الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م - ٩ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / لدينا ملايين من صلاح لنبحث عنهم

لدينا ملايين من صلاح لنبحث عنهم

” إن الأغلبية والسواد الأعظم من المسلمين الذين تخطوا المليار إنسان حول هذا الكوكب، لديهم من القيم والأخلاق المستمدة من دينهم الحنيف الكثير، ويوجد بين ظهرانيهم عقول نابهة ونابغة ومتفوقون في كافة المجالات، لكنهم محاصرون بمؤامرة تسعى إلى إفقارهم وتجهيلهم، ليكون رهينة (داعش) والاستعمار الذي يموله،”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
شكلت الأغنية التي رددها جماهير نادي ليفربول الانجليزي للنجم العربي المسلم المصري محمد صلاح، صدمة في أوساط الصحافة الرياضية العالمية، بل تعدتها ليفرد لها مساحات في صفحات السياسة بأكبر الصحف العالمية، فالصحف ووكالات الأنباء العالمية هالها أن يردد مشجعون عرفوا بعنصريتهم الشديدة، واستهدافهم الواضح للاعبي الكرة المسلمين خصوصا، يرددون أغنية تقول إذا استمر صلاح في تسجيل الأهداف سوف نكون مسلمين، وهو ما دفع صحيفة مثل الواشنطن بوست إلى الاستعانة بمسؤولين من جمعية متخصصة في جمع التقارير عن الحوادث العنصرية من قبل جماهير كرة القدم، ومقرها لندن، حيث كشفت الجمعية أن في 1378 لقاء تابعته الجمعية في الموسمين الماضيين، حدثت 539 حالة هجوم عنصري من قبل الجماهير، 59 منها كان من قبل الجماهير الإنجليزية، بل إن المديرة التنفيذية للجمعية قالت إنه وبوصول صلاح إلى ليفربول تراجعت حدة الإهانات العنصرية، واصفة الأمر بالخارق.
وعللت المختصة في حوادث العنصرية ما أحدثه صلاح بأن اللاعب الجيد يكسر الحواجز، مما يدفع الجماهير لتقبل عرقه أو دينه، حتى لو كانوا في الماضي ضد ذلك، وهو الأمر الذي ترى فيه فائدة كبيرة للتغلب على العنصرية، وأبدى العديد من الكتاب الأوروبيين حتى بعضهم غير متخصص في الرياضة، سعادتهم بما حدث رغم أن صلاح يفصح دائما عن دينه بشكل مباشر بعد إحراز كل هدف (في إشارة إلى السجود)، ويرون أنه يقيم كل الشعائر الدينية الإسلامية، وأن سكان مدينة ليفربول وجيرانه يتقبلون ذلك بأريحية غير معهودة في الشعب الانجليزي، خصوصا مع تنامي الإسلاموفوبيا نتيجة الممارسات الإرهابية لبعض المحسوبين على الدين الإسلامي الحنيف.
أعتقد أن محمد صلاح ليس حالة فريدة ، فصلاح ابن قرية نجريج بمركز بسيون في محافظة الغربية المصرية، هذا الشاب البسيط غير المتكلف، لدينا في عالمنا العربي الملايين مثله، لكن صلاح بحكم موهبته ظهرت تلك الخصائص، لكنه يتحرك وفق منظومة القيم التي تربينا عليها، وقد تكون توارت بين السعي وراء لقمة العيش، والنمط الاستهلاكي الذي سيطر علينا، لكن بذور تلك الأخلاق لا يزال يسكننا، ولا تزال القيم الإسلامية السمحة هي المشكلة للغالبية العظمى للمسلمين، الذي فتحوا قلوب الشرق والغرب بتعاملاتهم التجارية والإنسانية في العصور الماضية، فهناك الملايين من صلاح ، قد يكونون لا يملكون موهبته، أو حتى إصراره على إبراز تلك الموهبة، لكنهم بالتأكيد يحملون أخلاقه، فهو رغم ما يصنعه من تفوق رياضي، لم يحتج لمدير أعمال ليرشده لإعطاء طفل انجليزي زيه الرياضي، فعندما رأى لافتة الطفل، سعى بوازع من أخلاقه العربية المستمدة من هذا الدين العظيم، ليقدمه له.
إنها أخلاق حوصرت ما بين الدعايات الغربية، وبين دعاة تكفير المجتمع الذين يسعون في الأرض فسادا وإرهابا، ينفر، فليس من المنطقى أن ينظر لدين مثل الإسلام، بسبب بضع مئات من الإرهابيين، الذين وجدوا بفعل فاعل، فاعل استغل الجهل والفقر، ليحاول زرع هذه الأفكار الهدامة.
إن الأغلبية والسواد الأعظم من المسلمين الذين تخطوا المليار إنسان حول هذا الكوكب، لديهم من القيم والأخلاق المستمدة من دينهم الحنيف الكثير، ويوجد بين ظهرانيهم عقول نابهة ونابغة ومتفوقون في كافة المجالات، لكنهم محاصرون بمؤامرة تسعى إلى إفقارهم وتجهيلهم، ليكون رهينة (داعش) والاستعمار الذي يموله، أو الأنظمة الأرهابية، والاستعمار الذي يرسخ أقدامهم، خيارات مفروضة على أمة بأكملها، بفعل عملاء الداخل والخارج، الذين يتلقون أوامرهم من الأسياد في العواصم الكبرى.
محمد صلاح لاعب كرة وليس سياسيا أو عالما، هذا الشاب المتوسط في كل شيء أضحى نموذجا للشباب العربي، لدرجة أن بعض الشباب تخلى عن الأندية التي يشجعونها، وتفرغوا لتشجيع صلاح خاصة في بلده مصر، أن صلاح أصبح نموذجا لقوة ناعمة عربية كنا نملكها في الفن والسياسة والاقتصاد، نموذج لموهبة رفضناها محليا، فتألقت عالميا، نموذج نريده أن يسهم بأخلاقه في ترسيخ القيم الإسلامية، وأن يحفز شباب العرب على الإيمان بمواهبهم أيا كانت، لنعود رويدا رويدا لمكانتنا العالمية، فالعالم العربي والإسلامي لا يحتاج لصلاح واحد، بل يحتاج لملايين صلاح في كافة المجالات، وعلينا نحن أن نبرزهم أيضا ونحتفي بهم كما نحتفي اليوم بصلاح، فهناك العديد من العلماء والنابغين من العرب والمسلمين حول العالم، يحتاجون لفرصة حقيقية تنتشل بلدانهم العربية والإسلامية مما ترزح فيه من فقر وجهل ومرض ودواعش يسيئون لها وللدين الإسلامي الحنيف.

إبراهيم بدوي
كاتب صحفي مصري
Ibrahimbadwy189@gmail.com

إلى الأعلى