الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين الثالثة .. هل سيغير الدواعش استراتيجية كبرى الدول الإقليمية؟

العين الثالثة .. هل سيغير الدواعش استراتيجية كبرى الدول الإقليمية؟

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

تابعنا معظم التحليلات التي حاولت تفسير بروز ظاهرة الدواعش في العراق؟ وكيف تمكنت من الاستيلاء على مدن رئيسية؟ وكيف أصبحت تهدد وحدة العراق؟ وكيف تخشى منها دول إقليمية كبيرة في المنطقة إلى حد الإعلان عن أهبة جيشها واستعداداته لمواجهتها داخل حدودها؟ وهذا يعد تحولا استراتيجيا ينبغي أن يهز بقية دول المنطقة، لأنه يعطي للدولة الحق في التدخل العسكري في مناطق النزاع الداخلية لدول المحيط الجغرافي لها إذا كان ما يجري داخل المحيط من أحداث سوف يؤثر عليها مستقبلا.
ويكمن السبب وراء هذا التحول الاستراتيجي، اخفاق العراق في التصدي للحركات المسلحة والارهابية والتي تسببت في انهيار سيطرة الدولة فجأة على مساحة كبيرة من العراق، فهل سيرى هذا التحول النور؟ لا يزال هذا التحول يدرس منذ فترة قصيرة في مطابخ صناعة القرار العليا في ظل تأييد أصوات مؤثرة تحت حجة إخماد الحريق خارج الحدود حتى لا يصل سعيره إلى الداخل، وهو إن حدث، فهو سوف يعيد المنطقة للهواجس القديمة، وسوف يفتح ملفاتها، وكأننا لم نغادر الماضي، والسبب داعش، ومن هى داعش؟ هى جماعة مسلحة أكثر تنظيما، لها إيديولوجية دينية تحاول من خلالها إيجاد أرض لإقامه دولة عليها بعد أن أصبحت سوريا ملاذات للجماعات المتطرفة بما فيها داعش التي نجحت في استقطاب مجموعات من الشباب الخليجي، وهناك تحليلات قدمت لنا رؤية عميقة للظاهرة، وأخرى ارجعتها الى صناعة أميركية وإقليمية .. موضحة أسباب موضوعية ترجح ( نظريا ) مصلحة واشنطن وبعض دول المنطقة في وجود قوة سنية معارضة للمالكي وإيران خاصة في المرحلة الراهنة الحاسمة التي دخلتها المفاوضات النووية بين طهران والغرب، وكذلك من أجل كسر الاحتكار الشيعي الايراني للعراق، وشغل طهران والمالكي بأوضاع داخلية قوية تحول دون إزعاج الإقليم، ومهما كان من عمق تلك التحليلات إلا أنها لم تنفذ الى بنية الظاهرة والى البيئة التي ولدتها والتي تجعل من الشباب ينقادون لها، وإنما ركزت على بروزها وتداعياتها، وتقاطع مصالح قوى عالمية وإقليمية معها، فمن أي مصنع خرج الدواعش؟ سوف نركز على مصنع واحد فقط، لأنه الأهم، ولانه موجود في كل دول المنطقة، وهو مصنع الطائفية الاقصائية, أي إقصاء مذهب سائد لمذاهب أخرى داخل الدولة الواحدة، ليس مهما من ينتمي للمذهب الاقصائي، اغلبية السكان أم أقليته؟ فكيف لو كان المذهب الاقصائي، مذهب الأقلية؟ فماذا نتوقع من المقصيين،، أغلبية كانوا أم أقلية ،، في لحظة التقاطعات الإقليمية والعالمية داخل الدولة المتصارعة مذهبيا؟ من هنا خرج الدواعش من هذا الرحم الولود، أو استغلوا مخرجاته، خرجوا في مرحلة انفجر فيه العنف والتطرف في المنطقة ضد أنظمة عربية، وأفضل مثال هنا ،، سوريا ،، ومن هاتين البيئتين كان العراق وسوريا مسرحا طبيعيا للدواعش حاملين لواء السنة ضد لواء الشيعة بهدف استقطاب أهل السنة ليس فقط ضد الشيعة وإنما ضد كل الأنظمة في المنطقة، لأنها من منظور الدواعش لا تطبق شرع الله، والمثير في هذه الظاهرة التفاف عنصر الشباب حول داعش بنفسية دافعة تشكل قوة الظاهرة ونجاحها، وهذه الدافعية وراءها نفسيات مقهورة بسبب الإقصاء المذهبي أو الإنساني، والتساؤل الذي ينبغي أن يطرح هنا وبقوة كذلك، هل الإقصاء المذهبي والإنساني حكرا فقط على العراق في ظل حكومة المالكي؟ من الأهمية أن يطرح هذا التساؤل الآن على كل دول المنطقة إذا ما أرادات الاستفادة من تجربة بروز ظاهرة داعش في العراق حتى لا تتكرر معها نفس الظاهرة؟ ولو تعمقنا في بنية كل دولة خليجية فسوف نجد فيها نهج الاقصاء سائدا ولو بدرجات متفاوتة مع ما رسخته حكومة المالكي في عهد الاحتلال الأميركي والبريطاني أو بعده، فهناك مذاهب داخل الدولة الواحدة تبحث عن حقها في التعليم والتدريس والنشر والحفاظ على هويتها، لكنها تجابه بسيادة المذهب الواحد، كما أن هناك دولا داخل المحيط مذهبية ،، قانونيا ،، وتمارس أقصى الإقصاء على المذاهب الأخرى، وتتمدد إلى خارج حدودها لدعم المذهب السائد فيها .. ولو تم نسخ داعش في هذه الدول، فسيكون من السهولة بمكان استقطاب كل من يشعر بالاقصاء والتهميش، وكذلك كل من له نفسية مقهورة.
تلكم بيئات متفجرة، وقابلة للاشتعال في اية لحظة، بصرف النظر عن نجاح أو فشل الدواعش في العراق، فكيف لو نجحوا؟ وربما علينا كذلك التوقف قليلا، عند مغازلة داعش السياسية لكبرى دول الاقليم الخليجي، وهذه المغازلة رسالة سياسة تكشف لنا خطوتها المقبلة ليس فقط من حيث امتدادها الجغرافي، وإنما الأهم الان، محاولتهم الكسب الفكري للمحتوى الديموغرافي الخليجي عبر استخدام شبكة التواصل الاجتماعي التي يبدو أنها تملك كوادر تقنية عالية المستوى، فمن خلال تغريداتها، نقلت الكرة مؤقتا الى أحد الملاعب الرئيسية في المنطقة بعد العراق في خطوة صغيرة يبدو أنها سوف تكبر خلال الايام المقبلة، وقد كان تأثيرها كبيرا الى حد أنها نافست مونديال كأس العالم على عكس عدوان غزة، فهل سوف تقوم دول المنطقة بمراجعة شاملة لسياسة الاقصاء والتهميش المذهبي والسياسي قبل فوات الآوان؟ وإذا لم تقم بذلك، ففي كل واحدة منها من المثيرات والمبررات التي سوف تجعل من سياسة التدخل ،، الوقائية ،، في حالة تبنيها إكراه يهدد استقرار المنطقة بأكملها.

إلى الأعلى