السبت 23 يونيو 2018 م - ٩ شوال ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: لغة الذوق العام في قانون الجزاء

في العمق: لغة الذوق العام في قانون الجزاء

د. رجب بن علي العويسي

حفل قانون الجزاء العماني الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (7/ 2018) بالكثير من المواد التي تناولت مفهوم الذوق العام بشكل صريح أو ضمني عبر نواتج تطبيق المواد وفق موجهات تنظيمية وضبطية تستهدف تعزيز الذوق العام والمحافظة على مساحات تحققه لتشمل كل الجوانب التي لها علاقة بسلام الفرد الداخلي وتصالحه مع الآخرين في إطاره الاجتماعي والبيئي والسلوك العام ، بما يصدر منه من قول أو فعل ، وإيجاد معالجات ضبطية وتقنينية للممارسات التي باتت تشوه صورته وتؤثر على ثقافة المزاج والآداب العامة التي تعكس النموذج الحضاري للهوية العمانية، لذلك حدد القانون الجزاءات والضوابط والعقوبات الرادعة الوقائية والعلاجية والتحذيرية التي تتناسب وطبيعة السلوك وضرره النفسي والشخصي والاجتماعي والبيئي والصحي، في مجالات النظافة العامة والشخصية وحماية الموارد والممتلكات العامة من التشويه ومنع الإضرار بها، والمحافظة على حضور السلوك القيمي والأخلاقي والهوية والخصوصية في طريقة حديثه وأسلوب خطابه وألفاظه وعباراته ولباسه وهيئته الظاهرية، فينتج عن مباشرة فعلها ضرر نفسي بالنفس والآخر وتشويه لجمال البيئة والطبيعة الحيوية والاحيائية والمظهر الوطني العام، عبرسلوكيات مستهجنة مجتمعيا تتنافى وأخلاقيات الانسان والتزامه الستر والعفاف والاحتشام في الأماكن العامة، وهي قضايا باتت تطرح اليوم بقوة في الواقع الاجتماعي وأعطت مؤشرات للجهات المعنية بأهمية اتخاذ إجراءات عقابية لدرء المفاسد المترتبة عليها وبناء مسارات أكبر للوقاية والرقابة الذاتية عبر نافذية القانون وتعزيز حضوره في الحياة اليومية.
حيث ورد في الباب السابع من القانون وتحت العنوان( الجرائم المخلة بالآداب العامة) العديد من المواد التي يمكن أن نستقرئ منها أحكاما عامة في الذوق العام، فالمادتين ( 292 و293) حددتا عقوبات بالسجن لمدة لا تقل عن 10 أيام، ولا تزيد عن 3 اشهر وبغرامه لا تقل عن 100 ريال عماني ولا تزيد على 300 ريال عمان او بإحدى هاتين العقوبتين لكل من:(ب) روج لبضاعته في الطريق العام بألفاظ غير لائقة أو أصوات مزعجة ، وكذلك (و) ألقى مواد صلبة أو سائلة على المارة ولو لم يترتب على ذلك ضرر، وبالتالي ما يحمله ذلك من ذوق الكلمة وأسلوب الخطاب وأهمية خفض الصوت منعا من ازعاج الآخرين أو إيذائهم، وما يمثله ذلك من أثر إيجابي على مسار الوعي لديه الذي يترجم لممارسات راقية تقوم على احترام الطريق وإذكاء المودة والتقدير لمستخدميه مشيا على الأقدام أو باستخدام المركبات واحترام جمالية المكان وطابعه الحضاري المتناغم مع جمال الكلمة الطيبة، فإن صدق الكلمة وحسنها وجماليتها وطريقة إلقائها وأسلوب الحديث بها تعبير عن سلوك حضاري قادم سينعكس على سلوك الفرد الممارس، فتصبح ممارساته محكومة بقيم وأخلاقيات تضمن عدم الاضرار بالآخرين وتجنب الإساءة وإصلاح الخلل.
وفي ضوء العقوبة التي حددها القانون أشارت المادة (293)إلى ممارسات أخرى منها: (أ) ألقى في مجرى مائي جثة حيوان او مواد قذرة أو ضارة بالصحة، وكذلك (ب) ألقى قاذورات أو مواد من أي نوع كانت في الطرق أو الأماكن العامة وكذلك (ج) تبوّل أو تغوّط في الطرق، أو الأماكن العامة على نحو يخدش الحياء؛ وهي تبرز قيمة الذائقة الجمالية التي يعكسها الفرد نحو الصحة العامة والالتزام بقواعدها وآدابها عبر التخلص من كل ما يؤثر على صحة الإنسان بالطريقة السليمة التي حددتها الجهات المختصة وأبرزت الآليات والاجراءات التي يمكن اتباعها في التخلص من هذه المواد أو جثث الحيوانات وابعادها عن مصادر المياه أو الأماكن العامة أو الطرقات والتخلص منها بطريقة سليمه، فما أشارت إليه المادة(ج) سلوك مستهجن مشين يسئ إلى الأدب العام والستر التي يجب على كل مواطن أو مقيم في هذه الأرض الطيبة أن يعكسها في سلوكياته أو تصرفاته وممارساته.
كما اشارت المادة (294) إلى ممارسات أخرى لها علاقة بجانب القيم والحشمة والوقار واختيار الألفاظ الحسنة، حيث ورد: يعاقب بالسجن لمدة لا تقل عن شهر، ولا تزيد عن 3 اشهر وبغرامه لا تقل عن 100 ريال عماني ولا تزيد على 300 ريال عمان او بإحدى هاتين العقوبتين كل من: (أ) ظهر في الطرق أو الأماكن العامة بطريقة تخدش الحياء العام أو تتنافى مع تقاليد وأعراف المجتمع (ب) سب أو شتم علنا في الطريق أو الأماكن العالمة(ج) أقلق الراحة النفسية أو الطمأنينة بالصياح او الضوضاء بدون داع، أو باستعمال آلة أو وسيلة أخرى يمكن أن تزعج الغير، أو تحدث التشويش في راحتهم، لقد شدد المشرع العقوبة على من أقلق الراحة النفسية وطمأنينة المواطن والمقيم ، مما أعطى مسألة الذوق بعدا آخر يقوم على تقدير الظروف الخاصة وإدراك حاجة الآخرين من المرضى والأطفال وكبار السن وغيرهم للراحة والسكينة ومراعاة ذلك عند ممارسة الأنشطة كاللعب مثلا أو التصرفات الناتجة عن التفحيط بالمركبات والتجمعات في الأماكن العامة لأوقات متأخرة بالليل وغيرها.
وعليه تبرز مواد قانون الجزاء اليوم تحولات نوعية في مسار الوعي المجتمعي وبناء موجهات أكثر ضبطيه لاحتواء للسلوك العام، وتأطير منهجي وفكري وفقهي وتشريعي وتعليمي لثقافة الذوق ومفاهيمها وأدواتها واستراتيجيات عملها كلغة عالمية حضارية راقية تعكس ثقافة الإنسان العماني وهويته الوطنية وجوانب التفرد لديه.

إلى الأعلى