الجمعة 14 ديسمبر 2018 م - ٦ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / اللغة والأخلاق (1)

اللغة والأخلاق (1)

د. جمال عبد العزيز أحمد*
يظن كثير من الناس أن اللغة قوالبُ صماءُ، لا علاقة لها بخلق، ولا نبل، وأنها أنماط جافة، وتراكيب صامتة، لا أثر لها في إحساس، ولا عاطفة، وهو فَهْمٌ مغلوط، وسبيل مَنْ بَعُدَ عن جلالها، وتنكَّب طريقها، وابتعد عن جلالها، وجمالها، ولم يقتربْ من كمالها، ودلالها، ولكن الأدْنَيْنَ منها، والسالكين طريقها، والشادين لها، المستجلين مراميها الواقفين على مجاليها، والناهلين من أنهارها، وسواقيها يعلمون أنَّ معينها لا ينضب، وأن عطاءها مستمر، سحَّاح، يمطر، ويَثْعَبُ، ولا يكسل، أو في أيِّ حال منه يتعب، إنما تتمتع لغتنا بثراء موَّار، وعطاء زخَّار، ودفْق متتالٍ مِعْطار، ولنتجاوز مدح لغتنا النظريَّ، فربما داخل أحدَهم أننا نمدح بلا رصيد، ونعشق من غير أن يكون ثمة فكْرٌ منا رشيد ، ومخزون منها عتيد ، وامتلاك لمساربها، وعتاد لا يُحَدُّ مجيد ، فإن اللغة وعاءٌ لما في الصدر، تنقل هوامسَ النفس، وهواجس الذات، وهواتف الروح، وتبرز أخلاقيات الإنسان من نبل وحياء ، ونقاء وصفاء، وبغض وفرحة وبكاء، وتعاون وإخاء، أو نفرة ، وهراء، وحبٍّ وعدَاء، وتحنان وبغضاء، وافتقار واغتناء.
تنقل اللغة بقوالبها الرقيقة نوازع المدح والذم، وأساليب الاستغاثة والندبة ، وطرائق النفي والاستفهام، وسبل الإغراء والتحذير، وطرق الاستدراك والاستثناء والقسم والتأكيد والتخصيص والتفضيل، وغيرها مما يعتلج في النفس، ويختمر في الذات، حتى إن لغة الجسد لتدخلُ ضمن إمكانات هذه اللغة الحكيمة، من تقطيب جبين، وانتفاخ أوداج، وإشارة بيد ، أو غمز ولمز، أو همس وصخب، أو إشاحة بوجه أو تحية بكفٍّ، أو رفع لإبهام علامة انبهار وإعجاب، أو نفور وضيق ، وعتاب لصديق، أو صمت، أو قول ، أو نظر في الأرض حياء أو تبرُّما، ونحوها من أحاسيس وعواطف، ونكات ولطائف، أو رياح هوج، وعواصف، كل ذلك تُخرجه اللغة بأساليبها، ورقيق عباراتها ، وترى الجملة تطول وتقصر، وتأتي كاملة أو يحذف معظم أركانها، لكنه حذف هو عين الذكر، وصمت هو عين الحديث، فتحار في هذه اللغة الشريفة، وتضرب كفا على أختها من كونها حكيمة حصيفة، ومعطاء ثرة، وبإمكاناتها الرديفة، ولنتخذها مقالات ذات سلسلة مترابطة الحلقات، أسيرة النظم، جاذبة للعين، في صورة مقالاتٍ تترى ، وعبارات بالجمال وللجلال تُعْزَى ، ونبدأ باللغة والحياء، لنرى تلك الأنماط اللغوية كيف نهضت في السياقات القرآنية بهذا المعنى ، وكيف رسمت تلك الدلالة، وما هي قواعد النحو، وضوابط اللغة التي امتُطِيَتْ في إبراز جانب الحياء لغويا، يقول الله عز وجل:(وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ، فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (القصص 23 ـ 25).
فالمقام هنا قد فرَض أنماطًا لغوية خاصة، فالحديثُ مع بنات، وهو يتطلب حساسية بالغة، وحياء خاصًّا، كما أنه حديث مع نَبِيٍّ فُطِرَ على الحياء، فالسياق حياء في حياء، فنرى في هذه الآيات الكريمات كيف أظهرت اللغة فضيلة الحياء، وكيف خرجت معها قوالبها، وما القواعد اللغوية والأبواب النحوية التي استدعتْها اللغةُ في هذا السياق من الحياء؛ لتنهض بهذا الخلق القويم.
.. وقد تمثَّل الحياء أولَ ما تمثَّل في حذف المفعولين من الفعل (يسقى)، فإن الفعل: (يسقى) يتعدى إلى مفعولين، تقول: سقَى الفلاحُ أرضَه ماءً، فهو من باب أعطى وأخواتها التي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، وفي التنزيل الحميد:(وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) (الحجر ـ 22)، فأين مفعولا الفعل:(يسقون)؟، إن السياق هنا يمهِّد للحديث مع بنتيْ شعيب، أو بنتيْ الرجل الصالح، وغالباً فإن الحديث مع النساء يغلِّفه الحياء، ويحوطه الخجلُ، لطبيعة الأنثى، وخِلْقتها، وفطرتها السليمة.
فلم يقل:(يسقون إبلَهم ماءً)، هذه واحدة، وفيها تمثَّل الحياء في الاستغناء عن الحديث، وقصر الكلام على عنصرَيِ الفعل والفاعل، وحذف عنصرين كاملين آخرين، هما المفعول الأول والثاني، فوقفَتِ الجملة على نصفها، واستحيت، فحذفت نصفها الآخر، ثم تتابع الحياء، وتقاطرت العبارات حياءً، وحذْفا ، وانزوى التركيب خجلاً، وتوارى الحديثُ احمراراً في قوله:(ووجد من دونهم امرأتين تذودان)، وتذودان أي تدفعان بأنفسهما عن الدخول في معترك الرجال، حيث الازدحام، وتعالي الصيحات، والعنف والاحتكاك الذي لا يتناسب، وطبيعة المرأة، واتسامها بخلق الحياء النبيل، والمقصود بالفعل:(تذودان) أي: تمنعان وتكفان أغنامهما، وإبلهما عن السقيا، فالفعل فذاد يذود ذودا عن كذا: منع وكفَّ، والزود من الإبل عشرة، أي تدفعان إبلهما، أو ماشيتهما، أو أغنامهما مبتعدتين عن الناس، فحذف المفعول اكتفاء بالفعل والفاعل؛ لكونه معلوما من السياق، وما دام معلوما وهنَّ نساء.

* كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى