الخميس 20 سبتمبر 2018 م - ١٠ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / .. دعوة للقراءة وحث على صحبة الكتاب

.. دعوة للقراءة وحث على صحبة الكتاب

سعود بن علي الحارثي

” … شاهدت اليوم بمحض الصدفة لوحة لمكتبة أعتقد أنها جديدة هي (مكتبة العائلة) وحينما دخلت إليها اندهشت وفرحت كثيرا لكثرة الكتب ولكنني حزنت في نفس الوقت لأنني لا أملك الفلوس، ومع ذلك اخترت منها مجموعة، قيمتها 20 ريالا وطلبت من صاحب المكتبة حفظها لديه إلى العصر خوفا من أن تنفد فمن فضلك يا والدي ساعدني بهذا المبلغ ولك مني وعدا أنني لن أطلب منك شيئا في ثلاثة أشهر …) .”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقول العقاد: “أهوى القراءة لأن لي في هذه الدنيا حياة واحدة، وحياة واحدة لا تكفيني ولا تحرك كل ما في ضميري من بواعث الحركة”.
حصل والدي في أرشيفه الخاص على رسالة مني مضى عليها ما يقرب من أربعة عقود، فقد بعثتها في الثاني من مارس عام 1979. عندما أطلعني عليها فرحت أشد الفرح بها، سر هذه السعادة أنها – أي الرسالة – تؤكد على أن حبي للكتاب وشغفي بالقراءة بدأ مبكرا منذ طفولتي، ولأنها ذكرتني بالماضي الجميل، وكيف كان المال عائقا في شراء كتاب تاقت إليه النفس وتعلق به القلب والعقل معا، وعن مسيرة الحياة وتطوراتها منذ ذلك اليوم وحتى لحظة وقوعها في يدي، وحجم التغيير الذي حدث في تدفق المعلومات والتقدم الهائل في مجال تأليف وتحقيق وطباعة الكتب والنشر والترجمة في شقيه الورقي والتقني، وانتشار المكتبات ودور النشر واليسر في الحصول على أي كتاب صدر في أي بلد من بلدان العالم بمجرد البحث عنه في محركات البحث، وارتفاع أسعارها بشكل كبير، كما أن شكل الخط وأسلوب الكتابة وما تضمنته من أخطاء ونوع الورق وغيرها ومقارنتها باليوم تعبر عن نمو الخبرات وتراكم المعرفة عند الإنسان كلما تقدم في العمر، وقد أخذتها متفاخرا أعرضها على أبنائي علهم يجدون فيها ما يشجعهم على اقتناء الكتاب وصحبته. كتبت فيها (والدي العزيز : السلام عليك ورحمة الله وبركاته وبعد : … شاهدت اليوم بمحض الصدفة لوحة لمكتبة أعتقد أنها جديدة هي (مكتبة العائلة) وحينما دخلت إليها اندهشت وفرحت كثيرا لكثرة الكتب ولكنني حزنت في نفس الوقت لأنني لا أملك الفلوس، ومع ذلك اخترت منها مجموعة، قيمتها 20 ريالا وطلبت من صاحب المكتبة حفظها لديه إلى العصر خوفا من أن تنفد فمن فضلك يا والدي ساعدني بهذا المبلغ ولك مني وعدا أنني لن أطلب منك شيئا في ثلاثة أشهر …) . وفيها من التلطف والرجاء الشيء الكثير مثيرا في والدي عاطفته في أن يوافق على أن يقدم لي المال الذي يضمن امتلاكي لذلك الكنز الذي حصلت عليه. وتضمنت الرسالة قائمة بأسماء الكتب، من بينها (العقد الفريد – روايات مختارة لنجيب محفوظ – ديوان المتنبي والمعلقات والبداية والنهاية لابن كثير … ). لقد أحببت الكتاب منذ الطفولة، وجعلت منه رفيقا في معظم ساعات اليوم التي أقضيها بصحبته، فقد كنت أجمع ال 100 بيسة التي يعطيني إياها والدي للمدرسة قيمة عصير (الصن توب) والسندويشة التي نشتريها في الفسحة من (المقصف)، وقد حرصت على الاشتراك في الجمعية التعاونية والمساهمة في البيع فيها لأحصل عليهما مجانا نظير جهدي، واستثمر المبلغ الذي يصل إلى 600 بيسة بنهاية الأسبوع لأسرع به إلى مكتبة أيمن القريبة من مدرسة الوليد بن عبدالملك في روي، لانتقاء وشراء كتاب، وقد اقتنيت وقرأت معظم روايات نجيب محفوظ – قبل فوزه بنوبل بسنوات طويلة – ومحمد عبد الحليم واحسان عبد القدوس وثروت أباظة وغيرهم في تلك الفترة، وما زلت احتفظ بها مسجلا عليها تاريخ الشراء. واليوم أحمد الله عز وجل أن هداني منذ طفولتي إلى حب الكتاب وعشق القراءة والمطالعة والابحار في صفحات الكتب التي تحمل عصارة المعرفة والابداع وتجارب الأمم وتاريخها التي قدمها للمكتبة العلماء والمفكرون والكتاب والباحثون والمؤرخون والرحالة فحجم السعادة والشعور بالراحة لا يوصفان في صحبة الكتاب . وكان تأثير أسرتي التي أنتمي إليها حاضرا في هذه العلاقة الحميمة التي جمعتني بالكتاب، فقد كان – أي الكتاب – جزءا من برنامج أفرادها اليومي في السبلة والمسجد والبيت، فقدمت العديد من العلماء والشعراء والكتاب، فكان ذلك التأثير الأسري هو المحفز الأساسي، وصحبة الكتاب والشغف بالقراءة الحاضن الأول الذي مكنني أو وجهني نحو الكتابة .
يقول الكاتب الفرنسي مونتين:” أن تقرأ يعني أن تجد الصديق الذي لن يخونك أبداً “. وجميع أقوال المفكرين والعلماء والكتاب عن القراءة والكتاب أكتشف حقيقتها وأشعر بها تباعا على ضوء صحبتي لهذا الرفيق الذي لا يكاد يفارقني، وخلال ممارستي للقراءة اليومية، لذلك فإن أثمن النصائح التي يقدمها لي صديق توجيهه لي باقتناء أو تصفح كتاب من الكتب الثمينة – وكل الكتب ثمينة وعزيزة – قرأه هو فأعجب به وتفاعل مع مضمونه وموضوعه واستحسن أن يرشد إليه صديق قدر بأن نصيحته سوف تدخل إلى قلبه السعادة، وأنفس الهدايا التي أستلمها هي الكتاب مهما كان موضوعه أو مضمونه أو عنوانه … وفي معرض الكتاب السنوي الذي تستضيفه مسقط في نهاية فبراير، ويشهد إقبالا واسعا من معظم شرائح المجتمع، ندعو الآباء والأمهات والمعلمين والمعلمات ووسائل الإعلام المختلفة إلى العمل على تشجيع الأبناء على القراءة واقتناء الكتب وربط أوقات فراغهم بها واستحداث برنامج زمني للقراءة يمكن أن يشترك فيه أفراد الأسرة يخصص جزء منه لعرض ومناقشة ما قرأه الأبناء وإنشاء مكتبات خاصة في كل منزل تكون مرجعا ومصدرا لأفراد الأسرة فمعظم الناجحين والفاعلين وأصحاب القامات الرفيعة من علماء وكتاب ومثقفين واكاديميين وخبراء في مختلف المجالات كان الكتاب وعشق القراءة والتأثير بمكتبات آبائهم والتثقيف الواسع، مكونا أساسيا ودافعا مهما ومحفزا لا غنى له لتحقيقهم النجاح في الحياة.

سعود بن علي الحارثي
Saud2002h@hotmail.com

إلى الأعلى