الخميس 20 سبتمبر 2018 م - ١٠ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : إنتاجية القانون
في العمق : إنتاجية القانون

في العمق : إنتاجية القانون

تطرح قواعد القانون ومبادئه على المشرعين البحث في استراتيجيات إعادة التجديد فيه ورسم ملامح التغيير به وإيجاد تقارب بين النصوص القانونية ومتطلبات الواقع الاجتماعي بالشكل الذي يضمن نهضة الروح الإيجابية للقانون في سلوك المخاطبين به، بما يضمن استيعابهم لمواده وإدراكهم لمقتضيات وجوده والقيمة المضافة التي يحققها في التزامهم أطره الضبطية والرقابية والتشريعية، فمسألة التجديد في روح القانون وتعميق حضورها في إدارة معطيات الممارسة اليومية لا تتحقق بكفاءة؛ إلا إذا ارتبط بالقانون نتاج واضح ينعكس على حياة المجتمع والمواطن في مهنية التطبيق وتيسير الاجراءات واختصارها وتمكين المعايير من التطبيق الفاعل لها في حياة المواطن، وتسهيل الخدمة وتعميق مساحات التكامل بين القانون كمنهج ضبطي وإطار تشريعي وبين جودة الممارسة كنتاج لقدرة القانون على الغوص في أعماق الإنسان ورصد التفاعلات والقناعات واتساع رقعة التأثير فيها، والتناغم الذي يوجده بين السلطات التشريعية والتنفيذية التي ينبغي أن تقرأ ما بين السطور وتدرس العوائق أو الثغرات الحاصلة، بما يضمن إعادة تصحيح المسار القانوني لها وضبطه وإيجاد مشروعات قوانين أخرى لمعالجة الاخفاقات وفجوة التطبيق، وبناء منصات تفاعل معه من قبل جمهور المخاطبين منه والمستفيدين من نواتجه.
ومعنى ذلك أن القانون لن يصل إلى مستوى الاحترافية والمهنية، إلا إذا واكبة نتاج على الأرض يلمسه المخاطبون منه عبر الشعور بالمسؤولية الفردية والمجتمعية بما يترتب عليه من أوامر ونواه وجزاءات أو عقوبات أو موجهات لتصحيح السلوك وتعديل الممارسة، لتصبح انتاجية القانون هي المعادلة الأقوى في قدرته على الثبات المصحوب بالابتكارية والتفاعل والشمولية والاتساع والتجديد والواقعية في طريقة تناوله للقضايا ومعالجته لها، وتعزيز ثقافة احترام القانون وقدرته على تغيير أدوات الواقع وإعادة الحياة فيها من خلال التأثير الذي يحدثه في سلوك المخاطبين، ووضع حد للممارسات التي تتجاوزه أو تخالف قواعده ومواده ولوائحه التنفيذية، بالاضافة الى الضمانات التي يوفرها في سبيل توفير بدائل أخرى داعمة للتغيير في العادات والسلوكيات والقناعات بحيث يشعر المخاطب به بأن القانون يعزز في النفس فرص المبادرة والتغيير وبناء الذات وتحصين السلوك وتعميق روح المسؤولية.
إن الحديث عن إنتاجية القانون في اطار الصلاحيات التشريعية والرقابية لمجلس عمان والتعديلات التي تضمنها المرسوم السلطاني 99/2011 على النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني 101/ 96 والتي تتمثل في مراجعة مشروعات القوانين واقتراح مشروعات قوانين جديدة يرى المجلس أهميتها أو تطوير مشروعات قوانين نافذة، وسواء كان ذلك على شكل نصوص قانونية أو اقتراح السياسات والاحكام التشريعية التي يراها للمصلحة العامة ومن ثم يترك أمر صياغتها في قوالب قانونية إلى الجهات المختصة في الحكومة، يأتي منطلق لبناء مفهوم الانتاجية في القوانين وربطها بمسوغات تنطلق من الواقع الاجتماعي واحتياجات المواطنين وطموحاتهم ورؤية الحكومة عبر مؤسسات الدولة في تحقيق هذا التحول الإيجابي المعزز للمزيد من المهنية التشريعية ويوفر الاريحية والثقة لدى المتابع لمنتج الدورة التشريعية البرلمانية بأن ما ينجزه المجلس إنما يستجيب لتطلعات المواطنين وطموحاتهم ويتناغم مع مستجدات التطور الحاصل في عمل المؤسسات ومفهوم الكفاءة الإنتاجية بها، وتعبير دقيق لشراكة المواطن في صناعة القرار الوطني وتهيئة الرأي العام به.
لذلك كان لمشروعات قوانين: المرور والجزاء وضريبة الدخل وقانون شركات التأمين وغيرها، حضورها الواسع في الواقع الاجتماعي والحوار بين الحكومة والمواطنين، استوعبت خلالها الحالة العمانية في ظل شموليتها واتساعها وتناولها المعطيات المرتبطة بطبيعة مشروع القانون ومجاله، وما واكبها من عمليات تشخيص ومراجعة وتصحيح وتطوير واستشراف للمتغيرات المؤثرة فيه وبروز الدورة التشريعية البرلمانية عبر مجلسي الدولة والشورى في المراجعة لها وفق نسق تنظيمي واضح ودورة تشريعية مكتملة وإجراءات تفصيلية دقية ومحددات مضبوطة من الناحية الزمانية لكلا المجلسين، وطريقة الإحالة للجنة القانونية وإبداء ملاحظاتها ومقترحاتها وتعديلاتها على مشروعات القوانين المحالة إليها وفق اجراء واضح، وطريقة إعادتها إلى مكتب المجلس والتفاعلات الحاصلة بشأنهاإلى حين إعادتها إلى الحكومة ، موجهات تضبط مسار العمل القانوني بهدف تحقيق إنتاجية عالية في مشروعات القوانين، واستيفائها كل الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والأمنية والفكرية والتوعوية والتشريعية ودخولها في مراجعات ومعالجات تضمن لمواد القانون فاعلية النفاذ.
إننا نقرأ في هذه الدورة التشريعية البرلمانية مساحات أكبر لإنتاجية القانون وقدرته على تحقيق معادلة التوازن في مشروعات القوانين، وهي مرحلة باتت بحاجة إلى عمليات تقييم واستقراء لمسار الوعي الاجتماعي حول ثقافة تطبيق القانون والتعاطي مع مواده والتسويق له ورصد أي انحرافات أو مؤشرات حول نتائج تطبيقه ومستوى الحاجة إلى تفسيرات وتوضيحات المتخصصين فيه، وتقديم برامج تثقيفية وتوعوية تشرح أحكامه وتفسّر أي لبس أو سوء فهم نحوه، وتبني مسارات تقبّل القانون كمكون رئيسي لحياة الإنسان وسعادته ونجاحه، فهل سيصنع هذا النهج الذي أوجده المشرّع في عرض مشروعات القوانين على مجلس عمان مرحلة تحول في إنتاجية القانون نلمسها في واقع عمل المؤسسات والتزامها نحو المواطن ؟

د. رجب بن علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى