الإثنين 23 سبتمبر 2019 م - ٢٣ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / أشرعة / تحولات الماء أو مائيات “أرض الغياب” لعزيزة الطائية

تحولات الماء أو مائيات “أرض الغياب” لعزيزة الطائية

“الماء
اسم قديم
للشعراء”

إبراهيم قازو

في البدء

عزيزة الطائية، أسم له حضوره في المشهد الثقافي العماني ، بحثا وتحقيقا وحكيا ، من نماذجها السردية في القصة القصيرة جدا مجموعتين الأولى “ظلال العزلة ” والثانية ” موج خارج البحر” ثم نصا روائيا وسمته ب ” أرض الغياب ” ، صادر في طبعته الأولى عن دار فضاءات للنشر والتوزيع ، ويقع في 302 صفحة من القطع المتوسط والغارق في الرواية على مدى فصولها الثمانية عشرة ، يلاحظ أن الكاتبة من خلالها تشتغل على كيمياء الوجود الإنساني عبر الزمن ، وما يتصل بذلك من أجواء شاعرية تسافر فوق قارة من الماء ، وهو ما يجعل المحكي معادلا للحياة ولشبح الموت في نفس الآن ، بدليل هيمنة الماء على المستوى المعجمي من خلال الألفاظ الدالة عليه بالترادف أو بالتعالق والمجاورة ” البحر ، الوادي ، الساحل ، الرذاذ ، الأمطار ،مركب ، الجزيرة، شربة ، النورس ، الشاطئ ، الغيث ، الأمواج ، البكاء ..” ، كما تكرر في الأفعال ” يغسل ، سرى ، يقطر ، ينزلق ، يهطل ،..” ، وبالتالي بداية الرواية وبداية نهايتها يحيل على هاجس الماء وسلطته الأكيدة نقرأ في مفتتح الرواية ” في يوم جميل محفوف بسماء بديعة ، سارت بي قدماي لأطل منها وأراقب رذاذ المطر ، حينها تيقنت بأن القادم أجمل ” ص 7 ، كما نقرأ في بداية الفصل الأخير ” لا أدري لماذا يرتبط حبنا للمطر بتذكر من نحب ، ربما لأن جمال المطر ، يشبه جمال أرواحهم ….” ص287 ، والأكثر منه انسياب الماء في كل وجغرافية الرواية، إذ لا يخلو فصل من حضور الماء لتتأكد فداحة الهيمنة التي تفرضها حساسية الماء على مجموع تفاصيل الرواية .
وتأسيسا عليه ، أجدني منساقا لبناء لحظات قرائية ، تلامس الإصغاء لخرير مائيات ” أرض الغياب ” التي تغدو قوة تخترق النسيج النصي شاهدة على زمن ملتبس لا ولادة ولا موت إلا عبر الماء وفي الماء .

عن الماء

الماء واحد من بين الأسطقسات الأربعة (الماء والنار والتراب والهواء) ، هو في الأعماق والسماء . كما يعني الحياة وفق البعد الديني ّ “وجعلنا من الماء كل شيء حي “، وفي بعده الجغرافي هو النبع، والبحر ، والنهر ، والواحة، والمستنقع و… ، هو سقي وارتواء، شعور بالنقاء والطهارة في مقابل القذارة، إنه “البذرة السماوية التي منها اللؤلؤ،لأن كل لؤلؤة ما هي إلا قطرة ماء عذب نزلت من السماء،فتلقفها فم صدفة صعدت من أعماق البحر” حسب الشاعر المراكشي آيت وارهام الحاج .
والأكثر منه ، أن ” كل ماء حليب أمومي ” ، فالحليب يحمل في متخيل المبدعين صورة الماء يقول باشلار ،وفي نفس السياق ، فقد جعل الشاعر Jules Michele في ديوانه الموسوم La mer أما حنونا ، ومن مائه حليبا .
فكيف نقرأ ” أرض الغياب ” إذن ، ضمن متخيل الماء ، سؤال لا نملك في حدود المقام سوى ملامسة بعض تحولاته مركزين على الحياة والموت في علاقتها بالماء .

ماء الغلاف

لا يمكن أن تمر عين القارئ بحياد فوق غلاف رواية ” أرض الغياب ” دون أن تقلقه أو تزعجه لفظة “الغياب” ، مما يفتح شهية فضوله لإضاءة عتمة هذا الغياب والكشف عن معناه ، هكذا يمنحنا المعجم الوسيط أن الغياب هو مصدر غاب ، ويعني عدم الحضور ، كما يعني الاختفاء والرحيل بعيدا ، هذا المعنى المعجمي من شأنه تصعيد إمكانية الفضول وتهييجه لمعرفة مصدر هذا الغياب ؟ ومن الغائب ؟ وأسباب الغياب ؟
وبتسكعنا في أراضي الرواية وقراءتنا الفاحصة لأحداثها ، نقف على غيابات وغائبين ، لكن يبقى الغياب الأكبر هو رحيل” ماجد ” وتكون أداة القتل هي البحر- الماء .
نفس الماء تحيل عليه لوحة الغلاف باعتبارها نصا بصريا ولغة ثانية ، فاللوحة تختزل الماء ، لكن في نزيفه الذي تدل عليه تلك الحمرة التي تمتزج به ، وكأنها تحكي نزيف الغياب وآلامه التي خلفها ، وبذلك تعضد اللوحة سلطة الماء .
وإذا كان العنوان يعلن كما يذهب إلى ذلك ، وصورة الغلاف تستمد بلاغتها ولغتها الثانية من العنوان كلغة بصرية ، فهذا يعني أن “أرض الغياب ” لن تكون سوى كونا من الماء ، يؤسسه حشد من الدوال الضاغطة والمشغولة بتشكيل معجم وعوالم من الماء

الماء والحياة

قد يكون أقرب وأصدق توصيف بعد قراءة ” أرض الغياب” لعزيزة الطائي ، أن نقول بأنه نص متورط في الحياة ، حيث توالد الحكي وانتعاشه بفضل الماء نقرأ في ص 10″ وما كان مني سوى الطاعة ، والرضوخ لسلطان القلم ، لأخط أول حرف عزيز على أوراق ذاكرتي ..حاكية ، بأن لنا مفاصل ومداخل على مسرح حياتنا مع رحاب فضاء المطر ، وانبساط أشعة الشمس ، وأحلام تغاريد الطير ” .
من خلال هذا الشاهد ، يتضح أن المنحى السردي أو بالأحرى ، المنحى السردي في رواية ” أرض الغياب ” قد تفجر ماء من تحت أصابع الساردة وولى ظهره صوب الماء لتولد مجموعة من الحيوات ، لعلها فاتحة ماء الحكي وبداية البوح .

في خضم هذه الحياة المائية والجدلية لعلاقة الماء بالحياة ، تتجلى ولادة صداقة دائمة وحقيقية بين ” ناصر” و” ماجد” ليحضر الماء على شاشة القراءة فنقرأ في ص 12 ” وعندما التقى لأول مرة صدفة بصديقه ناصر ، كان ذلك على ساحل البحر ، تعارفا هناك ، وألفا بعضهما منذ أول لقاء جمعهما ” ، صداقة سيتقاسمان فيها على مدار فصول الرواية كل الصدق والمحبة سرا وعلانية ، علاقة اعتمد فيها جانبا عزيزا ومؤلما من حياتهما الدراسية والعائلية والثقافية والإنسانية ، كما لم يفرطا في الافتتان بالأرض والتشارك الفني :” وتمر الأيام بين ماجد وناصر ، فثمة شيء بداخلهما كان إضافة جديدة للتجانس بينهما ، فكثيرا ما خط ماجد على الأواني الفخارية التي يصنعها جده كلاما جميلا منمقا ” ونقرأ ايضا في نفس الصفحة ” وكثيرا ما شكل ناصر على أحجار الساحل الذي يسترزق منه جده لرسومات متقنة ، تحكي عبير شذى نقي ”

وبموازاة هذه الصداقة ، في نفس سياق حياةالحكي يصطدم القارئ بحدث مواز لا يمكن إغفاله ، أو التعاطي السريع معه ، أو القفز على حساسيته المؤثرة ونعني به ولادة الحب بين وقريبا من الماء نقرأ في ص 14:” أول لقاء لي به حين لمحته صدفة عند منعطف الوادي الصغير المطل على حينا .. هو متتبع خطاي برزانته الواثقة ، وحصانته الواعدة ، فانجذبت إليه مواصلة سيري شابا متألقا ، يرنو إلي موزعا نظراته إلى فسحة رحاب الوادي بتطلع وحب ” ، وبلحظة الولادة هذه ، تنفتح دوائر الأحداث في الرواية فاسحة المجال لمشاهد في غاية البهاء والفقد والغياب .

وفي نفس سياق هذه الحياة والماء ، يمكن أن نرصد العلاقة بين ” ناصر ” و” ” نقرأ في ص 17:” أكملت بصوتها الدافئ العذب : أحبها ناصر ، وتعلق بها فتاة أصيلة وادعة ، حين أواهما والدهما رئيس كتاب جمارك “توام” ، وهما قادمان بحرا من جهة الممر الذي يفصل بين ساحلي أرض ” قادي” ” .

لا ريب في أن هذه الولادات تقول الشيء الكثير عن الماء وتدفع إلى إيقاد حرارة الأحاسيس ، ومن ثمة الانخراط في معسكرات الحياة ، بقصد الذهاب سريعا وبجنون نحو الموت .

ونحن نقرأ ” أرض الغياب ” لا نستطيع أن نقاوم سطوة الماء أمام سيولة الماء التي يستدعيها السرد وإغراءات لغة الكلام بلغة رهيفة وحاذقة ، وذلك من خلال مساهمة المطر في تفجير شاعرية ” ماجد ” وهو يتأمل مشهد تساقطه ، نقرأ في ص22 :

“كان يوزع نظراته متأملا ..ثم بدأ يردد كلاما رقيقا في المطر ، وأنا منصتة :

سلام على أغنيات المطر
سلام وأفق الرؤى ينهمر
أقلب كفي على راحة جمر
بها يستلذ أريج الزهر”

الماء والموت

الماء تحول وحياة ، ، ارتواء و سكينة ، أمل و جوهر ، إبداع وعشق ، لكن لا غرابة أن يرتبط أيضا بالموت ، ويتحول إلى كائن حاف وعار من الرحمة ، بل إلى قاتل محترف وبقلب صلد ، وبمناسبة الموت بالماء تاريخيا ، نستحضر الشاعر الصيني ” لي بو ” 762-700 ق. م، الذي ركب زورقا في ليلة مقمرة ، شرب نبيذا و غنى و نظم شعرا ، و حين حاول أن يقبل صورة القمر على سطح الماء أنقلب ومات غرقا ، ثم الشاعرالبريطاني ” شيللي “(1792-1822) .

هكذا تحتشد حساسية الموت احتشادا عميقا وساحقا ، نقرأ هذه الحساسية في التصريح المفجع التي تخاطب فيها ” ” بلغة الرحيل والغياب : “رنت إلى البحر ، وطوقت وجهها بيديها ، ثم قالت :

ـ رحل ، بل رحلوا ، هم ثلاثة مع قبطان المركب _ رحمهم الله _ وعند عبورهم مضيق ” توام” هبت عاصفة قوية، فاقتلعت شراع المركب ، وضربته الصارية ” 81

يقدم لنا هذا الشاهد النصي شهادة لفهم غياب ورحيل ” ماجد ” وبلسان زوجته وحتى ندرك صورته “إذ أن جملة ” رنت إلى البحر ، وطوقت وجهها بيديها ” تستحضر الموت وتدفع به الى واجهة المشهد والصورة والتعبير والتشكيل ، ولا يبقى من سبيل أمامها سوى الإقرار بحجم المأساة التي تسبب فيها البحر الذي لميعد قابلا للنظر في وجهه العزيز.

قبل الختم

الرواية نص لغوي تخييلي مركب من مرجعيات وخلفيات ثقافية متنوعة ، لا يمكن أن تحيى وتتطور وتستمر دون أن تمد جسورها عموديا وأفقيا ،في علاقات مفتوحة ، في نفس السياق تتجاوز “ارض الغياب ” نصها الروائي إلى نصوص ذات طبيعة اجناسية مختلفة ” الرسالة ، الشعر ، المثل ، الأغنية “، وبذلك تفتح كل كواتها وتتسع للتفاعل النصي بوصفه ” جامعا يتسع لمختلف العلاقات بين النصوص سواء كانت لفظية أو غير لفظية ، وسواء قدمت شفاها او الكتروني”222ا
في نفس السياق ، تستوعب الرواية مجموعة مقاطع شعرية تتغيا جمالية النص الروائي وإبطاء ديناميته الحدثية، وبالتالي تكسير الحدود الجمركية الاجناسية وصفائها ، بذلك تتسرب إلى السرد نصوص شعرية صريحة فنقرأ في ص 74:

” لسنا إلا أشلاء طير حالم
مرفرفين بحلمنا المستهام
نقطف الشوك من فم الزمان
نعانق وردا نديا
فتغلفنا فرحة عذراء ”

تبدو هذه السطور الشعرية والمكتوبة وفق قصيدة نثرية ترجمة شعرية للحظة ، حيت يمتزج الشعري والنثري في سياق التعبير عن دفقة شعورية منبثقة تصوغ موقف الذات من الوجود والحياة يتقاذفه الحلم والشوك والزمان والفرح ،وبهذا المعنى ينفتح النص على تعددية الدلالات ، أضف إلى ذلك إفادة الرواية من المقول الشعري –الغنائي باعتباره تعددا لغويا وحافزا سرديا وشاهدا في ذاكرة الثقافة العمانية نقرأ في ص67

” قرنقشوه يوناس _ عطونا شوية حلواه
دوس دوس في المندوس _ حارة حارة في السحارة
قدام بيتكم وادي _ جاكم الخير متبادي ”

وفي نفس سياق التجاء السرد إلى نحت كتابة أخرىمتولدة من الرحم الحكائي تمتص الرواية مجموعة من الأمثال بما هي جنيسات أدبية هامشية بتعبير ” أندري جول ” ومن هذه الأمثال الفصيحة والعامية :

اللقمة في الحلق ..تؤول حال غيرك ”
يقول المثل القادي ” قهوة قليتيها بنت بلادي روحي خذيها ”
” فنجان من شله بو شل الفنجان شل العقل كله ”

من شأن هذه الأمثال إخصاب التعدد اللغوي والبنية الحوارية للنص هذا بالإضافة إلى إنتاج بنية إيقاعيةكالسجع كما هو في المثال الثاني ، كل هذا الخميل سيساهم في فتح شهية القارئ لاستهلاك وتلمظ معناه .
وفي أفق إثراء البنية الحوارية للخطاب تتفاعل الرواية مع فن الرسالة ، وبقراءتنا للرسائل المبثوثة في نسيج الرواية نقف عند العبارات الافتتاحية بماهي شارة استهلال وفتح لشهية المرسل إليه ” أخي الفاضل _ حضرة الوالد الكريم _ أخي الكريم _ أخي الهمام _ حضرة الأخ العزيز ”
ثم عبارة “أخوك المحب ، دمتم لابنكم المحب _ أخوك المخلص _ أخوك المحب “” هي قفل الرسالة ونهايتها ” ولا يخفى ان عبارتي الاستهلال والختم تندرجان ضمن علامات إشارية مسكوكة تصوي الخطاب الرسائلي ، هذا الذي يتحول عبر سيرورة السرد إلى فجوة ” يرى الناقد المغربي أحمد فرشوخ .

على سبيل الختم

ومجمل القول ، تعتبر رواية ” أرض الغياب ” لعزيزة الطائي إضافة روائية للمشهد السردي العماني بصيغة المؤنث ، وتجربة روائية مائية تنساب بمحمولات جمالية ورؤيوية مفتوحة ، تتولد حركيتها عبر تشخيص دينامية التاريخ والزمن ، عبر حوارية عميقة تتغيا مساءلة الماضي مع تفجير الحاضر واستشراف المستقبل .
أقول إن هذه الرواية حظيت وستحظي بأكثر من مستوي للقراءة والتلقي لأنها رواية ممتعة ومثيرة ومنفتحة ولا تخفي رؤاها ومواقفها ، علاوة على تقليبها لرماد الذاكرة بشاعرية جمالية من شأنها فتح شهية القارئ .

هوامش :

1 – عزيزة الطائية : ” أرض الغياب ” – دار فضاءات للنشر والتوزيع – 2013

عبدالله المتقي
أديب وكاتب مغربي

إلى الأعلى