الخميس 13 ديسمبر 2018 م - ٥ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (فهل من مُدِّكر؟)

(فهل من مُدِّكر؟)

إعداد/ علي بن عوض الشيباني*
أيها القراء الأعزاء: هاتان آيتان من كتاب الله تعالى نرجوا أن نتدبرهما لنرى سمو التعبير ودقة التقدير: الأولى قوله تعالى:(ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب)، والثانية:(ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب).
فإحدى الآيتين: اقتصرت على لفظ الجلالة وهي آية الحشر التي تتحدث عن اليهود وعن بني النضير خاصة:(هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر)، أما الآية الثانية التي ذكر فيها سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فإنها تتحدث عن العرب وعن أهل مكة بخاصة, فما هو السر البياني وما هي الحكمة البلاغية؟ حيث ذكر لفظ الجلالة وحده في آية الحشر وذكر معه الرسول عليه الصلاة والسلام في آية الأنفال؟ إن عداوة أهل مكة كانت عداوة مزدوجة, فهي عداوة للإسلام من حيث هو دين لأنه جاء يبطل عقائدهم وكثيرا من أعرافهم, ثم هي بعد ذلك عداوة لشخص الرسول (صلى الله عليه وسلم) حيث الحزازات والنعرات والعصبية القبيلية, فهم ينكرون أن يخص الله من بينهم محمدا ولم يكن ذا مال وكان غيره أولى منه في ظنهم ولهم زعماء ووجهاء, أفليسوا أولى ــ بزعمهم ــ بالنبوة من محمد (صلى الله عليه وسلم).
ولقد حدثنا القرآن الكريم عن هذا الذي يجول في أنفسهم فقال سبحانه:(وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم), وينكر عليهم هذا القول بقوله:(أهم يقسمون رحمة ربك) وليست عداوة اليهود كذلك, إن عداوة اليهود للدين أيا كان نبيه هاشمياً أم غير هاشمي، قرشياً أم غير قرشي، أظنكم بدأتم تدركون دقة التعبير، فالقرآن الكريم كما نعلم قدرت ألفاظه تقديرا محكما يقتضيه المعنى والسياق، والموقف المتحدث عنه لذا ذكرت كلمة الرسول عليه وآله الصلاة والسلام في سورة الأنفال، حيث كان هناك داع وسبب لذكرها, لكنها حذفت من سورة الحشر .. وهكذا ندرك أن لكل من الحذف والذكر في القرآن الكريم دواعيه ومقتضياته.
ذكر الجهاد كثيراً في كتاب الله تعالى أمراً للمؤمنين به تارة وثناء عليهم تارة أخرى.
فمن الضرب الأول قوله تعالى:(انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون).
ومن الضرب الثاني قوله سبحانه:(الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عندالله وأولئك هم الفائزون، يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم، خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم).
وهكذا نجد الآيات الكريمات في كتاب الله تعالى وهي تذكر الجهاد تذكر له متعلقين اثنين: فهو بالأموال والأنفس من جهة، وهو في سبيل الله من جهة أخرى.
كل ما في الأمر قد يتقدم المتعلق الأول كما جاء في الآية الأولى, وقد يتقدم المتعلق الثاني كما جاء في الآية الثانية.
والذي يعنينا الآن هذه الكريمة:(لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون، أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم).
فعبارة (في سبيل الله) لم تذكر في هذه الآية الكريمة, وما أظن البحث عن السبب يكلفنا كثير فكر, وكبير عناء, فالآية جاءت تتحدث عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه البررة الذين شرفوا بمعيته, وهؤلاء لا يكون جهادهم ــ بالطبع ــ إلا في سبيل الله وابتغاء مرضاته, من أجل هذا لم تذكر (في سبيل الله).
أما غيرها من الآيات الكريمات فكانت ارشادا للمؤمنين أن يخلصوا العمل فلا تشوبه شائبة رياء ليكون مقبولاً عندالله ــ تبارك وتعالى ــ ولن يكون كذلك الا اذا كان في سبيل الله.
* إمام وخطيب جامع السلطان قابوس الأكبر

إلى الأعلى