الأحد 23 سبتمبر 2018 م - ١٣ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث : في قبو سفينة نوح للبذور النباتية

في الحدث : في قبو سفينة نوح للبذور النباتية

طارق أشقر

بعد أكثر من عشر سنوات منذ إنشائه لأول مرة في العام 2007 ، أعلنت الجهات المسؤولة عن قبو بذور المحاصيل الزراعية بالنرويج أمس الإثنين بأن القبو الذي أنشئ تحسبا لوقوع كارثة عالمية تضر بالمحاصيل الزراعية قد أكمل العدد المستهدف من أنواع بذور المحاصيل التي كانوا يأملون في أن تغطي قائمتها جميع أنواع النباتات ذات العلاقة بالعادات الغذائية في مختلف أنحاء العالم، وهو أربعة ملايين وخمسمائة ألف عينة من البذور.
ويحمل القبو القائم بجزيرة سبيتسبرجن بالنرويج ويبعد حوالي ألف كيلومتر من القطب الشمالي اسم قبو سفينة نوح لمملكة النباتات كدلالة على الحرص على حفظ النوع والجينات الوراثية لكل نبات وبذور أينما وجد في مختلف أنحاء العالم، على أمل أن يسهم في توفير الغذاء وضمان عدم فقدان الناس لغذائهم عند وقوع حرب كونية تقضي على الأخضر واليابس من المزروعات على سطح التربة، أو عند وقوع كارثة بيئية عالمية.
وقد استفاد مؤسسو القبو من الطبيعة المناخية لمنطقة جبلية يغطيها الجليد في مدينة لونجييرباين بجزيرة سبيتسبرجن النرويجية التي كانت في السابق منجماً لاستخراج الفحم، معتبرين أن مستوى البرودة وعمق القبو البالغ طوله عشرين متراً من الخرسانة المسلحة تشكلان الظروف الأمثل لتخزين البذور دون الحاجة لبرادات صناعية لهذا القبو الذي يشكل عمليا بنكا مستقبليا لحفظ جينات الإنبات، غير أنهم لم يستغنوا عن الطاقة الكهربائية، حيث تم تزويد القبو بوحدة كهربائية إضافية تزود غرفه الثلاث المبطنة بالصلب بمستوى برودة حتى ثماني عشر درجة مؤية.
بهذا الإنجاز العلمي الإنساني الذي جغرافيته النرويج وبالقرب من القطب الشمالي، حيث الطبيعة ليست مهيأة للزراعة، تعرت الذهنية الشرق أوسطية على وجه العموم دون التحامل على منطقة معينة من المناطق الزراعية سواء في المنطقة العربية أو الإفريقية والتي تعتبر من الجغرافية المناخية للزراعات بمختلف أنواعها قمحا وشعيرا وذرة وحنطة وخضراوات شتوية وخريفية وربيعية وفواكه وموالح وغيرها.
لقد أسهم الكهف من حيث الفكرة مرورا بالتنفيذ والمثابرة في التمويل والصبر إلى حين إتمام العدد المستهدف من أنواع البذور بوضوح في كشف خواء الرؤية المستقبلية الشرق أوسطية التي لن تولي أمر المخزونات الاستراتيجية الغذائية اهتماما ينبغي أن يفوق اهتمامها بالمخزونات الاستراتيجية من الأسلحة الفتاكة التي تكون حصيلتها القضاء على الجنس البشري، بدلا من السعي إلى الحفاظ عليه عبر صون بذور وجينات غذائه.
قد يرى البعض أن إقدام النرويج كغيرها من الذهنية الغربية على التفكير في مستقبل البشرية الغذائي أمر طبيعي يظل منسجما مع حالة اعتماد الشرق في أبسط ضرورياته الحياتية على الغرب، خصوصا وأنه أي الشرق أدمن بالفطرة حالة الاعتماد على غيره، ليس في سلاحه، أو في تكنولوجيته فحسب، بل حتى في غذائه الآني الذي يحتاجه يوما بعد يوم ناهيك عن غذائه المستقبلي.
ولكن مع قناعتنا بأن العقلية البشرية أينما وجدت ينبغي أن تكون خلاقة ومبدعة إذا تمكنت من الانعتاق من مشاكلها المعقدة والتغلب على تحدياتها المحيطة، فهي قادرة على أن تتجاوز عثراتها في الابتكار والإبداع، وبالتالي يظل الأمل نافذة مشرعة بأن يطل منها التفكير الذي يستشرف المستقبل ليتم النظر إلى كل ما يتعلق بحياة الإنسان برؤية تؤثر الاستدامة والعمل من أجل أجيال المستقبل على الآنية في استنزاف الموارد المتاحة في وقتها … فهل سترى المنطقة العربية نموذجا آخراً من سفينة نوح للمملكة الغذائية؟

طارق أشقر
من أسرة تحرير الوطن
ashgartariq@yahoo.com

إلى الأعلى