الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / ” كأسك يا وطن ”

” كأسك يا وطن ”

أ.د. محمد الدعمي

” .. اليوم، أي بعد خسارة أكثر من مئة وخمسين إنسانا عربيا في غزة، وبطريقة لا تنطوي إلا على شعور إسرائيلي وسواسي بارتهان وجود إسرائيل بإبادة الشعب الفلسطيني، في غزة الآن، وفي الضفة غداً، وفي الشتات بعد غد، يبقى المرء يبحث عن “التضامن العربي” بين أدراج وأقبية جامعة الدول العربية التي تضامنت دولها على نحو “مثير للإعجاب” بحق من أجل حذف واحدة من أهم دولها المؤسسة، سوريا،”

كلما سخنت الأحداث في العالم العربي، قفز إلى السطح ما سمي بـ”التضامن العربي” في منشورات وأوراق ووثائق جامعة الدول العربية. وإذا كان مفهوم التضامن العربي مفهوماً هشاً ومرناً على نحو مفرط، بسبب انفتاحه لأنواع التفسيرات والتأويلات، فان توسيعه من التضامن اللفظي، في الأوراق المحبرة، المجردة، للجامعة أعلاه إلى اتفاقية الدفاع المشترك، يبقى من أكثر علامات الاستفهام استفزازاً للعقل العربي خارج حدود الأنظمة الحاكمة والجماعات المتنفذة في هذا العالم الناطق بالعربية.
ودلائل خشية المرء من أن التضامن العربي قد يكون أكذوبة أو بدلة جاهزة ترتدى من آن لآخر حسب المتطلبات الطارئة والمؤقتة. للمرء أن يقول أن تقلبات هذا التضامن عديدة ومحرجة درجة إحمرار وجنتي الإنسان العربي الأسمر الذي يصعب ظهور الإحمرار على وجنتيه بسبب شدة السمرة!
في سنة 2002 شنت إسرائيل عملية إبادة جماعية فظيعة في الضفة الغربية كانت ضحيتها الأساس هي مدينة “جنين” الفلسطينية، فطغى عنوان “التضامن العربي” على سطوح الآنية الإعلامية فقط، إلا أنه لم يتحول إلى واقع قط. وعلى نحو معاكس، تبلور “التضامن العربي” في أقوى صورة عندما اجتمعت الدول العربية، حكومات وجيوشا، ضد غزو صدام حسين للكويت، بالتحالف مع القوى الغربية، الأمر الذي يجعل المرء يشك في إرتهان تضامن جامعة الدول العربية بموافقات العالم الغربي، باعتبار أنه شأن أميركي/بريطاني/فرنسي! وليس عربيا. أما الأغرب من نماذج التضامن العربي المضحكة، فقد تجسد يوم شطبت الدول العربية في مؤتمر قمة بغداد 1979 على أكبر دولة عربية، مصر، وأزالت عضويتها. هذا نموذج للتضامن العربي، علماً بأن سلطنة عمان قد تحفظت عليه آنذاك.
واليوم، أي بعد خسارة أكثر من مئة وخمسين إنسانا عربيا في غزة، وبطريقة لا تنطوي إلا على شعور إسرائيلي وسواسي بارتهان وجود إسرائيل بإبادة الشعب الفلسطيني، في غزة الآن، وفي الضفة غداً، وفي الشتات بعد غد، يبقى المرء يبحث عن “التضامن العربي” بين أدراج وأقبية جامعة الدول العربية التي تضامنت دولها على نحو “مثير للإعجاب” بحق من أجل حذف واحدة من أهم دولها المؤسسة، سوريا، إلا أن الباحث لن يظفر بهذا التضامن قط حتى تكمل إسرائيل المهمة وتنجز العملية بحرية مطلقة. وهي مهمة تنطوي على “رجولة” متناهية، باعتبار إعمال أقوى ترسانة اسلحة في العالم على “علبة ساردين” لا تزيد أبعادها طولاً وعرضاً عن بضعة أميال فقط.
اليوم تذكر العرب التضامن القومي وسيفعلونه بياناً بلا معنى، ألفاظاً وشعارات لا تشبع من جوع، بعد أن يجتمع وزراؤهم في القاهرة لتناول ما حباه النيل من طيب اللحوم والخضار، ليقرروا إصدار بيان للجياع والموتى والمظلومين من “أشقائنا في غزة”. وهكذا ستغفو غزة على الآلام بينما يغفوالمجتمعون العرب في الفنادق الفاخرة متيقنين من أن العالم سيشعر بالحرج، وربما بالخجل لما يحدث من أعمال إبادة لشعب حبيس خانق، لا مخرج له: فـيا “كأسك ياوطن”.

إلى الأعلى