الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م - ١٥ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الفقر في بلاد الرافدين

الفقر في بلاد الرافدين

كاظم الموسوي

” ساهمت الحرب ضد “داعش” خلال ثلاث سنوات، في تزايد حدة الفقر في البلاد نتيجة نفقاتها الباهظة وتدمير الكثير من البنى التحتية ومنازل السكان. علما أن الآلاف بل الملايين من العراقيين في محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين وديالى تضرروا من سيطرة “داعش” على مناطقهم منذ العام 2014، ونزح الكثير من تلك العوائل إلى مناطق آمنة في إقليم كردستان ووسط وجنوب العراق،”
ـــــــــــــــــــ
عنوان صادم، الفقر في بلاد الرافدين، ولكن الوقائع تفزع بذلك، ويصبح الحال أكثر إيلاما حين تعلن مؤسسات دولية في تقاريرها الدورية أرقاما ونسبا مئوية للفقر والفقراء في هذه البلاد. وليس آخرها التقرير الذي صدر عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونسيف) يوم 2018/2/11 وجاء فيه، أن ربع أطفال العراق يعانون من الفقر بعد الحرب على داعش. أو أن طفلا من بين كل 4 أطفال في بلاد الرافدين يعيش في حالة فقر، وأن 4 ملايين طفل يحتاجون للمساعدة كنتيجة للحرب على تنظيم “داعش”. وأن نصف مدارس بلاد الرافدين بحاجة إلى إصلاح بينما تعطلت العملية التعليمية لأكثر من 3 ملايين طفل، وأضاف التقرير، أن الأمم المتحدة تحققت من وقوع 150 هجوما على منشآت تعليمية، و50 هجوما على مراكز صحية وموظفيها منذ 2014.
تقرير المنظمة بأرقامه وإحصاءاته مؤلم وقاس على الحريصين فعلا على البلاد والعباد، وعلى مستقبل بلاد الرافدين. وهذا الوضع يضع أمام من يتحمل المسؤولية مهمات جسيمة واختبارات محسوبة بدقة. كما هو معروف، أن هناك لجنة عليا لسياسات التخفيف من الفقر، أو التقليل أو مكافحة أو ما تسمى به، عقدت اجتماعات، وآخرها برئاسة رئيس الوزراء حيدر العبادي في بغداد، يوم 2018/1/22 وأقرت اللجنة استراتيجية وطنية للتخفيف من الفقر في العراق بين أعوام 2018 ـ 2022 وتحقيق هدفها الأساس في خفض مستويات الفقر العام. وشدد العبادي على أن العراق يجب أن يغادر حالة الفقر المدقع وانعدام الأمن الغذائي باتباع إجراءات تستهدف الفئات المهمشة خلال مدة تنفيذ هذه الاستراتيجية. وأكد العبادي على توفير فرص عمل للشباب، والترويج لإنشاء القرى الرائدة في الريف العراقي، مشيرا إلى ضرورة مواصلة تقييم بدائل بناء السكن الاقتصادي لمعالجة السكن العشوائي.
من بين ما توصلت إليه اللجنة الموافقة على المشروع الطارئ لدعم “الاستقرار الاجتماعي والصمود”، لقرض البنك الدولي على أن يوزع على مشاريع التشغيل والقروض لأغراض العمل. وإطلاق تمويل إكمال المشاريع المنجزة (غير المدفوعة) الخاصة بسكن الفقراء وبناء المدارس. وهذه أقوال أو أفكار مكررة تحتاج أن توضع على المحك وتقرأ النتائج والحلول الواقعية وإنجازات الأهداف منها.
في الوقت نفسه، تعمل وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي على الخطة التي أطلقت استراتيجية مكافحة الفقر لسنوات (2018 – 2022) في خطوة لخفض معدلاته التي قاربت الـ 23٪. حسبما صرح المتحدث الرسمي للوزارة عبد الزهرة الهنداوي، وقال: إن الاستراتيجية الجديدة تتعامل مع الواقع الموجود حاليا لاسيما أن مؤشرات الفقر لاتزال مرتفعة، حيث يعيش نحو 23 ٪ من سكان العراق تحت خط الفقر بواقع نحو 10 ملايين شخص، مشيرا إلى أن تلك النسبة تعتبر كبيرة ومرعبة وتتطلب وضع حلول ومعالجات لتقليل نسبة الفقر.
تجري الوزارة مسوحات ميدانية بالتعاون مع البنك الدولي ومنظمات الأمم المتحدة والبرنامج الإنمائي وتستهدف تلك المسوحات جميع فئات وشرائح المجتمع حيث يتم تحديد خط الفقر وفقا لحاجة المواطن في عدة أبعاد منها الصحة والسكن والدخل اليومي والتعليم والحماية الاجتماعية فضلا عن تمكين المرأة.
أكد ذلك وزير التخطيط العراقي، سلمان الجميلي (04 شباط/ فبراير 2018 ) موضحا أن استراتيجية الحد من الفقر للعراق تستمر على مدى الفترة من 2018 ولغاية 2022. وقال إن الاستراتيجية تعتمد على قاعدة بيانات دقيقة تشمل نسبة الفقر والأوضاع الاقتصادية للسكان على مستوى البلاد. وسوف تركز على تنمية الطبقة الفقيرة، من خلال مشاريع استراتيجية تتيح فرص عمل للباحثين عنها، فضلا عن تقديم العون ضمن شبكة الرعاية الاجتماعية. وكانت آخر الأرقام الرسمية المعلنة من وزارة التخطيط عن معدل الفقر في البلاد، نهاية 2013، بنسبة 16٪. بينما أشارت التقديرات إلى ارتفاع تصاعدي في معدل الفقر منذ ذلك الوقت، بوصوله إلى 22 ٪ خلال 2014، ثم ارتفع إلى 30 ٪ خلال العام 2016. أي أن معدل الفقر في العراق في ازدياد منذ 2014، نتيجة الانخفاض الحاد في أسعار النفط الذي تشكل إيراداته نحو 95 ٪ من ميزانية الدولة.
ساهمت الحرب ضد “داعش” خلال ثلاث سنوات، في تزايد حدة الفقر في البلاد نتيجة نفقاتها الباهظة وتدمير الكثير من البنى التحتية ومنازل السكان. علما أن الآلاف بل الملايين من العراقيين في محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين وديالى تضرروا من سيطرة “داعش” على مناطقهم منذ العام 2014، ونزح الكثير من تلك العوائل إلى مناطق آمنة في إقليم كردستان ووسط وجنوب العراق، حيث فقد أغلبيتهم بيوتهم وما كانوا يملكونه.. وقد تسببت الحرب على عصابات الإرهاب في تدمير نسبة كبيرة من البيوت في المناطق التي كانت تحت سيطرة عصابات “داعش”.
رغم المعطيات الرسمية يصعب إعطاء رؤية مستقبلية للفقر في العراق لأن المستقبل الاقتصادي للعراق يرتبط بمجموعة من المتغيرات السياسية والاقتصادية التي تؤثر في الملامح المستقبلية للاقتصاد العراقي منها ما يتعلق بالوضع الأمني وحجم الإيرادات النفطية وتقلبات أسعار النفط وكيفية التعامل مع الديون والتعويضات، وحجم الاستثمار المتوقع في العراق، وقد كشف مؤتمر الكويت الأخير لإعمار العراق بعض هذه الوجوه والتعقيدات للرؤية البناءة.
اللجنة العليا ولجان وزارة التخطيط والتعاون وغيرها من الجهات المكلفة بالحد من الفقر وتفاقم مشكلته، يقتضي عليها إلا تكتفي بعقد اجتماعات وإصدار بيانات وإطلاق تصريحات عن خطط واستراتيجيات فقط وحسب، بل العمل الفعلي على تنفيذ استراتيجيات منتظمة وإنجازات الخطط الموضوعة والتصريحات عن النتائج والمنجزات المتحقق منها. وهذه لا تتم بدون تشريعات وقوانين ومكافحة الفساد ومحاسبة المقصرين أو المعرقلين للتنفيذ والتطبيق. وبدون الخطط الاستراتيجية وشبكات الرقابة والشفافية ومراكز البحث والإحصاء والمقارنة بين الأهداف والإنجاز والإخلاص في التخلص من العوامل والأسباب المؤدية فإن القضية المفزعة ستستمر وأن الفقر في تصاعد والأزمة في تفاقم وكل ما سبق يصير كلاما في شبك…

إلى الأعلى