الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الابتلاء في الحياة (2 ـ 2)

الابتلاء في الحياة (2 ـ 2)

قال تعالى :
﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾
(سورة البقرة ، اﻵية 214)
وقفة :
وأنت أخي / أختي :
أتطلب جنة عرضها السماوات والأرض بلا ثمن؟! بلا إبتلاء ! بلا إنفاق ولا جهد
ولا غض بصر ولا ضبط لسان!
وإذا كنا تحدثنا عن الفتن والبلاء الذي مر به الصحابة ، فلا يفوتنا أن نتحدث عن فتنة وبلاء انتشر في دول اﻹسلام وهي: فتنة القتل
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم” : لَيأْتينَّ على الناس زمان، لا يدري القَاتِلُ في أَيِّ شيء [قَتَلَ]، ولا يدري المقتولُ في أَي شيء قُتِلَ؟
وقال صلى الله عليه وآله وسلم” : أن بين يدي الساعة الهرج ،، قالوا : وما الهرج؟
قال : القتل kk قالوا : أكثر مما نقتل؟ إنا لنقتل في العام الواحد أكثر من سبعين ألفا!! قال : إنه ليس بقتلكم المشركين ،، ولكن قتل بعضكم بعضا .!!! قالوا : ومعنا عقولنا يومئذ ؟ قال : إنه لينزع عقول أكثر أهل ذلك الزمان ويخلف له هباء من الناس ؛ يحسب أكثرهم انه على شيء وليسوا على شيء.
ألا ينطبق علينا ما قاله رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه ؟! أليس كل فريق اﻵن يرى أنه على شيء وأنه صاحب الحق ؟! أليس المقتول يقتل ولا يدري فيما قتل ؟!
قيل :
إن الفتن إنما يعرف ما فيها من الشر إذا أدبرت k فأما إذا أقبلت فإنها تزين ويظن أن فيها خيرا !فإذا ذاق الناس ما فيها من الشر والمرارة والبلاء صار ذلك مبينا لهم مضرتها وواعظا لهم أن يعودوا في مثلها ،،،
الحرب أول ما تكون فتية
تسعى بزينتها لكل جهول
حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها
ولت عجوزا غير ذات حليل
شمطاء ينكر لونها وتغيرت
مكروهة للشم والتقبيل
إن الفتنة إذا وقعت عجز العقلاء فيها عن دفع السفهاء ! فيعجزوا عن إطفاء الفتنة وكف أهلها ،،، اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن

وصف الفتن كما ورد في السنة النبوية وكيف ينطبق الوصف على الحال الذي تمر به الدول اﻹسلامية والعربية
*تتفاقم وتزادا وتكثر وتعظم:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (إِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ هَذِهِ مُهْلِكَتِي ثُمَّ تَنْكَشِفُ وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ هَذِهِ هَذِهِ).
الحديث يوضح أن الفتن: تتفاقم حتى أن بعضها يرقق بعضا، وذلك يعني أن الفتنة الأولى تكون كبيرة لكن يعقبها فتنة أعظم منها فترق الأولى ( رغم شدتها ) بالنسبة للثانية!
*شدة اشتباهها، وكونها مظلمة لا يتضح فيها الحق عند كثير من الناس.
يروى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما ذكر الفتن ومراحلها التي تمر بها قال عنها :
( فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ صَمَّاءُ عَلَيْهَا دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ النَّارِ فَإِنْ تَمُتْ وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جِذْلٍ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَتَّبِعَ أَحَدًا مِنْهُمْ)
و يقصد بأن الفتنة عمياء صماء أنه :لا يرى منها مخرج،، و يقع الناس فيها فيعمون فيها ويصمون عن تأمل الحق واستماع النصح،،
*التعرض لها يُوقع صاحبه في الورطة بالدخول بها،،
وهذا ما وضحه لنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه في قوله : (مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ) ،،،أي أنّ مَن تَطَلّع إلى الفتنة وتَعرّض لها وقع فيها
أخي / أختي :
كيف هو حالك مع الفتن ؟! هل أنت ممن تعرض لها فوقع فيها ؟! هل تذكر إخوانك وتهتم لما يحصل لهم أم نسيتهم كما فعل الكثير ؟!

أحوال الناس في الفتن :
*المبعد بنفسه، النائي عنها، لا يشارك فيها بقول ولا فعل ،،،
*المشترك و الواقع فيها ، ويختلف اشتراكهم ووقوعهم فيها كما يتضح لنا من قول رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه :( سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ)
يا ترى ما حال الناس اليوم أمام الفتن التي نمر بها ؟
للأسف الكثير من الناس يدخلون في الفتن، وكثيرٌ منهم يثيرها بلسانه ،، وهذا ما نراه في وسائل الإعلام التي صارت تحرّض على الفتن، وتتسبّب فيها،،وتحرص على نوع من التحليلات وعلى نوعية من الضيوف معينين يهيجون الناس ويثيرون بعضهم على بعض،
وسائل اﻹعلام التي أصبحت تحرف الحقائق فيصبح المظلوم ظالما والظالم مظلوما وأصبحنا نحن نردد ما نسمعه ونراه من تحليلات وسائل الإعلام ، نتهم هذا
نهاجم ذاك وندعي على آخر !
و قد يتساءل البعض كيف يمكنه أن يتجنب الوقوع في الفتن ؟! وكيف نواجه الفتن التي تمر بها بلاد المسلمين ؟!
لذلك سنتحدث عن وصايا الرسول صلوات ربي وسلامه عليه في مواجهة الفتن :
*الفرار من الفتن وعدم التعرض لها أو الاشتراك فيها.إذا كان تعرضك لها يجعلك تقع فيها فإن البُعد عنها طريق للسلامة منها،
*كف اللسان عن الدخول في الفتن.
روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في شأن الفتنة: (اللِّسَانُ فِيهَا أَشَدُّ مِنْ وَقْعِ السَّيْفِ) ؛؛ ﻷنه يثيرها ويجعلها تتفاقم ،،
* التروي والتثبت، و عدم الطيش والاستعجال في أمر الفتن، روي عن ابن مسعود أنه قال: “إنها ستكون هنَّات وأمور مُشبّهات، فعليك بالتؤدة، فتكون تابعًا في الخير، خيرًا مِن أنْ تكون رأسًا في الشر”
*رد الأمور إلى أهل العلم. قال تعالى: (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ)
ﻷن أهل العلم إذا رُدت إليهم الأمور علموها وبيّنوا حُكم الله فيها،،
فهل رددنا اﻷمر إلى أهل العلم الذين يجتهدون ﻹطفاء الفتن ؟!
أم إلى وسائل الإعلام التي تحرض وتشجع على الفساد وعلى الظلم ؟!
وقفة :
سئل عمر بن عبدالعزيز عن القتال الذي حصل بين الصحابة رضي الله عنهم فقال:
(تلك دماء طهر الله يدي منها، أفلا أطهر منها لساني ؟! )

أيها اﻷحبة :
إن من يرى ما تمر به الدول اﻹسلامية وما يحدث ﻹخواننا من تعذيب و تشريد وقتل ، قد يتساءل : أما آن للظلم أن يندحر ؟ أما آن للقيد أن ينكسر ؟
متى يأتي ذلك اليوم الذي يبزغ فيه فجر الإسلام، ويزول فيه ليل الظلم والطغيان ؟
و إجابة لهذه التساؤلات دعونا نتذكر قصة أصحاب الأخدود و النهاية المؤلمة التي يتفطّر لها قلب كل مؤمن وبالرغم من ذلك لم يخبرنا الله تعالى بأنه أرسل جنوداً من السماء على أولئك القتلة المجرمين، ولم يخبرنا أيضاً بأنه خسف بهم الأرض أو أرسل عليهم حاصباً،،،

فأين النصر؟!!
إن النصر لا يكون بالأسباب الظاهرة، والعقوبات العاجلة فحسب، لكن حقيقة النصر الثبات على المبادئ،،،إن النصر الحقيقي ﻷصحاب اﻷخدود أنهم استطاعوا أن يثبتوا على مبدأ الإيمان رغم كل ما واجههم من تعذيب وقتل ،،،هذه هي حقيقة النصر التي يجب أن تعلمها وتفهمها اﻷمة اﻹسلامية حتى تستحق نصر الله.ويجب أن نتأكد أن نصر الله آت لا محالة ولكنه قد يتأخر لحكمة يريدها الله ،،،

فالأمة الإسلامية غير مؤهلة لحمل راية الإسلام، فلو نالت النصر لفقدته سريعاً، لعدم قدرتها على حمايته طويلاً ،،،
يتأخر النصر لأن الله سبحانه يريد من المؤمنين أن يزيدوا صلتهم بالله، ويجردوا نواياهم من كل ما يشوبها من حب للظهور أو طلب لأطماع دنيوية،،،
قد يتأخر النصر لأن الباطل الذي تحاربه الفئة المؤمنة لم تنكشف حقيقته للناس و لم يقتنعوا بعدُ بفساده فيحتاج الأمر إلى مزيد من الوقت والجهد لكشف زيفه، وبيان بطلانه،،
قال تعالى: )حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ(
يجيء النصر بعد اليأس من كل أسبابه الظاهرة، التي يتعلق بها الناس،،
يجيء النصر من عند الله في اللحظة التي يتحقق فيها معنى التوكل،
فيتجرد المؤمنون من الأسباب بعد أن بذلوها، ويتعلقون برب الأسباب وحسب
يجيء النصر حين يكون همنا وهدفنا إعلاء كلمة الحق و نصر دين الله وليس تعصبا لفرقة أو طائفة ،،
يجيء النصر حين نستقيم على أمر الله، ونلتزم بشرعه ،، حينها يتحقق وعد الله
{إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}

لكل أخواننا المستضعفين و المظلومين الذين يسألون متى نصر الله، فليتذكروا أن الرسول صلوات ربي وسلامه عليه خرج من مكة مهاجرًا طريدًا، ثم عاد إليها فاتحًا مجيدًا،،، بلال بن رباح تقلبت أحواله من التعذيب عبدًا تحت الصخرة، إلى التشريف مؤذنا فوق الكعبة ،،صلاح الدين طهر بيت المقدس بعد تسعين سنة من دخول النصارى فيه ،،،

ختاما :
إن نصر الله مدخر لمن يستحقه،، ولن يستحقه إلا الذين يثبتون حتى النهاية، الذين يثبتون على البأساء والضراء ، الذين يصمدون للزلزلة حتى يأتي أمر الله …إن الله سوف يعلي كلمته، وينصر دينه، ومهما طال ليل الهزيمة، فإن فجر النصر آت بإذن الله ووعده، وحينئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله ،،،
نسأل الله تعالى أن يرينا ذلك اليوم، وما ذلك على الله بعزيز
وللموضوع بقية …

اعداد جوخة الحارثية

إلى الأعلى