الأربعاء 19 ديسمبر 2018 م - ١١ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: هنا دمشق ولاغيرها يؤنس

باختصار: هنا دمشق ولاغيرها يؤنس

زهير ماجد

كنا ننتظر عودتها من دمشق بفارغ الصبر، فهي مصدر الأكل الطيب من حلويات ومخبوزات وغيره، وهل غير عاصمة سورية من يصنع هذه الأنواع الفاخرة.
الحاجة ام امين فقدت زوجها مبكرا ولم تنجب، فعمدت الى تلك التجارة البسيطة بين دمشق التي تذهب اليها كل شهر من بيروت لتأتي بالطيبات، لكنها ايضا كانت محملة بالقماش المغري وخصوصا الحريري منه.
احببت سورية منذ تلك الايام، طفولتي التي تربت على تلك التفاصيل في الخمسينات من القرن الماضي، جعلتني ارى في تلك العاصمة العربية مصدرا للنعمة ولكل شيء شهي ومميز ونادر وخارق الاوصاف. وتولعت اكثر بها، حين كان والدي يشرح لي أن أسس وكيان لبنان مصدره سورية. ويوم ذهبت اليها لاول مرة في العام 1967 وبعد الهزيمة اللعينة، ظللت متأهبا لتلك السفرة التي توقعت ان تطول على الطرقات، لكني اكتشفت ان المسافة لاتصل الى المائة كيلومتر بين بيروت وبينها، ومع الوقت عرفت ان مدنا داخل سورية تبعد عنها مئات الكيلومترات.
اول ملامح حنيني العروبي كان مجسدا في اخي البعثي، بعد عودتي التي تمنيت فيها ان لا اعود نظرا لحميمية العاصمة السورية وقدرتها على اجتذاب عروبيين جددا مثلي يريدون اكتشاف حلم سمعته من اخي ذاك وكان يقوله لاحدهم ان لامفر من الوحدة العربية، ” وهل غير دمشق قادرة على تحقيق الفكرة ” كما ردد الجملة.
لكل تاريخ لاحق مقدمات تسبقه، الارتباط الروحي بسورية في مرحلة الشباب والتقدم اكثر في العمر لم يأت من فراغ، كلما كنت ازور عاصمتي كما اسميتها أي دمشق، كانت روحي تتجلى وجسدي ينتعش ورغبتي في الحياة تزيد .. كان املي العربي يسيطر علي، ودائما اتذكر كيف شاهدت جنون السوريين وهم يستقبلون عبد الناصر في عاصمتهم، بل رأيته عن كثب في قصر الضيافة عندما تمكن اخي البعثي من اقتحام المكان لرؤية الزعيم التاريخي الاستثنائي الذي لم يكن بعيدا كثيرا عنا، لكن اشعاعاته كانت تلفحنا.
لا اسعى الى التذكر من اجل الهروب من الواقع الحالي، لقد ولى الماضي ولن يعود، لكن حياة الانسان انطباعات ومساحات من التأمل، انما يظل للطفولة دورها في كل منا، نكبر وتظل معنا، تتغير دنيانا لكن لامفارقة عنها. فهاهي دائما ام امين التي من المؤكد انها فارقت الدنيا مازالت رائحة كعكها الشامي عالقا في انفي وبالي، وما زال حلو الشام يسري في عروقي ، ذهبت الايام لكن الاثر بقي وهيهات ان يغرب.
في هذه اللحظات التي تتألم فيها سورية، اعي تماما بعد وعي وادراك لماذا آهاتها الصعبة ولماذا دم ابنائها يسيل ولماذا عذاب شعبها، بل لماذا هذه الحمولة على اكتافها .. هل هو لاماتة ام امين مرة ثانية، ومحو الصورة الدمشقية التي تعيش معي اينما رحلت .. لقد اجتذبني حمل السلاح للدفاع عنها، فعلى الاقل ابرز مساهمتي في هذه الايام الصعبة .. ولكن ثمة من يقول لي ان الكتابة ايضا عن سورية في هذه الظروف هي فعل مقاومة ضد كل انواع المتآمرين عليها.
هنا دمشق ولا شيء يؤنس الاها .. هي الطفولة والشباب والعمر الذي يرحل ، وهي الحنين الى اخي البعثي والى القيمة العروبية التي تعنيها، بل الى صوت عبد الناصر وهو يجلجل فيها، والى الفيجة وبردى وغوطتها، والى شوارعها التي عايشتني فتغيرت انا وهي لم تتغير .. والى روح شهدائها الذين لم يملكوا غير دمهم تعبيرا عن التصاقهم بها ولو كان لديهم ماهو اغلى من دمهم لقدموه اكراما لها.

إلى الأعلى