعات. مع ذلك وجد مخرجا سياسيا داخليا له بقتل الفلسطينيين في غزة، محاولا اصابة أكثر من عصفور بنار العدوان والدمار.
قد لا يبدو شططا أيضا ربط تصعيد التطرف والإرهاب الاسرائيلي على الفلسطينيين بما يجري في المنطقة من تطورات. جاء العدوان على غزة متزامنا مع تعثر الوصول إلى صفقة أميركية/إيرانية عنوانها البرنامج النووي الإيراني وتفاصيلها (المعلنة أو الملحقة) تطال كافة قضايا المنطقة. وزادت التطورات الأخيرة في العراق من قوة إيران التفاوضية، حتى احتمال الانفصال الكردي (المدعوم إسرائيليا) لم يقلل من قيمة الأوراق الإيرانية في العراق وسوريا. ولأن وكالة الغرب الحصرية في المنطقة هي لإسرائيل، فإن الإيرانيين هدف آخر في تلك الحرب ـ سواء كانت صواريخهم هي التي تطلق من غزة أم لا. ثم إن هناك تطورا آخر لا يمكن إغفاله وهو الدولة الإسلامية التي أعلنتها جماعات مسلحة في أجزاء من العراق وسوريا، وهي تقابل إلى حد كبير “الدولة اليهودية” وتصب في تصعيد الإرهاب الذي لم يعد مقصورا الآن على الصهاينة في فلسطين المحتلة.
كتب كثيرون تحليلات حول ما يجري في فلسطين، هذا بينما القصف مستمر والدماء تسيل، لكن أحدا لم يربط بين العدوان الاسرائيلي وخلاصة تبدو واضحة في الأفق: تراجع السياسة أمام التطرف والعنصرية، وصعود للمتشددين في اسرائيل مقابل تقوية شوكة حماس التي ضعفت بلا شك بانهيار حكم الإخوان في مصر وتراجع دورهم في سوريا.
وتدخل فلسطين للأسف مرحلة جديدة من الصراع ذي الصبغة الطائفية، يكمل صورة تنتشر في المنطقة ويراد لها أن تغطي المشهد. هذا التصعيد للإرهاب يدفع ثمنه دوما الناس العاديون، الذين هم في الأغلب الأعم لا يجيزون هذا العنف الطائفي ولا عنصرية الصراع الديني/العرقي. بالضبط كما يدفع العراقيون والسوريون العاديون (ومعهم كثيرون وإن بدرجة اقل في بلاد المنطقة من باكستان وأفغانستان إلى تونس والجزائر) ثمن تصاعد الإرهاب الطائفي/العرقي في بلدانهم.
وحتى لا يساء الفهم، إسرائيل كيان عنصري بالأساس قام وما زال قائما على الاحتلال الاستيطاني والفصل العنصري والتطهير العرقي وسعى الصهاينة منذ البداية لتغليف إرهابهم بصبغة دينية يهودية. لكن للأسف، وبغض النظر عن التفاصيل والأسباب، توشك ألا تكون الوحيدة الآن في المنطقة التي تملك الحق الحصري في الإرهاب والعنصرية.

د. أيمن مصطفى
كاتب صحفي عربي

إلى الأعلى