السبت 24 أغسطس 2019 م - ٢٢ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / المحليات / نساء من الزمن الجميل (2)

نساء من الزمن الجميل (2)

شخصيات نسائية بارزة بل نساء مجتمع لهن من الهيبة والحضور ما يجعلنا نكن لهن مشاعر الاحترام بلاحدود كيف لا وقد تعلمنا قراءة القرآن وتجويده وحفظه بفضل جهودهن وإخلاصهن في تنشئة جيل يجيد التلاوة وكانت بيوتهن مقرات لاحتضان الدارسين لكتاب الله فما أروعه من مشهد وقد تجمعنا في عدة حلقات و”البيبيه” أو “المعلمة” ـ كما كنا نسميها ـ في ذلك الوقت تجلس بهيبة والعصا رفيقة لها وقليل من لم تلامس العصا جسده، فالأحاديث الجانبية وعدم الحفظ كانت من الأمور التي تثير غضب المعلمة ولانشعر إلا والعصا تحسم الموقف ليسود الصمت المكان تارة وتتعالى أصوات التلاوة تارة أخرى.
ما يحدث في قريتي بعد صلاة العصر وأتحدث عن زمن السبعينيات والثمانينيات حيث يتوافد الدارسون من الجنسين من مختلف المراحل العمرية من القرى المجاورة لنصادفهم في السكة أو عند باب (البيبيه) لإلقاء التحية والسلام وكلنا فرح وسعادة لدخول إلى (حوي) أو باحة منزل المعلمة لنجدها في استقبالنا ببشاشة وجهها ونلقي عليها التحية ونقبّل رأسها ويديها ونبلغها سلام الأهل لها.
كان صيفا حارا ملتهبا بحرارة القيظ وكانت المراوح منتشرة في أرجاء المكان لتلطف الجو والكل يحمل مصحفه ولن أنسى حبات العرق التي كانت تسقط من وجه المعلمة وهي تتحمل ضعف قراءتنا في سبيل أن نقرأ القرآن بصورة صحيحة فكم كانت حبات العرق تلك غالية علينا فأي فرحة كان يعيشها من ختم القرآن فحضوره يكون مميزاً والاحتفاء به رائعاً.
عندما ينتهي وقت الدرس فإن البعض يرجع إلى بيته والبعض الآخر يذهب ليستمتع بهواء البحر واللعب على شاطئه ولم تكن حرارة الصيف حينذاك مزعجة فصيف قريتي كان ممتعاً أيضاً لأن البعض يجد في السباحة مع هدوء البحر ونغمات أمواجه شيئاً من الراحة التي تطفئ حرارة القيظ وخصوصاً وقتي الصباح والعصر .
فتحية إجلال معطرة بالاحترام والتقدير أبعثها من خلال كلماتي إلى المعلمات الفاضلات المرحومة آمنة والى الحاجة حليمة والحاجة بيبيه صفية ـ كما كنا نناديها ـ أطال الله في أعمارهما ـ شخصيات رائعة بل أمثلة مشرفة للمرأة الريفية التي كانت تساهم في العطاء المجتمعي منذ بزوغ النهضة المباركة.
دورهن كان كبيرا في غرس التربية الدينية في نفوس النشء وأسلوبهن المشوق والجميل المفعم بالرحمة والجدية في التعليم نساء تستحق كل الثناء والشكر والتقدير فهذه نماذج لنماذج كثيرة موجودة في مجتمعنا العماني الأصيل فأتمنى أن تكون هناك لفتة مجتمعية تكريمية لتلك النماذج الطيبة والاحتفاء بدورهن فتلك نماذج لن يكررها الزمن وبصماتها وسام شرف ستظل في ذاكرتنا على مدى السنوات.

سميحة الحوسنية
مراسلة “الوطن” بولاية الخابورة

إلى الأعلى