السبت 22 سبتمبر 2018 م - ١٢ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : تاريخ من التوابيت

باختصار : تاريخ من التوابيت

زهير ماجد

فجأة اهتز المكان من صوت انفجار بعيد .. من الطابق السادس حيث كان مكتب المحلل والكاتب اللبناني المعروف ببيروت ميشال ابو جودة كان المشهد يرى البعيد من الدخان الكثيف .. انها عملية كبرى قالها ابو جودة .. انتظرنا الفلاشات الإخبارية من الإذاعات المحلية، ولم يمض وقت طويل حتى كانت احداها تؤكد خبر حصول عملية كبرى ضد قوات المارينز الاميركية بالقرب من مطار بيروت.
كان ذلك في ربيع العام 1983 .. حين فجر احد الاستشهاديين سيارته المحملة بالمتفجرات في ذاك المقر الذي دمر عن بكرة ابيه وسقط اكثر من مائتين وستين من خيرة الجنود الاميركيين قتلى. ولم يكن مضى ساعة تقريبا على ذاك الانفجار حتى كانت القوات الفرنسية في بيروت ايضا يضربها انفجار آخر فيسقط قتلى وجرحى بالعشرات.
بعد ساعات اصدر الرئيس الاميركي آنذاك ريجان قراره بسحب جميع القوات الاميركية من لبنان، ومثله فعل الرئيس الفرنسي ميتران بسحب الفرنسيين بعد هذا القتل بالجملة، وبطريقة جديدة واسلوب لم يعتد عليه الاميركي ولا الفرنسي. وقبل العمليتين، كانت مدينة صور في جنوب لبنان تشهد عملية استشهادية ضد القوات الاسرائيلية ليسقط فيها عشرات من القيادات الاستخباراتية الاسرائيلية ويدفع وزير الدفاع آنذاك شارون الى البكاء الصامت.
هي ليست اسرارا، بل وقائع، هي فقط سر الأوطان حين تغزوها دول غريبة عنها لا تمت لها بصلة، ويقال تحتلها .. ثمة انهار من الغضب في وشوشات الثرى ترفض ان تنصاع أو تقبل .. ولهذا يكون الرد عنيفا من الشعوب التي يسيطر عليها في ذلك الوقت عمليات مقاومة تعبر عن نهوض وطني.
عام 1945 كانت فرنسا تحتل فيتنام، وفي احد ايام تلك السنة، جرت اكبر معارك التاريخ الحديث التي دعيت بمعركة ديان بيان فو حيث تحولت إلى مذبحة للجيش الفرنسي الذي فقد يومها اكثر من خمسة واربعين الف قتيل.
ولا نزال إلى اليوم نذكر فيتنام كلما اشرنا إلى فعل المقاومة في التاريخ، لا بل لا ننسى الجزائر ايضا التي صارت انموذجا للشعوب المناضلة من اجل حريتها من الاحتلال .. وكيف لنا ان ننسى محطة من اهم المحطات في هذا الشأن وهو المقاومة العراقية للاحتلال الاميركي منذ العام 2003، أي منذ ان ظن الأميركي الذي اسقط تمثال صدام حسين في منطقة الفردوس ببغداد انه مقيم في هذا البلد إلى ما شاء الله، فإذا بأحلامه تنهار حين تم الرد بعد ساعات على المشهد الحزين بعمليات من المقاومة العراقية يقال انها كانت جاهزة ومجهزة من قبل الرئيس الراحل صدام، وكرت بعدها سبحة العمليات حتى وصلت في الأيام التالية إلى العشرات يوميا وربما المئات.
اليوم يعود الجنون إلى الاميركي الذي كأنه لم يتعلم من ثورة الشعوب ومن قبضتها الحديدية، ومن تراثها التحريري. لا بد من تذكيره بالتوابيت التي كانت تنقلها الطائرات الاميركية يوميا من العراق، وقبلها من فيتنام، ومن كوريا، ومن لبنان، وكيف تحول آلاف الاميركيين الجنود إلى المصحات العقلية نتيجة الكآبة التي ضربتهم خوفا وهلعا من الذي عاشوه في شوارع ومدن وارياف وقرى العراق.
ارى أمام عيني مسلسل التوابيت يعود مرة اخرى من العراق ايضا، ومن سورية هذه المرة. توابيت لجنود وضباط من القوات الاميركية التي لا يبدو انها تعلمت من التجارب السابقة، كأنما الامبريالية كما اطلق على اميركا قد فقدت عقلها وارادت ان تجرب مرة اخرى ما كان مجربا وادى إلى العار الذي لحق بها وبهيبتها التاريخية.

إلى الأعلى