الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع .. مبادرة أميركية بثوب وغطاء عربيين

شراع .. مبادرة أميركية بثوب وغطاء عربيين

خميس التوبي

كما كان متوقعًا أن يأتي الرد إيجابيًّا بقبول كيان الاحتلال الصهيوني على ما قيل إنها مبادرة مصرية للتهدئة، بعد أن ردت حركة حماس سلبيًّا برفضها المبادرة جملةً وتفصيلًا، معتبرةً إياها خنوعًا وركوعًا، مؤكدةً أنه ” لم تتقدم أي جهة رسمية أو غير رسمية إلى الحركة بما ورد في مبادرة وقف إطلاق النار المزعومة التي يتم الحديث عنها في وسائل الإعلام”.
وفي ظل فتور العلاقة بين مصر وحركة حماس وتوترها، فإنه من المستبعد أن تكون القاهرة هي صاحبة المبادرة، ومن المحتمل أن تكون في الأساس مبادرة أميركية بثوب عربي أو مصري تحديدًا، حيث بدا هناك إلحاح أميركي طوال أيام إرهاب الدولة الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة على مجرمي الحرب الصهاينة بعدم توسيع نطاق إرهابهم ليأخذ مديات أوسع جوًّا ويتعداها إلى إرهاب بري. فمن الواضح أن التدخل الأميركي يريد أن يضبط حالة الاندفاع الجنوني لكيان الاحتلال الصهيوني، ويضبط إيقاع حركة الإرهاب الصهيوني داخل فلسطين المحتلة وحركته خارجها والمدعومة أميركيًّا عبر أذرعه المتمثلة في “الدواعش والدواعش والجواحش”، خاصة بعد أن رأى الحليف الأميركي أن هيستيريا إرهابية غير مسبوقة وحالة جنون أخذتا تتملكان حلفاءه الصهاينة جراء الرد البطولي للمقاومة الفلسطينية غير المأخوذ في الحسبان والخارج عن نطاق قدرة تقدير حجمه وإيلامه.
إن التدخل الأميركي بالثوب والغطاء العربيين هو بمثابة سلم لإنزال مجرم الحرب بنيامين نتنياهو رئيس حكومة الاحتلال عن الشجرة التي اعتلاها بسبب جنون القوة العظمة الممزوج بالحماقة والغباء، فالولايات المتحدة تسارع إلى إنقاذ حلفائها الصهاينة انطلاقًا من عدة أمور:
أولًا: انهيار الجبهة الداخلية لكيان الاحتلال الصهيوني جراء الضربات الموجعة من قبل المقاومة الفلسطينية لتطول ما يعتبره الصهاينة رمز القوة والهيبة والعظمة، ونعتبره نحن رمز الإرهاب والمؤامرات والعنصرية كوزارة الحرب التي أكدت كتائب القسام الذراع العسكرية لحركة حماس أنها أرسلت طائرة دون طيار في مهمة إلى تل أبيب وطافت بوزارة الحرب وأنجزت المهمة بنجاح، وكذلك قدرة المقاومة على ضرب عدد من القواعد العسكرية وضرب السياحة باستهداف المدن السياحية وتعطيل حركة الملاحة الجوية في مطار بن جوريون، بالإضافة إلى الفشل الذريع لما سمي بالقبة الحديدية التي بدت قبة مثقوبة رغم عشرات مليارات الدولارات التي صرفت عليها، فكل ذلك مثل حالة انهيار حقيقي في معنويات قطعان المستوطنين، بينما كان في الجهة المقابلة في قطاع غزة العكس من ذلك تمامًا، حيث كان كل شهيد يسقط يعطي شحنًا معنويًّا عاليًا للمقاومة الفلسطينية وللفلسطينيين جميعًا، وكذلك منزل يُسوَّى بالأرض، بل إن كل فلسطيني بغزة يمني النفس في أن يقع شهيدًا ليرفع بشهادته الحالة المعنوية للمقاومة، وليغيظ بها عدوه الجبان الحريص على الحياة.
ولهذا سارعت الولايات المتحدة إلى إيقاف النزيف الحاصل في معنويات قطعان المستوطنين، تداركًا لأي انعكاسات خطيرة على ما يسمى المجتمع الصهيوني الهش الذي بدا كجبل ملح يذوب برشة ماء واحدة؛ لأن حصول ذلك يعني انتصارًا معنويًّا وعسكريًّا للمقاومة الفلسطينية رغم عدم تكافؤ القوة.
ثانيًا: إن استمرار كيان الاحتلال الصهيوني في مضاعفة إرهابه ضد المدنيين الفلسطينيين يعني ارتفاع أعداد الضحايا إلى عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى والنازحين، ما سيؤدي إلى تسرب صور إرهاب الدولة الصهيوني وصور الضحايا عبر وسائل الإعلام، الأمر الذي سيجر ردات فعل عنيفة وإدانات وانتقادات دولية واسعة لكيان الاحتلال الصهيوني على غرار ما حصل أثناء إرهاب الدولة المسمى “الرصاص المصبوب” (2008 ـ 2009)، قد تؤدي إلى تضرر المصالح الغربية وتسبب إحراجًا كبيرًا لداعمي إرهاب الدولة هذا.
ثالثًا: إن وقف إطلاق النار اليوم وليس غدًا، يعني إمكانية جعل هدنة عام 2012م هي المرجعية والتي توصلت إليها هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك مع الرئيس المصري المعزول محمد مرسي، ما يعني إمكان إبقاء الأوضاع في قطاع غزة على ما هي عليه من حصار وتضييق وتجويع؛ أي ميل الوضع لصالح كيان الاحتلال الصهيوني، بما يسمح له ممارسة أقصى درجات المراقبة على أي محاولات تهريب أسلحة للمقاومة الفلسطينية والتشديد على ذلك، وبما يعطيه القدرة على إفشال اتفاق المصالحة بين حركتي فتح وحماس في مرحلة ما. أما في حال خروج الوضع عن نطاق السيطرة بتوسيع كيان الاحتلال الصهيوني عملياته الإرهابية ضد المدنيين الفلسطينيين وارتفاع أعداد الضحايا واتساع حجم التدمير فسيعني ذلك أن الزمن والحدث قد تجاوزا هدنة عام 2012م ولن يقبل بها الفلسطينيون، فضلًا عما سيجره اتساع رقعة الإرهاب من تعاطف كبير مع الفلسطينيين، فتظهر المقاومة الفلسطينية ساعتئذ أنها المنتصر.
رابعًا: إن الولايات المتحدة تتحسب من استمرار الفعل أي إرهاب الدولة الصهيوني ورد الفعل (المقاومة الفلسطينية)، سواء أدى إلى عملية إرهابية برية ضد قطاع غزة أم لم يؤدِّ، توقف الربيع الصهيوني المسمى كذبًا وزورًا “الربيع العربي” وتغير هذا الربيع وانقلابه إلى خريف أو صيف حارق، وبالتالي تتعطل عمليات قطف الثمار من قبل كيان الاحتلال الصهيوني ذاته ومن قبل حلفائه الاستراتيجيين.
ولعل تلك الأمور الأربعة السابقة تفسر لجوء الولايات المتحدة إلى مصر وإعطائها لعب دور الوساطة نيابة عنها، وتقديم المبادرة على أنها مصرية من منطلق أن مصر لها ثقلها المؤثر على الفلسطينيين، وأن حركة حماس تسعى إلى فتح معبر رفح بصورة مستمرة، وترطيب الأجواء مع السلطة المصرية الجديدة، على عكس الولايات المتحدة التي أسفرت عن وجهها القبيح بمجاهرتها بدعم وتأييد الإرهاب الصهيوني ضد الفلسطينيين الأبرياء العزل، واعتبار هذا الإرهاب “دفاعًا عن النفس”.
صحيح أن كيان الاحتلال الصهيوني يريد أن يرمي بالكرة في ملعب المقاومة الفلسطينية بقبوله المبادرة “المصرية”، وإظهارها بأنها هي المعتدي وهي الرافضة للتهدئة، في الوقت الذي يراها إنقاذًا له من الخانق الذي وضع فيه ذاته بحماقته وغبائه، وما تأكيده على مواصلة إرهابه إذا لم تقبل حماس بالمبادرة إلا في إطار الضغوط والترهيب على المقاومة الفلسطينية، ولذلك فإن تنازل المقاومة عما ضحت من أجله، وما أريق من دماء طاهرة بريئة، وهو وقف الإرهاب والعدوان ورفع الحصار وفتح المعابر والإفراج الأسرى سيعني هزيمة للمقاومة وانتصارًا للعدو الصهيوني، ولذلك فليحذر الفلسطينيون، وليحذر أيضًا المتواطئون من الإقدام على ذلك.

إلى الأعلى