الأربعاء 20 يونيو 2018 م - ٦ شوال ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن: الـبر وأثـره في النفـس (3)

شـذرات مـن هـدي القـرآن: الـبر وأثـره في النفـس (3)

ناصر بن محمد الزيدي:
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي خـير خـلـق الله أجـمعـين وخاتم الأنـبيـاء والـمـرسـلـين وعـلى آلـه وأصـاحـبه أجـمعـين وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلازال الحـديث مـوصـولاً عـن الـبر وأثـره في الـنفـس الـبشـرية: وروى الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم) عـن ربه عـز وجـل في حديث قدسي أنه قال:(مـن لـقـيني بـقـراب الأرض خـطـايـا لا يشـرك بالله شـيئاً، لـقـيته بمـثلـها مـغـفـرة).
ولشيـوع هـذه السـنن أسـباب حـقـيقـية جـلـيـلة، وتـدبـيرات محكـمة أحـكـمها الـمـؤيـدون بالـوحي الـمخـتارون لهـذا الأمـر، وهـم الأنبياء والـرسـل (صلـوات الله عـليهـم أجـمعـين)، فأثـبـتـوا لهـم مـنة عـظـيـمة في رقـاب الناس، ونحـن نـريـد أن نـنـبهـك عـلى أصـول هـذه الـسنن، مما أجـمـع عـلـيه جـمهـور أهـل الأقـالـيـم الصالحة مـن الأمـم العـظـيـمة، التي يجـمـع كل واحـد أقـواماً مـن الـمـتألهـين الـربانـيين، والـملـوك والحكـماء ذوي الـرأي الـثاقب مـن عـربهـم وعجـمهـم، ويهـودهـم ومجـوسـهـم وهـنـودهـم، ونشـرح كـيفـية تـولـيـدها مـن انـقـياد البـهـيمـية للـقـوة الـمـلكـية، وبـعـض فـوائـدها حسـبما جـربـنا عـلى أنفـسنا غـير مــرة، وأدى إلـيه العـقـل الـسـليـم .. والله أعـلـم.
التـوحـيـد أصل الـبر: أصـل الـبـر وعـمـدة أنـواعه هـو الـتـوحـيـد ، وذلك لأنه يتـوقـف عـليه الإخـبات لـرب العـالـمـين، الـذي هـو أعـظـم الأخـلاق الـمـوصلة للسـعـادة وهـو أصـل الـتـدبـير العـلـمي، الـذي هـو أفـيـد وأفـضـل الأشـياء، وبه يحـصل للإنسان الـتـوجه الـتام تـلـقـاء عـلـم الـغـيب، ويسـتـعـد نفـسيا للحـوق به بالـوجـه الـمحـمـود.
وقــد نـبه النبي (صلى الله عـليه وسـلم) عـلى عـظـم أمـره، وكـونه مـن أنـواع الـبر بـمنـزلة القـلـب إذا صلح صلـح الجـمـيـع، وإذا فـسـد فـسـد الجـمـيـع حـيث أطـلق الـقـول فـيمـن مات لا يشـرك بالله شـيئا أنه دخـل الجـنة، أو حـرمه الله عـلى النار، ولا يحرم مـن الجـنة ونحـو ذلك مـن الـعـبـارات.
وللـتـوحـيـد أربـع مـراتـب: إحـداها: حصر وجـوب الـوجـود فـيه تعالى فـلا يكـون غـيره واجـب الـوجـود ، فـما دونه مـوجـود مـن واجـب الـوجـود.
والثانية: حصـر الخـلـق لله، فهـو الخـالـق لجـمـيع الـمخـلـوقات سـبحانه وتعالى، لا شـريك له في خـلـقـه ، فـهـو خالـق الـعـرش والسـمـوات وسـائـر الـمخلـوقات سـبحانه وتعالى، فالله خـالـق كـل شـيء، وهـاتان الـمـرتبـتان لـم تبحـث الكـتب الإلهـية عـنـهـما، ولـم يخالف فـيهـما مشـركـو العـرب ولا الـيهـود ولا النـصارى بـل الـقـرآن العـظـيـم أخـبر بـذلك وأكـده عـلى أنـهـما مـن الـمـقـدمات الـمسـلـمة عـنـدهـم قال تعالى:(مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا) (الكـهـف ـ 51)، والثالثة: حصر تـدبـير الأمـور في السـمـوات والأرض وما بـينهـما مـن الـمعـالم والـمخـلـوقات لله لا لـغـيره، فهـو المـدبـرالـذي لا تأخـذه سـنة ولا نـوم، قال تعالى:(اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ..) (الـبـقـرة ـ 255).
والـرابعة: أنه لا يسـتحـق العـبادة إلا هـو، فهـو الـمعـبـود بحـق وغـيره مـعـبـود بـبـاطـل، قال تعالى:(.. فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكـهـف ـ 110).
وقـد اخـتلـف الناس فانقـسـمـوا إلى ثـلاث فـرق: النجا مـون (أي هـم الـذين يـعـبـدون الـنـجـوم) ذهـبـوا إلى أن الـنجـوم تسـتحـق الـعـبادة، وأن عـبادتها تـنفـع في الـدنيا والآخـرة، وأن رفـع الحـاجات إلـيها حـق وواجب وقالـوا: لـقـد تحـقـقـنا أن لها أثـرا عـظـيـما في الحـوادث الـيـومية ، فـهـي الـسـبب في سـعـادة الإنسان وشـقاوته وصـحته وسـقـمه، وأن لها نـفـوسا مجـردة عـاقـلة، تبعـثها عـلى الحـركة، ولا تغـفـل عـن نـفـع مـن يـقـوم بعـبادتها فـبـنـوا لـها هـياكل عـلى أسـمائها، وعـبـدوها مـن دون الله سـبحانه وتعالى فـضـلـوا وأضـلـوا سـواء الـسـبيل.
والـمشـركـون: وافـقـوا الـمسـلـمـين في تـدبـير الأمـور العـظام، وفـيما أبـرم وجـزم ولم يـتـرك لـغـيره سـبحانه وتعالى خـيرة، ولـم يـوا فـقـوهـم في سـائـر الأمـور مـن تـوحـيـد الله وإفـراده بالـوحـدانية، وذهـبـوا إلى أن الصالحـين مـن قـبلـنا، (الـذين اتخـذوا لـهـم مجـسمات وتـمـاثـيـل)، عـبـدوا الله وتقـربـوا إلـيه، فأعـطاهـم الله الألـوهـية، فـخـولهـم في الـنـفـع والـضـر، فـبـذلك اسـتحـقـوا العـبادة مـن سـائـر خـلـق الله.
وكـما شـبهـوا أن ملـك الـمـلـوك يخـدمه عـبـده فـيحـسن خـدمته، فـيعـطـيه خـلـعـة الـملك، ويـفـوض إلـيه تـدبـيـر أي بـلـد مـن بـلاده، فـبـذلك هـو يسـتحـق مـن سـائـر الناس في الـبـلـد السـمع والطاعـة، وطـاعـتهـم له هـو طـاعـة للـمـلك الـذي خـولـه تـلك الـمهـمة.
وقالـوا: لا تقـبـل عـبـادة الله إلا مضمـومة بعـبادتهـم، بـل الحـق في غـاية التعالي فـلا تفـيـد عـبادته تقـربا إلـيه سـبحانه تعالى، بـل لا بـد مـن عـبادة هـؤلاء لـيقـربـوا مـن عـبـدها إلى الله زلـفى، فـجـعـلـوهـم واسـائط إلى الله سـبحانه وتعالى، قال تعالى:( أَلَا لِلَّـهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّـهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّـهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ) (الـزمـر ـ 3).
وقالـوا: هـؤلاء يسـمعـون ويـبصرون، ولـذلك هـم يـشـفـعـون لـمـن عـبـدهـم ويـدبـرون أمـورهـم وينـصـرونهـم فـنحـتـوا عـلى أسـمائهـم أحجارا وجـعـلـوها قـبـلة لهـم عـنـد تـوجهـهـم إلـيها، فخـلـف مـن بـعـدهـم خـلـف، فـلم يفـطـنـوا للـفـرق بـين الأصنام وبـين مـن هي عـلى صـورته فـضلـوا وأضـلـوا.
.. وللحـديث بـقـية.

إلى الأعلى